العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الأزرق من حزيران/ يونيو ١٩٦٧

فصل من مذكرات ١٩٦٧: في الزنزانة لم يدركوا بعد أننا خسرنا الحرب — والبعلبكي يحلم بفتح القفص لعصفوره، كأن شاهين كان بيننا.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

الأزرق من حزيران/ يونيو ١٩٦٧

فواز طرابلسي

باللّون الأزرق أتذكر حرب حزيران/ يونيو ١٩٦٧.

كانت السّماء الحزيرانية ذات زرقة صافية. وإلى الأزرق الطبيعي، أضافت التعبئة للحرب لونها الأزرق. كات بيروت متألقة في دثارها الأزرق فقد طلى أهلها النوافذ بالطلاء الأزرق أو ألصقوا عليها الورق الأزرق تنفيذًا لتوجيهات “الدفاع المدني” التي قضت بالتعتيم بالأزرق تحسبًا للغارات الجوية الليلية. وصار ممنوعًا على السيارات التجوّل ليلاً إلا إذا كانت مصابيحها هي أيضًا مطليّة بالأزرق. وقد قيل لنا آنذاك في تفسير التعتيم بذاك اللون، بدلاً من اللون الأسود مثلاً، أن الأزرق هو اللون الّذي يبدّد الضوء.

وقعت علينا حرب حزيران/ يونيو 1967 ونحن في أوجّ الحماس والترقّب، نستدعي الحرب استدعاءً ونردّد مع فيروز والرحابنة: “الآن الآن وليس غدًا”. في الجامعة الأميركية، سيطر الطلاب القوميون واليساريون على الوضع. أقمنا إذاعةً مفتوحةً على إذاعة “صوت العرب” في «الوست هول» تبثّ الأناشيد الحماسية وأخبار المعارك والانتصارات. ونظّمنا تظاهرةً صاخبة، داخل الحرم الجامعي، باتّجاه السفارة الأميركية، الملاصقة للجامعة من جهة منامة الطلاب والملعب. وفيما كانت تظاهرة شعبية تحاصر السفارة من أمام، جهة “كورنيش” المنارة والبحر، كنا، نحن طلاب وطالبات الأميركية، نلاقيها من داخل الحرم الجامعي نراشق المبنى بالحجارة والبعض منا اخذ يقذف زجاجات “المولوتوف” الحارقة، محاولاً عبثًا إدخالها عبر النافذة الوحيدة المواجهة لنا، حيث يتناوص علينا منها احد افراد «المارينز» بشيء من التهكّم. ومن ابرز المقنبلين طالب سوف يتبوأ منصب رئيس حكومة لبنان في مناسبة “وطنية” شبيهة.

لأوّل مرة، انعقد التعاون في “المعركة القومية المقدّسة” بين الطالب القوميين واليساريين و أعضاء حزب الكتائب و”الرابطة اللبنانية”، نلاقيها من داخل الحرم بعد سنوات من النزاع الضاري بيننا، خاصةً عندما كانوا يقرّرون منعنا من الاحتفال بذكرى الوحدة المصرية – السورية فتنشب معارك لم تكن تخلو من الوحشية وإسالة الدماء، دماء “الرابطيين” وقد كانوا أقلية في الجامعة. فانضمّ عبد الله أبو حبيب، ممثل “الرابطة اللبنانية” وحزب الكتائب، إلى عضوية اللجنة الطلابية التي أخذت تسيّر شؤون الجامعة.

أهابت الاذاعة بالطلاب التطوّع للقتال. تدفقوا بالعشرات. لم يكادوا يصلون، فتيات وفتيان، إلى دمشق وعمّان حتى كان قد أعلن وقف إطلاق النار. وفي بيروت، انتهت حربنا باقتحام قوات الأمن حرم الجامعة وإخراجها الطلاب المعتصمين وإقفالها الأبواب في وجههم.

في مجموعة «لبنان الاشتراكي» قررنا اصدار بيان ينتقد دور الجيش في حراسة المصالح البريطانية والأميركية ومكاتب شركات النفط في بيروت بدلاً من قتال إسرائيل في الجنوب. تأخرتُ في كتابة البيان فتولّى كتابته رفيقٌ آخر. وزعنا البيان الذي وقّعناه باسم «اشتراكيون لبنانيون» على نطاقٍ واسعٍ وبأساليب وتقنيات مختلفة، بما فيها التوزيع الليلي تحت أبواب البيوت. من جهتي، كنتُ من ضمن مجموعة توزيع متجوّلة في سيارة أميركية فارهة تحمل اللوحة الزرقاء لمجلس النواب خاصة والد أحد الرفاق. ألقي القبض على أحد الشباب من حيّ النبعة، وهو يوزّع البيان، فأخذنا نتحرّك لاطلاق سراحه لدى من كنا نسمّيهم “الزعامات التقليدية” التي كنّا ننتقدها بحدّة في كتاباتنا والبيانات. قصدتُ المختارة لمقابلة كمال جنبلاط برقفة احد الاصدقاء فلم نجده. فالتجأنا، أنا ومحمود سويد، إلى عضو قيادة الحزب الاشتراكي، محسن دلول، في “وكالة أنباء الشرق الأوسط”، فأجرى اتّصالاتٍ تتعلق باعتقال رفيقنا وبدلا من ان يعدنا خيراً، نصحنا بأن نتوارى إذا كانت لنا علاقة بالأمر.

في المساء كان التحلّق حول أجهزة التلفزيون الأسود والأبيض للاستماع الى اعلان جمال عبد الناصر استقالته. قليلون وقليلات نجحوا في حبس الدموع. الشعور العارم هو الشعور بالتخلّي. حالة طفلية طغت على الجميع. في اليوم التالي، توالت التظاهرات. شاركت بيروت باوسع تظاهرات ومسيرات شعبية عرفتها في تاريخها الى ذلك الحين. انفجر الغضب الشعبي. وجدتني وسط التظاهرات والمسيرات العارمة، تطالب جمال عبد الناصر بالعودة عن استقالته، وقد انضمّ إليهم سكان الضواحي. تعرّضت المحلات التي كانت ترفع يافطاتٍ بالفرنسية والإنكليزية لتحطيم واجهاتها الزجاجية، وأجبر سائقو السيارات الوافدة إلى العاصمة أو المتجوّلة فيها، على أن يخطّوا على زجاجها بالدهان الأبيض كلمةً واحدةً – “ناصر”. وإلا تتعرّض سياراتهم للتحطيم.

في صباح اليوم التالي على التظاهرات، اقتادني عنصران من افراد المكتب الثاني من شقتي في شارع مدحت باشا بالظريف الى مكتب بشارع بدارو ببيروت. فتشّوا الشقة لم يعثروا على شيء بعد ان ازلنا كل الوثائق والأوراق وآله «الرونيو» الطباعية الى بيت احد الرفاق الذي يشغل اخوه منصبا كبيرا في الجيش. في التحقيق انكرت معرفتي بالمعتقل وبالبيان. كما انكرت معرفتي بمن يكون الطرف الذي كتب البيان وطبعه ووزعه او من هم «اشتراكيون لبنانيون» الذين وقّعوه. لم يطل التحقيق. جاء احد اصدقاء العائلة من وجهاء مشغرة معروف بعلاقاته الوثيقة بالمكتب واعادني الى الفندق العائلي في بحمدون. ودعني المحقق: هذه المرة نخليك كرمى لعين الأستاذ رفيق. وهو اسم صديق العائلة.

كان الاخلاء مؤقتاً. في صباح اليوم التالي وفد اثنان من شباب المكتب الثاني الى الفندق طالبين ان أرافقهما الى بيروت. وضعت في المقعد الخلفي لسيارة «فولكسفاغن» بيضاء وهي ماركة مسجلة لافراد «المكتب الثاني». اعتقلت في ثكنة الأمير فخر الدين قرب “الأونيسكو”. بعد برهة وجيزة من اقفال باب الزنزانة الانفرادية عليّ، سمعت نقرا على الباب. فتحت الناقذة الصغيرة لالقى الرفيق الذي عرفني بنفسه ولم اكن اعرفه من قبل. ابلغني ان الهياج يعمّ أوساط العسكريين وانه تعرّض لضربٍ مبرح، ودوس بالارجل وتهديد بحرقه حيا بعد ان صب عليّ «الكاز»، فأعطى اسمي بدلاً من أن يفشي بأسماء رفاقه في الحي، لاعتقاده، عن حق، أنّ رفاق بيروت، والعلنيين منهم خاصة، أقدر على تدبّر أمرهم بالوساطات من سكان النبعة.

في حضرة نائب رئيس «جهاز الامن المشترك»: من انتم لتعلمونا كيف نخوض الحرب؟ درست سنوات لاتعلم كيف اقود سرية، وتريدون تعليمنا كيف تقاد الجيوش؟ كأنه يقنع نفسه وهو معروف بميوله الناصرية، استطرد ليشرح لي انه حسب اتفاقية الدفاع العربي المشتركة، اذا كان ثمة تفوق جوي عربي يتعيّن على الجيش اللبناني التقدم في الأراضي الفلسطينية ليحتل عكا. اما اذا كان تعادل تفوق جوي اسرائيلي، يقتصر دور الجيش اللبناني على حماية حدوده.

كان صيفًا بالأزرق. والسماء أيضًا زرقاء صافية من وراء الأسلاك الشائكة. والشمس ساطعة على المربّع الصغير حيث يتحرّك بضعة شبانٍ وكهل يحاولون تعريض أكبر مساحاتٍ ممكنة من أجسادهم للشمس. أي هدوءٍ في هذا اليوم الحزيراني الجميل.

عندما سمحوا لي أخيرًا بأن أخرج إلى التشميسة، أسرعتُ إلى حنفية الماء وكوّرتُ يديّ الاثنتين تحتها وارتشفتُ الماء مرّةً اثنتين ثلاث أربع مرّات، ثمّ مسحتُ وجهي وزفرت. وجدتهم متحلّقين حولي شأنهم أمام كل معتقل جديد. وبدأت حفلة التعارف الحذرة وكل واحد يروي روايته وهو فيها بريءٌ ومظلوم. ثم بادرني أحدهم: وما أخبار الحرب؟

-أي حرب

ما كانوا أدركوا بعد أننا خسرنا الحرب.

-وعبد الناصر؟

-استقال ورجع عن استقالته.

رمى أحدهم قعصة الماء المعدنية أرضًا. والعكاري المتّهم بتهريب الحشيشة تمتم: «العرب جرب» وبصق أرضًا. اعترف ابن عاليه المتّهم بسحب مسدّسه في ساحة القرية ضد أحد محازبي جنبلاط: ما كنت حب عبد الناصر. جماعة جنبلاط هن اللي بيحبّوا عبد الناصر. اليوم، أنا معه، بس، الله يسامحك، يا عبد الناصر، سوّدت وجهنا قدّام العالم.

صمت البعلبكي طويلاً: بالضيعة عندي عصفور بالقفص. بعد ما أطلع من الحبس، راح أفتح له باب القفص ليطير. يا رجال، ما في أحلى من الحرية.

كأنّ يوسف شاهين كان جالسًا بيننا عندما كتب سيناريو فيلم “العصفور”.

وحده ظلّ صامتًا. يجلس القرفصاء وقد وكأ ظهره إلى الجدار. هو شيخ سبعيني عجوز نحيل يرتدي جلبابًا ويعتمر “عرقية” على رأسه. وكان ينصت بانتباه ويجهد لأن يعرّض كل جسمه للشمس. سألتهم عنه فقالوا: يهودي من وادي أبو جميل. ابنه في إسرائيل.

تقدمتُ نحوه: وأنت يا عم، بأي تهمة؟

•– يا ابني ما يجيء أحد إلى هنا وهو بريء.

ثم عاد إلى صمته. وبعد قليل، قام ومشى بتثاقل. أقعى ليتناول قصعة الماء المرمية أرضًا ومسحها بطرف جلبابه ثم ملأها من الحنفية وتوجّه نحو المرحاض وأغلق الباب الخشبي بهدوء…

أما أنا، فكأني، وأنا أروي للمعتقلين تفاصيل ما آلت إليه الحرب، أقنعتُ نفسي بأن الهزيمة قد وقعت فعلاً. فلما أقفل عليّ باب الزنزانة في العشية، أخذتُ رأسي بين عشري وبكيت.

سقت الى أمام المحقق مساء، تمكّنتُ من التملّص من تهمة كتابة البيان بسبب خطأ ارتكبه الرفيق الذي كتبه، فذكر شركة “شل” للنفط بصفتها شركة أميركية في حين هي بريطانية – هولندية. النافذة ذات قضبان حديد. وعلى الطاولة تقرير استرقيت النظر اليه عنما خرج المحقق يتحدث عن اجتماعات تعقد في النبعة مع ذكر أسماء الحضور واسمي من بينهم. عاد المحقق وادخل احد السجانين. امرني بالاستلقاء ارضاً ورفع الرجلين على كرسي. انها الفلقة. خلعت جواربي وانتظرت الضربة من عصا غليظة بيد الرجل. بعد اول ضربة قفز المحقق من خلف المكتب: اربأ بك طالب جامعي ومثقف وابن عائلة وطنية ان تتعرّض للضرب. قلت لنفسي: لديهم أوامر بعدم الضرب او التعذيب. تصلّب يا فتى.

أطلق سراحي، بعد عشرة أيام في ضيافة الأمير، والمثول امام المدعي العام العسكري في المحكمة العسكرية، لا لمعارفي النفطية طبعًا وإنما بناءً على وساطات مناطقية وعائلية، وكانت الجهتان المتدخّلتان لصالحي على طرفي نقيضٍ من الاستقطاب السائد تجاه الموقف من الحرب، بين من يطالب بالمشاركة في القتال ومن يعتبر أنّ لبنان نجا من كارثة محقّقة، خاصة بالنظر إلى ما آلت إليه المعارك.

مهما يكن، بدا الاعتقال في ضيافة الأمير فخر الدين- ولو في عزّ سطوة “المكتب الثاني” ووسط الأجواء المتوتّرة التي أثارتها حرب حزيران/ يونيو- أقرب إلى نزهةٍ جميلة على شاطئ البحر في يومٍ ربيعي!

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
العالم العربي فلسطين لبنان مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
التاريخ الذاكرة الصراع العربي الإسرائيلي فلسطين لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.