إعدام الاحكام في إعدام صدّام
فوّاز طرابلسي
سددت الطريقة التي جرت بها محاكمة صدام حسين ضربة تكاد ان تكون قاضية الى محاكمة الرؤساء والحكام العرب تضارع صدور حكم بالاعدام في حق المحاسبة والشفافية والمحاكمة والمسؤولية والعقاب.
لما كانت منظمة العفو الدولية قد أوفتْ التجاوزات الحقوقية والقانونية حقها من النقد، بما فيها آليات الاستئناف والتمييز، لا بد من ان نسجل مهزلة سلطة ينوب فيها رئيس الوزراء بالمصادقة على حكم بالاعدام، دون سائر اعضاء مجلس الرئاسة، والاستفزاز المتعمّد في قرار تنفيذ الحكم في عيد الاضحى، الذي يزيد من بشاعته ايحاءه بتحويل الدكتاتور القاتل الى… ضحية.
لكن جدير ان نتوقف عند ما تناوله الإدعاء وما حجبه. يشي إختيار جريمتي الدجيل، انتقاما لمحاولة اغتيال صدام قرب تلك القرية الشيعية، وحملة »الانفال« ضد الاكراد، وهو خير معبّر عن المنطق الذي به تم الادعاء والمحاسبة والمحاكمة والعقاب. فقد إلتزمت المحاكمة التزاما حرفيا بالترسيمة التي فرضتها الولايات المتحدة على العراق، واعتمدها »المجتمع الدولي« منذ العام ۱۹۹۱، على اعتباره منقسما الى إثنيّة – الاكراد- ومذهبين اسلاميين، السنّة والشيعة (العرب). ازاء الجرائم التي ارتكبها صدام على امتداد الثلاثين سنة من حكمه، تكاد تبدو الجريمتان من قبيل الترميز. في مجال التنكيل بسكان الجنوب العراقي، مثلا، لم تطاول المحاكمة مثلا قمع انتفاضة آذار/مارس ۱۹۹۱ وعشرات الالوف من المواطنين المتمرّدين الذين هرستهم دبابات الحرس الجمهوري الخاص بقيادة علي حسن المجيد (الكيماوي) مرتكب جرائم »الانفال«. حتى ان محكمة الانفال ذاتها لم تكتمل فصولا لاسباب لا تزال مجهولة. والحملة، الى اعمال القتل والتعذيب والاغتصاب التي مورست خلالها، كانت حملة تطهير عرقية واسعة النطاق، دمّرت مئات القرى الكردية وهجّرت مئات الالوف من السكان وأحلّت محلّهم شيعة عرب من الجنوب لتشكيل حزام سكاني عربي على الحدود مع ايران، ولتعريب كركوك النفطية على حساب التركمان والاكراد معا. والافدح ان الاقتصار على جريمتين واحدة من الشمال واخرى من الجنوب، يبدو كأن لا ضحايا من الوسط اي من المنطقة السنّية. هكذا فإن »تطييف« الضحايا على هذا النحو، و»أثنتتهم« (نسبة الى اثنية)و كأنه يجرِّ م لا صداما وحده وانما المذهب الذي ينتمي اليه، ويحجب الجرائم المرتكبة بالعراقيين بما هم عراقيون من بعثيين وناصريين وديمقراطيين وشيوعيين، ومواطنين عاديين لا هوية عقائدية وسياسية لهم قضوا ضحية العسف القراقوشي، بغض النظر عن انتماءاتهم الاثنية والمذهبية.
في اطغاء الوجه الجنائي في الادعاء والاتهام، اضاعت المحاكمة وضيِّ عت كل ما له علاقة
بالمحاسبة السياسية والاقتصادية والانسانية.
خلال محاكمة استغرقت نحو السنة، لم يحاسَب صدام حسين على اي من سياساته. وهي نموذج عن الحكم الاستبدادي الطليعي الذي يعتقد ان الشعب مبتلٍ بالمرض الثلاثي الذي يتحدث عنه ميشال عفلق: الفقر والجهل والمرض. حيث الشعب هو النشاز لأنه لا يتطابق مع العقيدة، فيجب معاقبته اعادة قولبته لينسكب في القالب الملائم له. ذات مره، كتب صدام سلسلة مقالات صحفية باسم مستعار هاجم فيها، فيمن هاجم، سكان منطقة الاهوار الجنوبية، متّهما اياهم بنقص في عروبتهم، لكونهم ذوي اصول افريقية على ما ادعى، معيّرا اياهم بانهم عراة وبان نساءهم يعملن مومسات في ببغداد. لم يكتب صدام فقط. قرّر تجفيف مستنقعات الاهوار التي تزيد مساحتها عن مساحة لبنان، بما يمكن تصوّره من كوارث على البشر والبيئة.
وفي مضمار اعادة قولبة المجتمع ليتطابق مع العقيدة، كان هذا الريعي بامتياز، الخارج عن منطقة هامشية والصادر عن اصل اجتماعي متواضع، يتصرّف على اساس ان العمل اليدوي عيب. وبما ان عقيدته القومية تتبرّم من الانشقاقات الطبقية، قرر الغاء الطبقات. فإستصدر قانونا بالغاء الطبقة العاملة وتحويل العمال الى موظفين. اما الفلاحون، فجنّد عشرات الالوف منهم في الجيش واجهزة الامن والمخابرات. واستعان باكثر من مليون فلاح مصري ليحلّوا محلّهم. وما لبث هؤلاء الذين اندفعوا الى ديار البعث في سعيهم وراء لقمة العيش ان عاد الالوف منهم في اكياس نايلون ضحايا القتل الانتقامي على يد الجنود العائدين من الحرب مع ايران.
لم يحاسب صدام حسين على اي من هذه الجرائم والسياسات. لا يجوز ان ننسى له محاولة للتصنيع سرعان ما تخلّى عنها. ولا تزويده العراق بقدرة ذاتية نووية، بدأت للاغراض السلمية وانتهت على ما انتهت عليه. ولكن، من يذكّرنا بتبديد ثروات العراق المادية والبشرية؟ بالسرقات بالمليارات من الدولارات التي جنتها الحاشية باحتكارها المواد الاساسية زمن الحصار والعقوبات الدولية؟
حوكم صدام على جرائم. لم يحاسب على ثلاث حروب شنّها على امل تصدير ازمات نظامه الخانق. لم يحاسب على المليون من ضحايا الحرب مع ايران التي شنّها صدام بتأييد حار من هنري كيسنجر الذي تنبأها حربا سوف تنتهي بانتصار عراقي في اقل من شهر، حربا خيضت نيابة عن مشايخ وملوك وامراء النفط الخليجيين. فمن يسائل عن حرب حفرت خندقا من الدم بين العرب
والايرانيين؟ من يحاسب على الانجاز البعثي الاكبر الذي هو غزو بلد عربي لبلد عربي آخر، تلك الضربة القاتلة التي سددها نظام صدام للعلاقات العراقية-الكويتية ولفكرة الوحدة العربية؟ من يعوّض على التعويضات للكويت التي فرضتها المؤسسة الدولية واسترهنت نفط العراق لعقود من الزمن. وهل من يحاسب الدكتاتور على تسليمه العراق الى الامبراطور؟
فمبروك للحكام العرب يستطيعون ان يتنفسوا الصعداء في محاكمات تقتفي اثر جنح على حساب جنايات وعمليات ابادة وتنأى عن السياسات. ومبروك لاصحاب نظرية »إجتثاث البعث«
ومنظرّوها النشامي امثال كنعان مكيّة واحمد الجلبي على هذا المأثرة الانقلابية في بعث حزب البعث الى ابد عقود وعقود من الزمن. اما في العراق، حيث اسهم الاعدام في مزيد من توتير العلاقات المذهبية، يجب ان نعلم ان التحقيق مستمر. فقد وعدت الحكومة بالكشف عن الكيفية التي بها اختلس بعض الحرس صور صدام ميتا وعن الطريقة التي بها تسربت الصور الى الصحف.
هذه محاسبة تليق بالعصر الامبراطوري، المدجج بمزاعم نشر الديمقراطية، والمتربّع على قمة العولمة الاعلامية!
بعد هذا، نستطيع ان نجلس الى شاشات التلفزة، ولا بأس من ان نأخذ نَفًساَ او نفسين من اركيلة نفيسة قربنا نؤكد بواسطتها هوياتنا المستجدّة. بانتظار مشهد يفوق اثارة من صور التفاف حبل المشنقة حول عنق دكتاتور مخلوع مدّعي فحولة عتيد يبارز شبّانا متحمسين من الحرس يتطاولون عليه.
فيرد على سبابهم بالسباب.
