٢٥ يناير المصري والشرعيات الثلاث
فواز طرابلسي
هذا الـ ٢٥ يناير ٢٠١٢ هو قبل اي شيء آخر يوم للفرح.
فرحT بنات وابناء الشعب المصري وهم يحتفلون بأم الثورات العربية في أم الدنيا.
ولا يسع مواطن عربيّ يحلم معهم بالخبز والحرية والورد الا ان ينضم، بالصورة والصوت والرمز والشعور، إن لم يستطع بالجسد، الى الملايين منهم تحتفل بالحدث التاريخي في الميادين والساحات والشوارع في وادي النيل. ويتم الاحتفال لاول مرة في ظل غياب قانون الطواريء المفروض منذ العام ١٩٥٨ – فإذا المطلب الاول للثورة يفرض نفسه بعد سنة عندما أعلن المشير حسين الطنطاوي ألغاءه عشية المناسبة.
هو فرح بالانجازات: اسقاط رئيس دولة سلاطيني توريثي وإحباط محاولة تولية نائبه وفق ترسيمة اميركية-خليجية صارت مألوفة لانقاذ الانظمة من بين ايدي شعوبها، طبّقت في اليمن والسعي جارٍ الآن لتطبيقها في سوريا. وإسقطت وزارة وفرِضت الانتخابات النيابية وافتتحت المسيرة الانتقالية الدستورية بعد عام لا اكثر من تاريخ اندلاع الثورة. والاهم افتتاح محاكمة الرئيس المخلوع وأبنيه وبطانته. فقارِن مشهد حسني مبارك في المحكمة بعلي عبدالله صالح يغادر البلادو بالرعاية الاميركية-الخليجية ذاتها، ولا يجد من كلام غير طلب العفو على التقصير، كأنه لم يرتكب بحق شعبه كل قبائح الدنيا والآخرة بما فيها النهب والمجازر، بل كأنه دعا الشعب اليمني الى وليمة لم يقم فيها بواجب الضيافة كاملا!
هذه انجازات تاريخية لم تكن لتتحقق لولا ان ما يجري هو ثورة ترفع شعارات «العمل والحرية والخبز» وتسير تحت راية «الشعب يريد اسقاط النظام». اي لولا التظاهرات والاعتصامات المليونية في ارجاء البلاد الواسعة، لعب فيها الشباب من كافة الفئات الاجتماعية دورا بارزا، وفرضوها بضغط الحشود، وبقوة التماسك والجرأة والصمود واستعادة كرامة من بات لهم صوت ورأي بعد ان كانوا مجرد اعداد، فدافعوا عن ميادين تحريرهم والساحات ضد الاغلاق والاجتياح وأحبطوا محاولات متكررة لاشعال الفتن الطائفية في حوادث حرق الكنائس ومجزرة ماسبيرو. واخيرا ليس آخرا، تصدّوا للابتزاز بسوء الاحوال الاقتصادية والامنية ودعاوى «الامن الاجتماعي» اعذارا لوقف المسار الثوري.
يطل العام الثاني من الثورة على مصر وهي مسرح للتنافس والحوار والتفاوض بين قوى ثلاث لكلٍ شرعيتها. ولعل تشخيص هوية كل واحدة من هذه القوى واهدافها والوسائل يسمح باطلالة على ما قد ينتظر الشعب المصري وثورته في العام المقبل.
+ الجيش (بالقدر الذي يمثله «المجلس الاعلى للقوات المسلحة»). وهو الركن الاساسي للنظام السابق يستمدّ قوته و «الشرعية» من قوته العسكرية وامتداداته الامنية واحتكاره العنف، وايضا من استمراريته كسلطة امر واقع منذ العام ١٩٥٢ ومن دعم القوى الخارجية العربية والاقليمية والدولية له. وعلاقة القوات المسلّحة المصرية بالسلطة خصائص لن تلقاها في سائر الانظمة العسكرية. فهي قوة اقتصادية وانتاجية واستراتيجية تتصرّف بموارد ومرافق ووسائل اتصال ومواصلات ولكنها تتمتع، في المقابل، بمقدار كبير من الاستقلال الذاتي في ادارة شؤونها بذاتها، دون الخضوع الفعلي للسلطة السياسية ولرقابة المؤسسات المدنية. ويستمدّ المجلس العسكري «شرعيته» في الثورة – وليس منها – لدوره في رفض الاوامر القاضية بإخمادها بالسلاح وإن يكن لم يحجم عن اللجوء الى القمع والسلاح عندما باتت السلطة الانتقالية بعهدته بعيد تنحي مبارك.
+ شرعية شعبية متجسدة في «مجلس الشعب» صادرة عن إنتخابات حرّة شهدت إقبالا واسعا من الناخبين، أدت نتائجها الى انقلاب كبير في موازين القوى السياسية في البلاد، حيث إحتلّت التنظيمات الاسلامية مجتمعة ما يربو على ثلاثة ارباع المقاعد بعد ان تلاشى تمثيل حزبي الوفد والوطني الديمقراطي، ويرجح ان ناخبي هذا وذاك صوّتوا في معظمهم للمرشحين الاسلاميين. ولا بد من التنبيه هنا ان هذه الانتخابات تمت وفق نظام انتخابي وفي ظل دستور كلاهما قيد الدرس.
+ شرعية ثورية تتشكل في قوة ضغط جماهيرية أطلقت الثورة بكثير من العفوية وتكبّدت وتتكبد القسط الاكبر من المسؤولية والتضحيات من اجل تأمين استمراريتها نحو بناء دولة مدنية ديمقراطية قائمة على حكم القانون والمؤسسات الدستورية المنتخبة.
لا بد من ملاحظة ما بين الشرعيتين الشعبية والثورية من تفارق. نال اصحاب الشرعية الثورية من مقاعد مجلس الشعب أقل من وزنهم الحقيقي في الشارع والميدان والمجتمع، وخصوصا اقل من وزنهم في الفعل الثوري الذي أتاح للانتخابات ان تنعقد وتجري بحرية. في المقابل، نال أصحاب الشرعية الشعبية حصة من مقاعد البرلمان اكبر مما يخوّله لهم وزنهم في الثورة.
تكاد المنافسة والنزاع بين القوى الثلاث يتلخصان في المعاني المعطاة لمفردتي «مدني» و«مدنية».
تلتقي الشرعيتان الثانية والثالثة في تفسيرها المعنى الاول عند مطلب النقل المباشر للسلطة الانتقالية من العسكريين الى المدنيين. على ان الامر ليس بهذه البساطة. في الامر شرعية رابعة. لما كان جزء كبير من شرعيات السلطات العربية ممنوح من الخارج، ومستمدّ منه، تلقى التنافس على أشدّه بين الغالبية البرلمانية الجديدة والمجلس العسكري على إكتساب تلك الشرعية عن طريق تقديم أوراق اعتماد اساسية للراعي الاميركي-الخليجي. يقدّم المجلس العسكري تعهده الامن الاقليمي والحدودي وضمان الاتفاقيات (مع اسرائيل خصوصا) الى رعايته «الامن الاجتماعي ». ويضيف اليها تعهدات قد تبدو مفوّتة:الجيش بما هو الضمانة في وجه «التطرّف الاسلاموي». في المقابل، تقدّم الاكثرية النيابية الاسلامية الاخوانية الالتزام بالسياسات النيوليرالية وباتفاقية كامب ديفيد و«العلاقات التقليدية» مع اوروبا والولايات المتحدة. فتردّ الادارة الاميركية التحية بأجمل منها فيهنيء مصدر رسمي اميركي حزب «النور» السلفي على فوزه بربع مقاعد مجلس الشعب !
يدور المعنى الثاني لـ«المدنية» مدار معانيها في انتظام العلاقة بين الزمني والديني والمقدّس في الدستور والمؤسسات. هنا تتفارق الشرعيتان الشعبية والشرعية حول تضمين الدستور المبدأ الديمقراطي الصريح عن المساواة السياسية والقانونية بين المصريين بما هم مواطنون. والمعني المساواة بين رجال ونساء وبين مسلمين وغير مسلمين امام القانون وفي الحقوق السياسية كالانتخاب والترشّح وتسلّم الوظيفة العامة ،القضاء، الخ.
اما الخلاف المتوقع الثاني، فيتعلّق بالتشريع. اصرّ السلفيون على افتتاح حضورهم في مجلس الشعب بطرح الموضوع حين قالوا، عند القَسَم: نخضع للدستور شرط ان لا يتعارض مع شرع الله. والسؤال: من يتولى تفسير «شرع الله» والتأويل: السلطات المدنية المنتخبة، والاستفتاء الشعبي العام عند الضرورة، ام المراجع الدينية المعيّنة ذاتيا من خارج الانتخاب والسيادة الشعبيبن.
مسألتان في جوهر الديمقراطية قبل ان يكونا من عنديات العلمانية التي تبقى في الاساس البسيط منها تدبير سياسي يؤسس لحياد الدولة الديني ولا يقحم الايماني والمقدّس في شؤون الحكم.
يبقى ان كل الدلائل تشير الى ان من حاز على ثلاثة ارباع مقاعد مجلس الشعب لن يستطيع ان يشكل حكومة ائتلاف وطني تراعي الحد الادنى من التوازن الوزاري في غياب اي توازن نيابي. خيرٌ لليبراليين والديمقراطيين والقوميين واليساريين ان يتركوا التيار الاسلامي يتحمل مسؤولية نتائج الانتخابات بأن يحكم منفردا.
أن تكون ثوريا او ثائرا في الثورات العربية بات يعني الآن ان تكون في المعارضة.
