العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

١٣ نيسان: واجب الذاكرة وضرورة النسيان

لا ننسى إلا ما نعرفه — يجب أن نتذكّر الحرب أولاً، ثم ننسيها في مكانها المستحق من المحاسبة أو الغفران.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

١٣ نيسان: واجب الذاكرة وضرورة النسيان

فّواز طرابلسي

لم يشذ الاحتفال بالذكري الـ ٣٥ على انطلاق الحرب عن المعتاد هذه السنة. وضع تحت عنوان العلاقة بين الذكرى والذاكرة. ووضعت الذاكرة في مواجهة النسيان. جمعية تحذّر من غرق ضحايا الحرب في بحر من النسيان تقيم معرضا تعرض فيه لمئتي الف خانة على عدد قتلى الحرب. و«تنذكر وما تنعاد» لا يزال شعار المناسبة الابرز. ترافقه دعوات نابذة للعنف كما في ملصق لصورة علبة ثقاب يحذّرك «لا تلعب بالنار». ومع ذلك، تتباين الحاجة الى الذاكرةا. طرف سياسي يدعوك لندوة تبحث في كيفية الخروج من الحرب الاهلية. وآخر يعلمك ان الحرب «صارت ورانا ».

وعلى اعتبار «انها» صارت وراءنا، تتنافس جمعيتان على رفع نصب تذكاري لها: واحد في قلب ساحة الشهداء على مساحة عشرات الامتار من «نصب الشهداء» الآخرين. وآخر عند معبر المتحف. من جهتهم، يكرر اهالي المخطوفين والمفقودين معارضتهم للنصبين على اعتبار ان النصب يأتي لاختتام قضية فالحرب لم تنته وهي لن تنتهي الا عند البت بامور المخطوفين والمفقودين ومساءلة المجرمين.

تكرر مشهد السنة الماضية ايضا في الدعوة الي وقوف رجال الدين ال ١٨ على درج مبنى المتحف الوطني، يتلون دعاء يستنجد بالعلي القدير ليلهمنا «ان نحلّ السلام بيننا او على لبنان السلام »

الحدث الجديد الواعد هو الافتتاح الرسمي لاعمال ترميم «بناية بركات» بشراكة بين بلديتي بيروت وباريس، بعد ان جرى تعميدها «بيت بيروت». والامل ان يرقى المسؤلون عنها الى مستوى ان يكون «البيت» خزانة لذاكرة بيروت ومتحفا لتاريخها الحديث وملتقى ثقافيا ومرصدا مدينيا لانقاذ ما تبقى من ارث مديني لم يغتاله المقاولون بعد.

اما جديد الجديد، من حيث الهزل، فهو اعادة تمثيل الحرب على شاكلة مباراة كرة قدم حبيّة يتبارى فيها عدد من نواب ووزراء يمثلون قادة الميليشيات وزعماء الحرب او مموليهم في ظل شعار «كلنا فريق واحد». ولتأكيد وحدة «الفريق» ومتانة السلم الاهلي واستتباب الامن في ملاعب كرة القدم والروح الرياضية السائدة، في ظل حكومة المشاركة، تقرر اجراء المباراة من دون جمهور!

امران افلتا من الاحتفالات كما العادة. حقيقة ان للحرب اسبابا. وان آثارها الاكثر فتكا هي ما تفعله بالاحياء. سعى لتذكيرنا بالاثنين معا روائي علماني من ادباء المهجر اصدر واحدة من اصدق وامتع واذكى واعنف روايات الحرب. فهل من سميع؟

كل هذا يستوجب السؤال: هل التذكّر بذاته مولّد للمعرفة؟ وهل التذكّر وحده يمنع تكرار الحرب؟ وماذا نتذكر؟ وما موقع النسيان من كل هذا؟

على عكس ما هو شائع، ثمة علاقة لا فكاك منها بين ذاكرة ونسيان. يتصل واحدهما بالآخر اتصال الحياة بالموت. والحقيقة التي لا بد من التذكير بها انه لا يمكن ان نتذكر كل شيء ولا ان ننسى كل شيء. اضف الى ذلك ان التركيز الاحادي على الذاكرة يعني ان نظل نعيش في الماضي، مهما زوّقناها بشعارات «ذاكرة للغد»، على غرار «بيروت مدينة عريقة للمستقبل ». بين الغد والماضي، ثمة الحاضر. ولا مجازفة في القول ان النسيان هو وسيلة من وسائل العيش في الحاضر. في حاضر مفتوح على مستقبل.

في كل الاحوال، الفارق كبير بين قمع الذاكرة والنسيان. لا بد من التمييز بين الاثنين تمييزا قاطعا. التلاعب الرسمي بالذاكرة هو ما نودّ تسميته «قمع الذاكرة». ولقمع الذاكرة آليتان رئيسيتان: قمع السؤال حول السببية: ما اسباب الحرب؟ وهل كان بالامكان تفاديها؟ وتغريب الحرب بنسبها للغير.

لم يكن هذا القمع للذاكرة بلا مصلحة. فمقولة «حرب الاخرين» عدا ان انها تضفي براءة مجرِمة على جميع اللبنانيين، المقاتلين منهم وغير المقاتلين، فانها تعفي خصوصا الطبقة الحاكمة (الاقتصادية والسياسية ) التي لم تبذل اي جهد لمنع النزاعات السياسية والاجتماعية من التحول الى نزاعات مسلحة بواسطة الاصلاحات والتنازلات. وقمع الذاكرة لا يكتفي بتبرئة الذين خاضوا الحرب وقادوها وحرضوا عليها من اية مسؤولية او مساءلة، بل قد كرّسهم حكاما للبلد فترة بعد الحرب. وقمع الذاكرة يفيد طبقة حاكمة اعادت بناء النظام الاقتصادي-الاجتماعي-السياسي-الاخلاقي (اي اللااخلاقي ) على مقاس مصالحها تحت شعار «اعادة الاعمار».

في مقابل قمع الذاكرة هذا، يسود الآن في العمل الاهلي نمط يكاد ان يكون وحيدا من التذكّر ينصبّ على تذكّر اعمال العنف. احيانا تضفي هذه الجهود على عملية التذكر وعلى الذاكرة مفعولا سحريا يفترضها مولدة لوازع اخلاقي يمنع بذاته تجدد اللجوء الى السلاح لحل النزاعات. وهذا ما يستدعي الملاحظات الاتية.

اولا، خلال احتفال جمعيات اهالي المخطوفين هذه السنة، استمعوا الى مسؤول ميليشياوي سابق يقدّم اعتذاره عما ارتكب بحقهم. قبل الاهالي الاعتذار وتمنّوا لو ان امثاله كثر. لا بد من توسيع مفهوم «معرفة الحقيقة» الذي تصرّ عليه جمعيات اهالي المخطوفين بعناد ريادي يستحق كل اعجاب. لا بد من توسيع المفهوم ليشمل حق لكل لبناني ولبنانية في معرفة الحقيقة بالمعنى الاوسع: اسباب الحرب ومسارها وكيفية اختتام مراحلها المسلحة.

ثانيا، لا يمكن ان تكون الذاكرة الجمعية حصيلة تجميع مئات الالوف من الذاكرات الفردية عن حروب دامت ١٥ سنة. هذا على افتراض ان عملية التجميع هذه ممكنة اصلا. هنا ينتقل دور بناء الذاكرة الجمعية من ميدان الذاكرة الى ميدان التأريخ. وليس المقصود الدعوة الى انتاج كتاب موحد لتاريخ لبنان او لتاريخ حروب فترة ١٩٧٥-١٩٩٠ .بل المقصود فتح المجال واسعا امام تعدد السرديات والتفسيرات والاجتهادات. لا توجد مهمة اسمها تسجيل الحقيقة او اكتشافها في الجهد التأريخي. لكن ثمة امكانيات وضرورات لتفسير الاحداث والتحولات الاجتماعية والسياسية بإضاءة تضافر العوامل التي تنتجها.

ثالثا، اذا كانت الذاكرة واجب فالنسيان ضرورة. يجب ان ننسى اعمال العنف: القتل على اشكاله والخطف والتعذيب والاعتقال والاغتصاب واشكال العنف الرمزي التي عرفتها تلك السنوات الرهيبة. النسيان ضروري ولكن بالطريقة الجدلية اياها التي تربط الذاكرة بالنسيان. ذلك اننا لسنا ننسى الا ما نعرفه اي ما قد تذكرناه. يجب ان ننسى ولكن بعد ان نضع هذه النسيانات في المكان الذي تستحقه من المسامحة والمحاسبة او الغفران.

هكذا لن تغرق الحرب في بحر من النسيان. ولكنها في الوقت ذاته لن تغرق في بحر من الذاكرات المنقوصة المجتزأة او المفترضة او المخترَعة.

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
التاريخ الحرب الأهلية اللبنانية الذاكرة الطائفية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.