العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

وثيقة حزب اﷲ: هل النظام من الايمان؟

حزب الله يعلن الطائفية «المشكلة الأساسية» ثم يتبنى التوافقية الطائفية. «النظام من الإيمان» — لكن هل نظام كبار المصرفيين إيمان أم كفر؟

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

وثيقة حزب اﷲ: هل النظام من الايمان؟

فواز طرابلسي

ابرز ما عبّرت عنه الوثيقة السياسية الصادرة عن المؤتمر الاخير لحزب اﷲ أعراض ونتائج مخاض معقّد عاشه حزب المقاومة الاسلامية على كافة الصعد خلال ربع قرن من الصراعات والتجارب والتضحيات. تشي الوثيقة بتعدد مقاربات الحزب بل تفارق هوياته.

هو حركة تحرر وطني على الصعيد العالمي، وحركة مقاومة، على التباسات مصطلح

»المقاومة« فلسطينيا وعربيا، وهو ما يقترب اكثر فاكثر من قوة دفاع وطني على الصعيد اللبناني حسمت امر انتسابها الى نظام الطوائفية السياسية، حتى لا نقول الى النظام الاقتصادي-الاجتماعي السائد ايضا.

في سعيه التحول الى حركة تحرر وطني على الصعيد العالمي، وتحليل مفاصل السيطرة الاستعمارية على المنطقة، يغرف حزب اﷲ كثيرا من مصطلحات ومفاهيم التراث اليساري العالمي، بما في ذلك اكتشافه ان شمولية الهيمنة الامبريالية تستدعي عالمية المواجهة لها. وقد تجلى ذلك خصوصا في تشديده على الروابط النضالية بين الشعوب العربية والحركات اليسارية في غير بلد من بلدان اميركا اللاتينية.

هي نظرة شمولية الى المنظومة الامبريالية تتربع على رأسها الولايات المتحدة وتشكل اسرائيل جزءا عضويا منها. ولا تخفي الوثيقة القاعدة الاقتصادية للهيمنة الامبريالية في »الرأسمالية المتوحشة« (شرط ان لا يكون بديلها »الرأسمالية الناعمة« لأنها ليست أرحم). ومع ان تعيين الطبقة المسيطرة على السلطة في الولايات المتحدة على أنها »المجمّع العسكري-الصناعي« قد تقادم عليه الزمن بعض الشيء مع اعتلاء الرأسمالية المالية سدة الهيمنة، الا ان هذا لا يمنع الوثيقة من تعيين الطور الجديد من اطوار تلك الامبريالية التي هي عولمة الاحتكارات والعسكر. يترتب على هذا منظور إعادة الاعتبار لصراع غنى وفقر وبين مستكبرين ومستضعفين.

اذا استثنينا التسرّع في اعلان انهيار نظام القطب الاوحد والافول التاريخي للكيان الصهيوني، لن نلقى هنا اثرا كبيرا لفكر علي شريعتي ولا اسلام ثوريا، كما يريد البعض، بقدر ما نجد استعادة لبعض مصطلحات الثورة الايرانية في عهد الخامئني وقد بهتت بعض الشيء مع حلول الضبط الامني والعقائدي محل الحماس الثوري والقيم الجمهورية.

في القسم العربي، نلحظ مغادرة القسم الاكبر من هذه العِدّة المنهجية، لا يبقى منها الا دور الامبريالية في نهب النفط- وهو تشديد لا يجوز التقليل من اهمية وروده في الوثيقة في زمن التحريم السائد على الحديث عن النفط ودوره- ودعم الانظمة الاستبدادية

والتبعية. بعد مثل هذه الاشارات الخفرة، وما تثيره من قضايا، يضيق عن نقاشها المجال هنا، يجري الانتقال الى جدل المقاومة/التفاوض في دائرة النزاع العربي-الاسرائيلي حيث يقفز الحزب فوق مسألة الدولة الفلسطينية ليدعو الى تحرير كامل فلسطين واستعادة كامل الحقوق بما فيها القدس. ويطالب المسؤولين العرب الى التراجع عن مفاوضات التسوية.

ويقدّم مقاومته وتجاربه، العسكرية خصوصا، لمن يحبّ الافادة منها.

في اقسامها اللبنانية، تعلن الوثيقة الانضواء الحاسم لحزب اﷲ في النظام السياسي اللبناني. مع ذلك، يشعر المرء بقرصة فرح وهو يسمع ويقرأ اعلان هذا الانتماء الحاسم الى الوطن من قبل من دفعوا الدم الغالي ثمن الاشتراك في هذا النادي الحصري المسمى لبنان. ويلفته ايضا الاعلان الحاسم لاحترام التعدد، وإن يكن يتجاوز التعدد الايماني والسياسي والمعتقدي والثقافي، الى تعدد الطوائف والمذاهب السياسية الممأسسة.

تعلن الوثيقة ان الطائفية هي المشكلة الاساسية للنظام السياسي اللبناني والعقبة الرئيسية امام قيام ديمقراطية صحيحة. ومع ذلك، فهي تنسحب حتى من الدعوة الى تجاوز النظام الطوائفي. فقد إكتفى السيد حسن نصراﷲ خلال مؤتمره الصحفي بالدعوة الى تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، مذكّرا ان تشكيلها ليس يعني بالضرورة الالتزام بتحقيق هدفها. في الانتظار يعلن حزب اﷲ بالتوافقية الطوائفية نظاما سياسيا للبنان على اعتبارها الاكثر تعبيرا عن روح الدستور والميثاق. وهو طبعا اجتهاد احادي الجانب. ذلك ان روح الدستور موزعة بين مواطنين وجماعات. تخصص لكل منهما هيئة تمثيلية، المجلس النيابي خارج القيد الطوائفي لتمثيل المواطنين ومجلس الشيوخ لتمثيل الطوائف.

لا نكتفي الوثيقة بهذا بل تتبنى ترسيمة »بناء الدولة« وقد باتت محط الاجماع الكذوب لجميع اجنحة الطبقة السياسية وكُتلها. تكرر سبع عشرة وصفة للدولة العتيدة: من بناء المؤسسات الحديثة ودولة القانون، وصولا الى رعاية المغتربين، مرورا بالتمثيل النيابي السليم، واعتماد الكفاءة، ومكافحة الفساد، واستقلال القضاء، واللامركزية الادارية التي حدّها تحريم الفدرلة والتقسيم.

وحال بناء الدولة هنا كحال الغاء الطائفية: اعلان المُتَمنى والمتعَذّر، الذي لم يحن وقته بعد، في ضربة واحدة. فيبقى على الحزب واقرانه في الطبقة السياسية فك هذا اللغز:

كيف بناء الدولة وفق نظام طوائفي توافقي يجري التأكيد انه هو ذاته يشكل المشكلة الاساسية للنظام السياسي والعقبة الرئيسية امام تحقيق الديمقراطية؟ اي انه العقبة

الرئيسية امام »بناء الدولة« في كل واحدة من المواصفات السبع عشرة المذكورة اعلاه؟

يتكرر الامر ذاته في الاقتصاد، حيث ترصف التمنيات – انماء مناطقي متوازن، اقتصاد قائم على القطاعات المنتجة، تحسين الانتاج والتصريف، خدمات مناسبة للمواطنين- تعليم، طبابة، سكن- الحد من الفقر (وفق ترسيمة البنك الدولي النيو ليبرالية، بديلا عن تقليص الفوارق بين الطبقات مثلا)، وتوفير فرص العمل وما شابه. وكأنها كلها في متناول اليد بغض النظر عن المديونية وعمن يتحكم بالقرار الاقتصادي وعن دور الدولة في توجيه الاستثمارات وحماية القطاعات الانتاجية واعادة توزيع الثروات والمداخيل

والخدمات. وبغض النظر عن مدى ما يتلاءم هذا كله مع قرارات باريس ۳؟ وكيف الحد من الهجرة وتوفير فرص العمل وفق نظام تعليمي خاص، باب منفصلا بطريقة شبه كاملة عن الاقتصاد المحلي، ينتج الايدي/العقول العاملة المعدّة للتصدير الى الخارج؟

اللافت مدى ابتعاد حزب اﷲ هنا عن صورته السابقة بما هو حزب فقراء الارياف وضواحي المدن، ولو ضمن الطائفة الواحدة. فهل هو يعبّر عن الحراك الاجتماعي الكبير الذي عرفته الطائفة الشيعية خلال ربع القرن الماضي، جراء الهجرة ونمو طبقتها الوسطى وتضخم عدد خريجيها وترسمل مغتربيها؟ ام انه يراعي انحياز فئات لا بأس بها من اغنياء الطائفة الى صف الحزب خصوصا بعد تموز ٦۲۰۰، على جاري عادة البرجوازيات الطوائفية في الانحياز للطرف السياسي الاقوى في الطائفة؟

تبقى الاشارة الى تحسّب الوثيقة للمستقبل من خلال الدعوة للمزاوجة بين مقاومة شعبية تساهم في الدفاع الوطني وبين جيش وطني يحمي الوطن ويثبت أمنه واستقراره.

والمؤمل ان تؤسس هذه المعادلة للبحث في مستويات تنسيق رفيعة مع الجيش تطرح على طاولة الحوار الوطني متى انعقدت. هذا من جهة. من جهة ثانية، يمكن قراءة الاعلان عن عدم استعداد الحزب الاعتراف بإسرائيل ابداً على انه تحذير إستباقي في حال انعقاد المفاوضات بين سوريا واسرائيل وامكانيات توقيع معاهدة سلام في المحور السوري-اللبناني.

اخيرا، يلفت في بند العلاقات اللبنانية الفلسطينية ان الوثيقة ليست تجاري الحليف العوني في عنصريته التهجيرية ضد الفلسطينيين. انها تشدد بدلا من ذلك على الحقوق المدنية وترفِق تكرار تعويدة »رفض التطبيع« بالتمسك بحق العودة.

خلال حملة تنظيم السير في الضاحية الجنوبية، طرح حزب اﷲ شعار »النظام من الايمان«. والسؤال: هل هذا النظام – الطوائفي الذي يتحكم به حزب كبار المصرفيين والمستوردين والمقاولين- هو من الايمان ام هو الكفر عينه؟

المواضيع
سياسة
البلدان
سوريا فلسطين لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الدين السياسة اللبنانية الطائفية المقاومة اللبنانية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.