«هيئة الحوار» في زمن السلاح الصاروخي
فواّز طرابلسي
«إكتمل النقل بالزعرور»، كما يقول المثل.
بإعلان الرئيس ميشال سليمان تشكيل «هيئة الحوار الوطني» يستكمل الحكم الطابق الثالث من مؤسساته التي تكرر الواحدة منها الاخرى. مجلس الوزراء هو صورة مصغّرة عن المجلس النيابي، و «هيئة الحوار الوطني» نخبة مختارة من المجلسين السابقين اضافة الى الرؤساء الثلاثة. هكذا صار لكل رئيس من الرؤساء الثلاثة … مؤسسته. واحدة تشريعية وثانية تنفيذية وثالثة … حِوارية. والسوأل الساذج والمناسب كان لا يزال: اذا كانت وظيفة هذه الهيئة الحوار بين الفرقاء السياسيين، فما وظيفة مجلسي النواب والوزراء؟
لا حاجة للالحاح في السؤال. يصعب التصوّر انه سوف يناط بهيئة حوارية البتّ في الامور التي استعصت على الهيئتين التشريعية والتنفيذية في الآونة الاخيرة، مثل السياسة الضريبية والموازنة والانتخابات البلدية وحق الاقتراح لسن الـ١٨ والنسبية، ناهيك عن الكوتا النسائية. لا يصعب التصوّر فقط. يصعب ايضا تأميل المواطنين بأن الحوارات في «هيئة الحوار» سوف تفكّ عقدة هذه الامور العالقة في المجلسين.
حريّ بنا الالتفات الى امور اخرى. سوف تعنى الهيئة بما عنيت به من قبل اي السياسة الدفاعية. اي انها اقرب الى لجنة علينا للدفاع الوطني منها اي شيء آخر. وبغض النظر عن هندسة التوازنات التي ادت الى تشكيلها في صيغتها المعدّلة، وما اثارته من اعتراضات، فالاكيد ان الهيئة سوف تنعقد وتمارس اعمالها تحت سقف مبدأ الاجماع. والاجماع وشقيق التوأم -النقض – هما سنّة «التوافقية الثقيلة» الذي باتت المؤسسات اللبنانية تعمل في ظلّها منذ اتفاق الدوحة.
ولا يخفى ان الاعلان عن تشكيل «هيئة الحوار الوطني» تزامن مع حدثين خارجيين.
الاول هو الدعوة الى انعقادها التي وجهها الامين العام للامم المتحدة، بان كي مون، للبحث في السياسة الدفاعية وفي سلاح حزب الله. والحدث الثاني هو قمة دمشق الاخيرة التي جمعت الرئيسين الايراني والسوري والامين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله. مهما تكن التأويلات عن الصلة بين دعوة بان كي مون والاسراع في تشكيل الهئية العتيدة، فالمؤكد ان الهيئة تنعقد في وضع دولي واقليمي قلق.
التأمت قمة دمشق بالدرجة الاولى للرد على تصعيد التهديدات الاسرائيلية للاطراف الثلاثة. وقد توّجها نائب رئيس الولايات المتحدة الاميركية بدعوته اسرائيل عدم الاستعجال في توجيه ضربة لايران. والطلب هو ذروة في التصعيد. فالرجل الثاني في الادارة الاميركية يهدد قائلا ان القرار قد إتخذ وان الادارة الاميركية تعمل على تأجيل التنفيذ.
لم يقل ما يكفي عن المفاعيل العربية لقمة دمشق. إذ اقل ما يقال عنها انها قد وضعت المصالحة السعودية-السورية عل الرف. ففي حصيلة الامر، لم تقنع الرياض دمشق بفك الارتباط بطهران. ولا دمشق حصلت من السعودية على ما يفيد إن على صعيد توحيد الموقف العربي وإن على تحسين العلاقات الاميركية السورية. فجاء تكرار السيدة كلنتون للفرض الاميركي لسوريا ان تفك الارتباط بإيران ليؤدي ردّ الفعل العكسي الذي عبّر عنه الردّ الذي ادلى به الرئيس الاسد خلال القمة. فأعلنت الخارجية الاميركية تعليق الخطوة الخجولة التي قضت برفع التمثيل الدبلوماسي الاميركي في دمشق الى مستوى سفير. وهكذا صدق الرأي القائل ان قمة «سين سين» بين الملك عبدالله والرئيس الاسد توسلت لبنان وحكومته عذرا لعقد المصالحة بينهما اكثر مما جاء تسهيل امر تشكيل الحكومة اللبنانية برئاسة سعد الحريري تتويجاً لمصالحة في ميادين اخرى من سياسة البلدين الخارجية.
مهما يكن، سوف تنعقد هيئة الحوار في ظل حقيقتين لا يبدو ان لبنان الرسمي قد إستوعبهما الاستيعاب الكافي.
الحقيقة الاولى هي ان لبنان اصبح دولة مواجهة، إن لم يكن بقراره على الاقل بتعريف اسرائيل له لإمتلاكه ترسانة من الصواريخ يقدّرها العدو باربعين الفاً تصنّفه في عداد الدول «الخطرة على امن اسرائيل» بغض النظر عن موقع الصواريخ على الاراضي اللبنانية وهوية الطرف الذي يسيطر عليها. واذا كانت اسرائيل ليست تطرح مسألة من الذي يمسك قرار السلم والحرب في لبنان، بل تطالب بنزع سلاح حزب الله، فلأنها تدرك جيدا ان هذا القرار السلم والحرب هو بيدها وحدها شرط أخذ الضوء الاخضر او البرتقالي من الولايات المتحدة الاميركية.
من هنا يبدو الفارق بين وضع لبنان الفعلي وتصوّر حكامه له. وخير تعبير عن هذا الفارق ان الرئيس الحريري، رئيس حكومة دولة المواجهة اللبنانية لاسرائيل، يوجه تطميناته الى سوريا بأنه يعتبر اسرائيل عدواً وان لبنان ليس على الحياد في الصراع العربي الاسرائيلي.
والحقيقة الثانية هي ان ترسانة الصواريخ هذه هي جزء من منظومة صاروخية تضم سوربا وايران ارتقت بالمواجهة مع اسرائيل الى مستوى جديد كل الجدّة. وليس المطلوب ان يكون المرء خبيرا استراتيجيا ليكتشف ان الاطراف الثلاثة التي اجتمعت في دمشق تستطيع ان تردّ على التفوّق الاسرائيلي الجوي الكاسح بقدرات صاروخية تسمح لاول مرة في تاريخ العسكري للصراع العربي الاسرائيلي بأن تطاول المدن الاسرائيلية وتوقع فيها خسائر فادحة في المنشأت العسكرية والمدنية والقوى البشرية. وهذا في وضع لم يتأكد فيه ان «القبّة الفولاذية» الاميركية المضادة للصواريخ باتت من الفاعلية بحيث تصد القسم الاكبر من الصواريخ عن الداخل الاسرائيلي.
وليس من المفارقة على الاطلاق ان نخلص الى ان قدرات الحرب الصاروخية الشاملة لثلاثه بلدان، والتزامها الرد المشترك على اي عدوان يطاول ايا من البلدان الثلاثة، بالحرب الشاملة تشكل الآن الرادع الاكبر للعدوانية الاسرائيلية ولمنع الحرب عن لبنان.
ازاء هذه التطورات، يبدو لبنان الرسمي المتأهب لنقاش خطته الدفاعية كالذاهب الى الحج والناس راجعة. يتلهى زمن الستراتيجية الصاروخية بالبحث في اقتناء طائرات مقاتلة على طريقة «طيّر عصفورك يا زغيّر». يتلقّى المسؤولين فيه عروضا لتزويد جيشه بطائرات حربية لا يخفي بائعوها انها معدّة للقمع الداخلي والهجوم على المخيمات الفلسطينية.
قد لا يحق لنا التوهم بأن هيئة الحوار سوف ترقى الى مستوى انها هيئة تخطط لبلد في حالة مواجهة مع العدو الاسرائيلي. ولكن يجوز المطالبة بقرار واحد لا غير في الستراتيجية الدفاعية: تجنيد كل الطاقات لتزويد الجيش اللبناني بشبكات دفاع جوي من اي مصدر كان.
