العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

هل الدولة اللبنانية دولة دينية؟

ينصّ الدستور على «حرية اعتقاد مطلقة» — فكيف تُرجمت الحرية إلزاماً بالأحوال الشخصية الطائفية؟

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

هل الدولة اللبنانية دولة دينية؟

فواز طرابلسي

السؤال مشروع بعدما انتجت الحرب، فيما انتجت، تورماً في دور العامل الديني والمؤسسات والمرجعيات الدينية في الحياة اللبنانية. لم يقتصر الامر على تحوّل المرجعيات الدينية الى مرجعيات سياسية على حساب الزعامات السياسية، بما في ذلك الدور المميز الذي تحتلّه في الرقابة على حريات الرأي والتعبير والاعلام. وليس يتلخّص الامر بتسنّم علماء ورجال دين القيادة السياسية في طوائفهم، ولا تعيين مواقع بروتوكوليا متراتبة للمرجعيات الدينية في الدولة. الى هذا أدخِل التعليم الديني الى المدارس الرسمية، وشهدت المحاكم المذهبية توسعا وانتشارا كبيرين، وما رافق ذلك من تضخم في اعداد رجال وعلماء الدين عموما ونمو مصالح سلطة ومال لهم من جراء ذلك. ولسنا ننسى تفشي الرموز المعبرة عن الهويات والانتماءات الدينية والمذهبية في المجتمع وتزايد الاتكال على الدين من اجل تجديد شرعية الطوائف وشد عصبها وانتقال ذلك الى صلب الحياة الحزبية من خلال طواهر مثل «التكليف الشرعي»، الخ..

لنقل ببساطة ان الديني يقضم يوميا على حساب الطائفي والسياسي والاجتماعي والثقافي. ولم نعد امام مجرد تدخل المؤسسات الدينية في الدولة بل امام طغيانها المتزايد عليها. بل اننا نقترب من غلبة متزايدة للمرجعيات الدينية على المرجعيات السياسية ولو في الطائفة الواحدة.

عرفت الاسابيع الاخيرة، تطورين بارزين في الاتجاه نحو هذا الاطغاء للديني على المدني والطائفي والسياسي بما هو نطاق الدولة ذاتها.

الحادثة الاولى هي إقدام مفتي الجمهورية للطائفة السنية، الشيخ رشيد قباني، الموظف لدى رئاسة الوزارة، على تهديد رئيس الوزراء، وسائر سياسيي الطائفة بتطبيق حد «الردة والخروج عن دين الاسلام»عليهم إن هم وافقوا على الاعتراف بالزواج المدني الاختياري. ومع ان نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، الشيخ عبد الامير قبلان، تفادى اتخاذ موقف من الموضوع ودعا رؤساء الطوائف الى تشكيل لجنة للبحث في الزواج المدني «بما لا يخالف الشرع ويرضي الله وينفع الناس»، فمعلوم ان لجنة كهذه، إن تشكلت، لن تخرج الا بموقف موحد ضد الزواج المدني. وللعلم فإن موقف الكنيسة المارونية ليس اقلّ تصلبا في هذا الامر، وإن كان يصاغ بمقدار لا بأس به من الشطارة. فإما ان تنتظر الكنيسة معارضة المرجعيات الدينية الاخرى، فتنضم اليها، كما كان الحال عندما طرح الموضوع في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي واحبطه الرئيس الراحل رفيق الحريري. وإما ان تعلن الكنيسة المارونية موقفا مستوحى من مطالعة للبطريرك بشارة الراعي، عندما كان مطرانا، ترفض القانون المدني الاختياري للاحوال الشخصية، على اعتبار انه يناقض مبدأ المساواة بين اللبنانيين، وتتحجج هذه المطالعة بأن الزواج المدني يناقض المادة ٩ من الدستور، التي تشرّع الاحوال الشخصية الدينية، فيكون لسان حال كركي إذذاك انها تفضل تعديل هذه المادة بإتجاه فرض قانون مدني والزامي للاحوال الشخصية. وهذا يعني قطع الطريق عمليا على اي بحث او اي تقدّم او تدرّج او تراكم في هذا الموضوع.

يصدف ان الحادثة الثانية تتعلق بالبطريرك الراعي هي ايضا. وقد خرقت زيارته لدمشق، للمشاركة في حفل تنصيب بطريرك الارثوذكس الجديد يوحنا العاشر اليازجي، سياسة النأي بالنفس الرسمية للدولة اللبنانية تجاه النزاعات السورية. لو اقتصر الامر في الزيارة على الجانب الديني بما ينطوي عليه من كسر تقليد عدم زيارة احبار الكنيسة المارونية لسوريا، لهان الامر. الحقيقة ان الزيارة من حيث التوقيت والمضمون كانت «زيارة سياسية بإمتياز»، بإعتراف معارضيها ومؤيديها قبل ان يأتيها التكريس السياسي من نائب وزير الخارجية السوري الذي استقبل البطريرك. في دمشق، تحدث البطريرك جهارا في الشأن السوري الداخلي معلنا ان الاصلاحات لا تُفرَض من الخارج، وهو العليم بأن ملايين السوريين طالبوا بها فووجهوا بالقمع والاعتقال والقتل منذ الايام الاولى لانتفاضتهم. وإذ اوصى البطريرك بأن تتم الاصلاحات «بالحوار والتعاون والتفاهم»، اردف ان المطالبة بالاصلاحات لا تساوي «دم انسان بريء يراق»، ما يحوي تلميحا، إن لم نقل تصريحا، الى أن السوريين الذين يطالبون بالاصلاحات يحاولون فرضها بالقوة بل بالعنف الدموي. ولم يكتفِ البطريرك بهذا الخروج العلني عن الموقف الرسمي للدولة اللبنانية، بل اكد انه انما يفعل ذلك بما هو ممثل للطائفة المارونية برمّتها.

هل حقا ان الدستور يلزِم اللبنانيين بقوانين الاحوال الشخصية الدينية؟

تنص المادة ٩ على ان «حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الاديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على ان لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام وهي تضمن ايضا للاهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية».

الكلمة المفتاح في المادة هي «الحرية المطلقة». والمفارقة ان «حرية مطلقة» تعني، في اي تفسير لها، حرية الاختيار المطلقة وحرية المخالفة المطلقة. فكيف أمكن تفسير «ضمان» الدولة «احترام نظام الاحوال الشخصية» على انه يحرمها من ان يكون لها نظامها الخاص للاحوال الشخصية بما هي دولة؟ وكيف امكن ترجمة الحرية والاحترام بالالزام، الزام اللبنانيين بنظام الاحوال الشخصية الطائفي والمذهبي دون سواه من انظمة مدنية؟

لست احسب ان منظمي حملة الاعتراف بالزواج المدني يظنون ان تزايد التزاوج بين اللبنانيين من مذاهب مختلفة سوف ينتج الطائفة الـ ١٩ او انه سوف يقضي على النظام الطائفي. فمن حسن الحظ ان قبضة من ناشطي حملة «اسقاط النظام الطائفي» اعادوا الاعتبار، في تظاهرة حاشدة الاسبوع الماضي، الى برنامج ديمقراطي متكامل لتجاوز الطائفية السياسية يطالب بتطبيق الدستور لاستحداث مجلس للشيوخ يمثل الطوائف ومجلس نيابي خارج القيد الطائفي. على ان يكون قانون الانتخاب خارج القيد الطائفي هذا قائما على التمثيل النسبي واعتماد لبنان دائرة واحدة.

ولست أحسب ان المشاركين في الحملة يتناسون ان القبول الرسمي بتسجيل زواج مدني على الارض اللبنانية، وإن وفق قانون اجنبي، إن هو الا نقطة انطلاق لمعركة من أجل سن قانون اختياري مدني شامل للاحوال الشخصية يكرّس حرية اللبنانيين واللبنانيات في اختيار احوالهم الشخصية، وهو الترجمة الفعلية والعميقة لـ«حرية المعتقد المطلقة» المكرّسة في الدستور.

ولا يستخفن احدٌ بعقولنا فيوحي ان قانونا مدنيا للاحوال الشخصية في لبنان العام ٢٠١٣ سوف يكون منسوخا عن اي قانون آخر في العالم، قديمه او حديث. اننا نتحدث عن قانون يضعه المشرّعون اللبنانيون، المنتخبون والممثلون للسيادة الشعبية، في مؤسستهم الدستورية، بناء على ما يرتأونه من أحكام تراعي تطور المجتمع اللبناني وعاداته وتقاليده وتنوعه الديني والمذهبي والآداب العامة وتخدم الخير العام.

المواضيع
سياسة علم الاجتماع
البلدان
سوريا لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الديمقراطية الدين الطائفية العلمانية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.