العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

نفط وديمقراطية

في ظل أحداث السودان وكردستان واليمن، يربط النص بين النفط وغياب الديمقراطية وسوء إدارة الثروة، متسائلاً كيف أصبح النفط عائقاً أمام الوحدة ومحفزاً للانفصال.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

نفط وديمقراطية

في اخبار اسبوع واحد ثلاث حوادث ليست قليلة الاهمية تتعلّق بالاقليات وبالوحدة والانفصال في العالم العربي.

السودان مقبل على استفتاء يرجّح ان تقرر فيه اكثرية سكان المحافظات الجنوبية الانفصال وتشكيل دولة مستقلة. وفي كردستان العراق، يطالب مسعود البرزاني، رئيس الاقليم، بحق تقرير المصير لاكراد العراق وبضم كركوك. بعد ان نال الاكراد منصب رئيس جمهورية العراق للمرة الثانية، وبعد ان ما هو اكثر من تقرير المصير بواسطة الفيدرالية داخل الكيان العراقي، فهمت عودة البرزاني للمطالبة بحق تقرير المصير علي انها دعوة الي الانفصال. وفي اليمن، يدور حديث لاول مرة عن وساطة سعودية-مصرية لمنح المحافظات الجنوبية الحكم الفيدرالي.

بين عويل من يندب حظ الامة وإعلام متذاكٍ لا يمل من كشف مؤامرات مقتفياً آثار «الاصابع» الاجنبية، تكاد تمر تلك الاحداث كأنها قدر محتوم. كأنه ليس من ارث يرزح ثقيلا على كل هذه المسائل ولا من تصرفات وسياسات واحداث تزيدها تأزما. او كأنه لم يكن مرة امكانية لاستباق المشاكل وحلها وتسويتها، الا بعد فوات الاوان، على اعتبار ان المؤامرات «مؤامرات». وكأن لا احد مسؤولا عن سوء تصرّف او اخطاء او جرائم. والشطارة في التحاليل هي الايحاء بأن اكتشاف التزامن بين حدثين متشابهين يعطي مصداقية الى ايديولوجيا مسماة «ليس صدفة ». هنا المكتوب يقرأ من عنوانه والمكتوب «مكتوب» منذ «سايكس بيكو ». والمسألة مسألة «اقليات حاقدة »، كما كان يسمّيها ميشال عفلق. والاصابع اسرائيلية-اميركية، بل اميركية في خدمة الاصابع الاسرائيلية، والعاب تفكيك وتفتيت مكشوفة لا ترمي غير بذر بذور «الفتنة».

طالما اللعبة مكشوفة الى هذا الحد، وبذور الفتنة مرئية، لماذا لم نعكس اللعبة ونحل محل بذور الفتنة بذور الشراكة والحقوق والتفاهم؟ وما دمنا عالمين بوجود الغام مزروعة في قلب الامة العربية – منذ قرن من الزمن اقل ا- لتنفجر في الوقت المناسب، الم يكن لدينا الوقت الكافي لنزعها او تعطيلها قبل حلول ذاك الوقت المناسب؟

مسألة اقليات؟ وماذا عن يمن العرب الاقحاح؟ وهو الآن نموذج فذ على الكيفية التي يؤدي بها التأجيل والاستهتار والعناد وادعاء الشطارة والتحايل والاهمال والكبرياء الى اوخم العواقب.

سوف ترتفع عقيرة الحريصين على الوحدة بالصراخ: الفيدرالية مقدمة للانفصال. علما ان الطرفين اللذين يقترحان الحل الفيدرالي هما اقرب حلفاء نظام علي عبدالله صالح. بدأ الحراك الجنوبي منذ اربع سنوات. وقتها كان محدود الجمهور يطالب بدفع التعويضات لـ ٨٠ الف موظف وعسكري صرفوا من الخدمة بعد حرب ١٩٩٤ والى وقف التمييز ضد مواطني المحافظات الجنوبية. يومها كان البحث يدور مدار توسيع صلاحيات المجالس المحلية. رفضت السلطة في صنعاء الحوار. وامتنعت عن تطبيق ما وعدت به من اصلاحات. كان هذا كله قبل ان يأخذ مطلب «فك الارتباط» مأخذه من جماهير واسعة من الجنوبيين وترتفع الاعلام. يومها لم يكن اي طرف خارجي مهتما بوضع الجنوب. والتأييد الاميركي والاوروبي على اشده للرئيس علي عبدالله صالح. ولا يزال، على كل حال. والآن، يجري التغطية على الحراك السمل الجنوبي بإسم الحرب على الارهاب في الوقت الذي اعلن فيه تنظيم «القاعدة» نقل الحرب – المذهبية ضد المدنيين – ضد الحركة الحوثية في محافظيتي صعدة والجوف.

لم يعطَ اهتمام كاف لحقيقة ان ما يجمع بين هذه الحالات الثلاثة هو النفط. في الجنوب اليمني نفط – ليس كثيرا- لكنه يكفي لإيهام البعض بامكانية بناء دولة مستقلة عليه. في كردستان العراق، لا يكتفي مسعود البرزاني بمكتشفات النفط في الاقليم الفيدرالي، ولا بالحصة الرسمية من عائدات النفط العراقية المخصصة للاقليم، ناهيك عن موارد تهريب النفط ورسوم نقله الى تركيا. يريد كركوك بنفطها. وهي منطقة تحق للاكراد قدر ما تحق للعرب والتركمان. واخيرا ليس آخرا، المحافظات الجنوبية تنتج ٨٠٪ من نفط السودان.

هل كنا وصلنا الى هذه المواصيل…

لو ان المشاركة في السلطة اوسع في تلك البلدان، حيث ينتخب المواطنون حكامهم ويحاسبونهم ويجري تداول السلطة سلميا؟

ولو لم يتأخر الاعتراف بحقوق اهل الجنوب السوداني الى العام ٢٠٠٥ بعد اطول حرب اهلية في تاريخ القارة الافريقية. ولم لم تحاول الخرطوم فرض الشريعة دستورا على الجنوب المسيحي؟ حتى لا ننسى فشل المساكنة بين الاقليمين خلال السنوات الخمس الاخيرة؟

هل كنا وصلنا الى هذه المواصيل…

لو ان توحيد شرطي اليمن تم على التكامل والتكافوء وبناء مقومات الوحدة بين شعبين عاشا قرونا في كيانات وانظمة مختلفة، بدلا من النظر الي الوحدة على انها عودة الابن الجنوبي الضال الى بيت الطاعة ليلقى العقاب على ضلاله؟ واي ضلال؟ انه حرر الشطر الجنوبي من الاستعمار البريطاني؟ ام حاول تجربة في الحداثة والعدالة الاجتماعية اغتالها الفقر والقبلية والمناطقية؟

هل كنا وصلنا الى هذه المواصيل…

لو ان موارد اليمن الشحيحية اصلا استخدمت بتقشف متساو بدلا من تنمية القلة المتخمة على حساب الكثرية «الضبحانة» حسب التعبير العامي اليمني؟

هل كنا وصلنا الى هذه المواصيل…

ولو ان صدام حسين رد على مطلب تقرير المصير الكردي بغير الاتفاق مع شاه ايران وتسليمه شط العرب ليعول الى محاولة استعادته بحرب ضد الجمهورية الاسلامية من ثماني سنوات؟ لو انه تعاطى مع الاكراد بغير مجزرة حلبجة و «حملة الانفال » و «الحزام العربي »؟ مسألة اقليات؟ هل كنا وصلنا الي كل هذه المواصيل لولا قبلت كل «اطياف» السياسة العراقية بعد الاحتلال بالتعريف الاميركي لشعب العراق الى اكراد-شيعة-سنة؟

هل كنا وصلنا الى هذه المواصيل…

لو ان الواردات النفطية العربية إستخدمت لتأمين العلم والعمل والعناية الصحية والسكن اللائق ومياه الشفة للجميع، وخصوصا للاطراف والمناطق والبلدان الاضعف نموا، بدلا من ان تكون ملكا شخصيا لدكتاتور او عائلة مالكة او شيخ او امير او سلطان او حزب حاكم يجري تبذريها على موائد القمار والحفلات الماجنة، التي تتندر بها تقارير السفراء الاميركييين، وعلى الهدر الاستهلاكي في منطقة هي اكبر مستهلك في العالم للاسلحة واليخوت الفاخرة والطائرات الخاصة والعطور ناهيك عن النوق! حتى لا نتحدث عن الرقيق الابيض وخدم البيوت!

و لو تم الاستدراك باكرا، او لاحقا، بتحقيق الشراكة الاوسع في السلطة او الثروة هل كان ثمة من متّسع تلعب فيها «اصابع اسرائيل » او الايدي الاميركية الخفية تتدخل؟

ولكن خلّ عنك الـ«لو».

نحن في عصر «عروبة النفط » حيث يجري الفصل بين النفط وكل ما يتعلّق بحياة العرب.

ولا تصدّق ان علاقة ما تجمع النفط والديمقراطية. هذا جامعي بريطاني-اميركي مخضرم، من جماعة «دراسات بعد الكولونيالية »، اكتشف نيابة عنك ان النفط شأن يختص بالخبراء وانه كان طامة كبرى على الطبقات العاملة الاوروبية لأنه منحها «الديمقراطية» لقطع الطريق عن تحقيقها الاشتراكية. اما في بلادك فلا علاقة للنفط «البعد كولونيالي » بالنفط. النفط «مفهوم» فكري معرفي – كُونسپت- مفهوم؟ وكفى ترجيعا لتلك الافكار البالية من عصر «نظرية المؤامرات » عن النفط والديمقراطية – عندنا اولاد ونريد ان نسترزق!- بل لا علاقة للنفط بالرأسمالية – حتى ان «المفهوم» ذاته لم يعد ينطبق على عالمنا «بعد الكولونيالي »، مفهوم؟

وعليك ان تقطع حبل السرّة بين النفط والتنمية. الا اذا كنت من اولئك المتخلفين يتحدثون عن «نفط العرب للعرب ». لقد حررتك وكالات التنمية الدولية من التنمية السلطوية الفاشلة الموجهة شطر «التقدم». عُد «الى وراء» الى رحاب جنات «التنمية البشرية» تجري تحتها انهار «مجتمع المعرفة» وتعلّم الريادة – في الاعمال- وتمكين المرأة – لا تمكنها – و«الحكم الرشيد» تصوغه لك برامج تعليم اميركية «معدّلة جينيا» لتعلّمك «الاسلام المعتدل» الى ان تستكمل ردم «الهوة الحضارية» بينك وبين الغرب عن طريق … الترجمة. و«ترجم» إن كان احد يستطيع ان يسبقك على الترجمة.

وصدّق ان لا صلة تذكر بين النفط والوحدة العربية. ما حاجتك بوجع الرأس. مكانتك في العالم تستطيع ان تكسبها لك وللامة العربية باستضافة المونديال او المتاحف والجامعات الاورو-اميركية في بلدك. الوحدة العربية حلم في اغنية وثقافة.

وإياك الظن بأن ثمة ولو شعرة معاوية بين النفط والصراع العربي – الاسرائيلي. لقد ترحّمنا على الملك فيصل بن عبد العزيز وأهلنا التراب على دور النفط – والغاز- في «المعركة». فصار بإمكان الغاز ان يتدفق الى اسرائيل وان تمارس انظمة النفط سفاح القربى مع «الدولة اليهودية الديمقراطية ».

لا تتعب نفسك. لا علاقة.

المواضيع
إقتصاد سياسي سياسة
البلدان
العالم العربي العراق اليمن مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الدولة القومية الديمقراطية السودان العراق النفط

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.