العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

من يحاسِب؟ ومن يحاسِب مَن؟

ليست المسألة إسقاط الحاكم فقط، بل منع الحصانة والمنفى والاغتيال من ابتلاع أول إنجازات الثورات: حق المساءلة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

من يحاسِب؟ ومن يحاسِب مَن؟

فواز طرابلسي

لاول مرة في تاريخ العالم العربي الحديث نجحت انتفاضات شعبية سلمية في إطلاق مسارات افضت الى تنحي أربعة رؤساء دولة عن الحكم.

ولاول مرة في التاريخ ذاته، أحيل هؤلاء الرؤساء الى المحاكمة، وجاهيا او غيابيا، بتهم تتعلق بالامر بالقتل والتعذيب والفساد ونهب الاموال العامة.

والآن تلوح مؤشرات الى ان هذه المكاسب الاولية لعملية التحويل الديمقراطي في تلك البلدان مهددة بالتبديد.

إغتيل معمر القذافي، بالطريقة البشعة الهمجية التي اغتيل بها، دون محاكمة او قطعا للطريق على محاكمة. وفرّ زين الدين بن علي الى العربية السعودية. وبموجب «المبادرة الخليجية »، المرعية اميركيا، أعفي علي عبدالله صالح هو «واعوانه» من اي مساءلة او محاسبة على جرائم وسرقات وهدر خلال ٣٣ سنة من الحكم الدكتاتوري، مقابل التنحي عن الحكم لنائبه. برسم الذين استهولوا قصة اعفاء «الاعوان»، جرى التعويض على عزل عدد من ابناء واقرباء الرئيس اليمني المخلوع من قيادة ابرز الوحدات العسكرية والامنية بتعيينهم سفراء لليمن خارج البلاد، ما يمنحهم الحصانة الدبلوماسية. ومن ضمن الصفقات المعروضة على الرئيس بشار الاسد مقابل التنحي عن رئاسة الدولة هو تدبير باعفاءات مماثلة.

تبقي تونس ومصر. في مجال المحاسبة، حُكم على زين العابدين بن علي بخمس وثلاثين سنة سجن على تهمة نهب الاموال. هي عقوبة قاسية إتهم البعض القضاء التونسي بالتسرّع في اصدارها. ولعل ثمة علاقة بين قسوة العقوبة وغياب المحكوم الذي ترفض العربية السعودية تسليمه طبعا.

على ان الحدث الاهم هنا هو الحكم القضائي المصري باخلاء سبيل حسني مبارك من احدى ابرز التهم الموجهة له.

لنلاحظ ولو بلفتة سريعة ان المشترك بين الحالات جميعها هو غياب المحاسبات السياسية قبل اي شيء آخر. كأنما لا دروس تتوخى من ثلاثة او اربعة عقود من الاستبداد والقمع وتفويت فرص التنمية والانفلات الريعي وعسكرة المجتمعات وأمننتها والقضاء على مستقبل اجيال في العمل والامل وتعميق الفروقات المناطقية والطبقية ناهيك عن الهدر والحروب المدمّرة التي لا تغطي عليها الانجازات..

عندما صدر الحكم باخلاء سبيل حسني مبارك، كان النائب العام المصري في زيارة قطر. لماذا الدوحة؟ لأن قطر سوف تمدّ مصر «بخبرات بشرية وتقنية في مجال النيابة العامة والقضاء» حسب التفسير الرسمي الذي اعطي لتغيّب النائب العام. صدّق او لا تصدق. قطر التي حكم قضاؤها على شاعر بالسجن المؤبد بسبب قصيدة تنتقد الاسرة الحاكمة، قطر هذه صارت مرجعا للقضاء القويم لمصر التي أنجبت امثال عبد الرزاق السنهوري واضع دستور مصر الحديث ودساتير عدد من الدول العربية الاخرى.

تبقى مسألة استرداد الاموال المنهوبة. على الطلبات التي ترسل الى دول الاوروبية والاميركية، تأتي ردود منمطة: ان تشريعات البلد لا تسمح بذلك. ولسنا نتحدث هنا عن سويسرا او عن «الفراديس المالية». نجحت بعض الضغوط في دفع بعض البلدان – بريطانيا مثلا- على تعديل في تشريعاتها اتاح تجميد ارصدة متنازع عليها. ومن جهته، حكم القضاء الايطالي بمصادرة املاكا لآل القذافي بقيمة ١،٣ مليار يورو بما فيها أسهما في كبريات الشركات الايطالية.

خلال حقبة الذورة في الثورات، تشكلت هيئات من المواطنين للتأكد من تحقيق العدل والدفاع عن حقوق ضحايا القمع والقتل ومتابعة عملية استرداد الاموال المنهوبة. بعضها لا يزال يواصل عمله. بالفعل عقد في الدوحة، بقطر ايضا، «المنتدى العربي لاسترداد الاموال المنهوبة» في سبتمبر ٢٠١٢. مهما تكن توصيات المؤتمر وحظها من التحقيق، اللافت هو مكان الانعقاد والنظام المضيف.

يقال ان الجمهوريات تحولت الى انظمة توريثية ودول غنائمية على غرار الانظمة الريعية السلالية الاستبدادية في الجزيرة والخليج (والاردن والمغرب) حيث الحاكم يملك الارض، وما تحتها خصوصا، والاموال والاعناق. وهذا صحيح. ولكن اذا كانت الجمهوريات قد «تجملكت» وحذت حذو الممالك والمشيخات والإمارات، هل يعني ذلك انه يجب تبرئة النظام الاصيل ومحاكمة ومعاقبة النظام المقلّد؟ هل محاسبة المستبدين الجمهوريين يبريء من يتصرّفون بالثروات الفلكية الناتجة عن النفط والغاز. بل اكثر، هل ينصبّهم ذلك مدّعين عامين وقضاة بدلا من ان يكونوا متهمين ومحكومين؟ وماذا عن استرداد اموال شعوب تلك البلدان المنهوبة والمهدورة والمصدّرة بالترليونات لتمويل ودعم الاقتصاديات الغربية؟ بل هل هذا يعطي حكام ممالك وإمارات ومشيخات الغاز والنفط الحق في ان يحاكموا سرقة اموال الشعوب من حكام الجمهوريات؟

كشف الائتلاف السوري مؤخرا عن وجود خطة لديه لاسترداد اموال رجال النظام التي قدّرها بملياري دولار. وهو مبلغ متواضع اذا ما قيس بتقدير الائتلاف ذاته لحاجته الى نصف مليار دولار شهريا. المعارضة، اي معارضة، ليست معصومة سلفا من اي تهمة تتهم بها النظام الذي تعارضها. وعلى الاخص عندما تتكأكأ عليها الاموال النفطية والغازية. فمن يحاسب المعارضة السورية على انفاق مثل هذا المبلغ شهريا لو توافر؟ اي كيف تبادر هيئاتها والمؤسسات الى وضع مقاييس لشفافيتها؟

هذا مجرد تذكير باول انجازات الثورات المهددة بالتبديد. فابسط بديهيات الديمقراطية حق المواطنين في مساءلة الحكام المنتخبين ومحاسبتهم وتغييرهم ومعاقبتهم عندما تستدعي الحاجة.

واول اختبار للديمقراطية في الثورات ان تنجح في مساءلة حكامها والمعارضات في آن معا.

المواضيع
سياسة
البلدان
الاردن العالم العربي اليمن مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الديمقراطية الربيع العربي حقوق الإنسان ليبيا مصر

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.