العودة إلى المنشورات
منشورات مذكرات

مع أبو عمّار في حصار بيروت

الفانتوم قبل الاغتيال الكيميائيّ، والأكورديون قبل «الحرب الاستباقيّة». مَلاعبُ عرفات.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

قبل أن يحوّل شارون اغتياله بنمط الحصار في المقاطعة في رام الله، وقبل أن تجرى عليه السموم التي أودت أخيراً بحياته، سعى شارون دائباً إلى اغتياله خلال حصار بيروت، صيف ٨٢. كثيرون قد لا يذكرون أن أسلوب اغتيال الأفراد بواسطة الطائرات الحربية – المعتمد على نطاق واسع في فلسطين منذ الانتفاضة الثانية – قد افتتحه الإسرائيليون وابتكروه خلال ذلك الحصار.

وفي لبنان ما بعد ١٩٦٨، أفصحت الحرب الوقائية القائمة على عدم انتظار هجمات المقاومة الفلسطينية على المواقع الإسرائيلية عبر الحدود والمبادرة إلى ضرب المخيمات والقرى والقواعد الخلفية، عكس ما كان سائداً آنذاك في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية من شرعية الدفاع عن المُتضرِّر، أو «الردّ على اعتداء». بل إن مصطلح «الحرب الاستباقية» استخدمه لأول مرة ناطق باسم الجيش الإسرائيلي بصدد لبنان في السبعينيات للتدليل على تجاوز منطق الدفاع المشروع عن النفس والردّ على الاعتداء. من إسرائيل الليكودية أخذ المحافظون الجدد في الولايات المتحدة فكرة «الحرب الاستباقية» التي صارت جزءاً عضوياً من العقيدة العسكرية الأميركية ما بعد أيلول ٢٠٠١.

كنت أتمنى لو أن أحداً غيري يكتب عن الرجل الذي كانت تطارده طائرات الفانتوم خلال حصار بيروت. أقصد أحد الذين عايشوه عن قرب أكثر مني. فكل ما أستطيع تقديمه من قبيل الشهادة: بعض اللحظات صدف أنها كانت دالّة على مخيّلة ياسر عرفات العملية، وعلى المَعدَن الذي ينمّ عنه الرجل خلال المواجهات وفي ملاعبه الموت.

***

لم يكن الغزو الإسرائيلي للبنان صيف ١٩٨٢ مفاجئاً كلياً للقيادة الفلسطينية – اللبنانية. منذ مطلع العام ١٩٨٠، أقلاً، كانت ترد معلومات عن خطة ما في ذلك الاتجاه. ثم أخذ أبو عمار يتحدث في مجالسه عن خطة أسماها «خطة الأكورديون»، تقوم على اجتياح إسرائيلي من الجنوب يكمّله اقتحام القوات اللبنانية لبيروت الغربية – ما لم يكن واضحاً بعد. وكان المدى الذي سوف تذهب إليه العملية الإسرائيلية: هل تقتصر على اجتياح مقاتلي القوات المشتركة اللبنانية – الفلسطينية على عمق أربعين كيلومتراً من الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، فتقف عند جنوب صيدا، أم تندفع شمالاً نحو بيروت [؟] – بيروت قرارها. في احتمال أول، سوف يحقق الغزو الحدّ الأدنى ممّا لم يستطع تحقيقه العام ١٩٧٨، وهو منع أي سلاح مدفعي أو صاروخي فلسطيني من أن يطال المستعمرات الإسرائيلية في الجليل الأعلى. أما في الثاني، فيثور السؤال: هل سوف يؤدي التقدّم الإسرائيلي إلى محاصرة بيروت؟ بعد أيام معدودات على الغزو، عندما اقتحمت القوات الإسرائيلية صيدا، تأكّد الأمر أن الغزو بات يستهدف حصار بيروت، واقتلاع ما أسماه أرييل شارون «البنية التحتية» لمنظمة التحرير. وليس هذا وحسب، بل تجلّى الوجه السياسي للغزو: فرض حكم لبناني تابع لإسرائيل يتنصّب بشير الجميّل رئيساً للجمهورية.

مهما يكن، منذ أن وردت تلك المعلومات وأبو عمار يعدّ العدة لأقصى الاحتمالات: حصار يطول لبيروت. وحقيقة الأمر أنه لا يمكن تصوّر صمود أهالي بيروت خلال ذلك الحصار دون الإعداد اللوجستي الذي أشرف عليه أبو عمّار شخصياً بكل حذافيره. للتذكير، كان أول هدف قصفه الطيران الإسرائيلي يوم ٤ حزيران، أي قبل يومين من بدء الغزو الفعلي، هو المدينة الرياضية في بيروت، وكان أبو عمّار قد حوّلها إلى مستودع ضخم للمؤن الغذائية والسلاح والذخيرة أيضاً. ولكن على الرغم من تدمير ذلك المستودع الحيوي، فعندما أحكمت القوات الإسرائيلية الطوق على المدينة، وأقفلت كل منافذها وقطعت عنها الماء والمحروقات والمواد الغذائية، بقيت مستودعات أبو عمّار الأخرى قادرة على تلبية الحد الأدنى المطلوب من احتياجات أهالي بيروت والضاحية الجنوبية. وقد تولّى جهاز لبناني فلسطيني خاص توزيع وحدات غذائية يومية معلّبة على الألوف من الأسر خلال الأسابيع الأخيرة من الحصار.

***

تزايد الضغط العسكري على بيروت الغربية مع حلول شهر آب، وبعد مباشرة المفاوضات من أجل انسحاب مقاتلي وأجهزة وقيادات منظمة التحرير من بيروت بإشراف المبعوث الأميركي فيليب حبيب. أخذ القصف الإسرائيلي بالأسلحة الثلاثة – المدفعية الأرضية والطيران والبوارج الحربية – يشتدّ ويركّز على أحياء: الغرنيق وعائشة بكار ومار الياس ورأس بيروت وبرج أبي حيدر، وقد نزح إليها الكثيرون ممّن فيهم القيادات والمكاتب، هرباً من المناطق المدمّرة والمستهدفة مثل الطريق الجديدة والفاكهاني.

خلال يوم الأول من آب الرهيب، تقدّمت القوات الإسرائيلية لاحتلال مطار بيروت الدولي. غُمِرت المدينة من الثالثة والنصف فجراً بحوالي خمسين غارة. بعد الظهر بدأ قصف عالٍ بما لا يقل عن ١٨٠ ألف قذيفة من مختلف الأعيرة. حسبما تقارر، وكلا الرقمين لم [؟] ذلك اليوم الرهيب، كنا في مركز تجمّع الشباب الديمقراطي في المزرعة عندما صعد أحد الحرّاس قائلاً: بلّغنا الآن أن أبو عمار في سيارته يسأل عن الرفيق محسن إبراهيم. نزلنا إليه أنا والرفيقان زهير رحّال ونصير الأسعد، وهربنا معاً. كان رمزي حيدر مصوّر مجلة «بيروت المساء» حاضراً بالصدفة والتقط لنا صورة: ها هي الصورة أمامي الآن: أبو عمّار بالثياب العسكرية يقطع الطريق مسرعاً نحو البناية، ونحن نسعى للحاق به إلى مركزنا في الطبقة الأولى من المبنى. ورفض الصعود. قال: أريد مكاناً آمناً تحت الأرض. مستودع أي شيء. حسن الحظ أنه كان للمبنى مستودع. فتحناه: كان مستودع سجّاد، ومصعد. أنه كان ثمة هاتف معلّق إلى أحد الأعمدة في وسط المستودع الشاسع. طلب أبو عمّار طاولة وكرسياً، وضعهما بحذاء العمود وحمل له مرافقه فتحي ملفّاً من السيارة، وفي خطفات عيون تحوّل مستودع السجّاد إلى مركز جديد يصدر منه القائد العام لقوات المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية الأوامر، ويتلقّى التقارير عن سير العمليات، ناهيك عن استقبال الزوّار.

***

يوم السادس من آب ١٩٨٢ سجّلت في يومياتي ما يلي:

«الرجل الذي تطارده طائرات الفانتوم من عليائها ليلاً، حذِرٌ وقويّ ومتوثّب كالنمر الجريح، والمطاردة تزيده توثّباً وقوة».

السادس من آب: أولى محاولات الاغتيال بواسطة القنبلة الفراغية التي أُلقيت على أساسات بناية مكرّ في منطقة الصنايع. انهار المبنى على مَن فيه من نازحين من مناطق القتال والمخيمات. سقط مئات بين قتيل وجريح، معظمهم من سكان مخيم الضبيّة الذي اجتاحه مقاتلو حزب الكتائب عام ١٩٧٦ وأجلوا سكانه الفلسطينيين المسيحيين إلى بيروت الغربية. وكان أبو عمّار يستخدم أحد المكاتب في تلك البناية للقاء الصحافيين. قيل آنذاك: إن القنبلة دمّرت المبنى بعد فترة وجيزة من زيارة أبو عمّار للمكتب. ولم تقتصر محاولة الاغتيال تلك على تدمير المبنى، فبعد دقائق انفجرت سيارة مفخّخة عند مدخل وزارة الإعلام على بعد أمتار من البناية المدمّرة. وكان أبو عمّار كثيراً ما يرتاد مبنى الإذاعة ووزارة الإعلام بالمسؤولين السياسيين والأمنيين وقيادات الحركة الوطنية.

في اليوم ذاته، باشرت طائرات الفانتوم بالتحليق في سماء بيروت ساعيةً إلى قنص «أبو عمّار»، وأبو عمّار ينتقل من مكان إلى آخر، يمرّ من مدخل بناية إلى مدخل بناية أخرى، قبل أن يرحب به السكّان، راجين إياه ألّا يُطيل البقاء حتى لا تلقى عليهم المصير الذي لقيته بناية مكرّ. لجأ سلاح الجوّ الإسرائيلي إلى القتل بواسطة مقاتلاته، لأنّ استخدام المسيّرات (الهيليكوبتر) كان ينطوي على مجازفة كبيرة بسبب امتلاك المقاومة الفلسطينية صواريخ «سام ٦» المحمولة إضافة إلى المدفعية المضادة للطائرات.

ظلّ أبو عمّار يتجوّل في المدينة شبه الخاوية وطائرات الفانتوم تطارده حتى حلّت العتمة. مرّ مع صحبه ليلاً على شقّتي في الزبيدانية، التي كنّا نستخدمها مركزاً لقيادة منظمة العمل الشيوعي خلال الحصار. يسأل عن محسن إبراهيم. دلّه الحرس علينا، حيث كنّا أنا وعدد من أعضاء القيادة ومعنا الرفيق محسن، مجتمعين في الطبقة الأرضية من بناية شاهقة على بعد بضعة مئات الأمتار بين شقّتي باتجاه كركول الدروز. الرفاق الذين غادروا وتركوا لنا الشقة، أقفلوا أبواب الغرف تاركين لنا غرفة الجلوس التي يفضي إليها باب الشقة مباشرة. كنت على الهاتف أتحدّث مع أحمد الديراني، الرفيق المسؤول عن الضاحية الجنوبية، عندما طُرق الباب ووقف أبو عمّار مسرعاً ومعه أحد مرافقيه. وضع إصبعاً على فمه داعياً إلى وقف الحديث الهاتفي فوراً. ثم أومأ بيده بحركة تقول: أطبق سمّاعة الهاتف. فعلت. لم يكد يستقرّ ويبدأ تبادل الأحاديث حتى طُرق الباب من جديد. تراجع أبو عمّار إلى مؤخّرة غرفة الجلوس بحيث لا يمكن رؤيته من الباب. شققتُ الباب شقّاً واطللت برأسي منه، فإذا بامرأة تسأل:

– أبو عمّار هنا؟

– مَن؟ سألتُ، كأنّي أسمع اسم الرجل للمرّة الأولى.

– يا أستاذ، أنا سورية ونحن معكم. وأعرف أن «أبو عمّار» هنا. أردت فقط أن أبلغه أن أهل البناية شاهدوه يترجّل من سيارته ويدخل البناية وها هم يغادرونها جميعاً. وأشارت بيدها إلى السلالم. فتحت الباب للنظر باتّجاه إشارتها فإذا بها بالعشرات من سكان البناية، شيباً وشبّاناً، نساءً ورجالاً، متكوّمون يتدافعون للمغادرة، والعديد منهم محمّل أطفالاً وأمتعة وأشياء أخرى مختلفة.

لم نمكث طويلاً بعد ذلك. خرجنا بدورنا. لحسن الحظ، أن الرفاق كانوا قد اختاروا على مستوى تحت الأرض في بناية مجاورة كانت لا تزال قيد الإنشاء عندما دهمها الحصار المدينة. تفرّقت أعمال البناء فيها. فأحلنا نستخدمه كمهجع للحراس والموظفين. ذلنا إلى المستودع في جنح الليل، وكمادته في المرّة السابقة، سرعان ما تحوّل المستودع إلى مركز قيادة جديد. استدعى أبو عمّار إليه العقيد سعد صايل، الضابط السابق في الجيش الأردني، خرّيج الحرب الأهلية ذات الملامح الفلسطينية، العقيد سعد صايل، الضابط السابق في خلال أيلول الأسود ١٩٧٠ والإرادة بأن يُثنّي تلك في حصار بيروت، وقائد جيش الثورة. ورصدنا حالة المقاتلين اللبنانيين والفلسطينيين الموضوعين تحت إمرته للدفاع عن بيروت في وجه الجيش الإسرائيلي، القليلي العديد والعتاد، والضعيفي التدريب والانضباط. علماً أنّ العقيد صايل وجيش الثورة، الذي قاده إبليه أحسن البلاء في الدفاع عن بيروت لمئة يوم أبو زيد، ومنعوا الجيش الإسرائيلي من دخولها. أمّا في تلك الأثناء، فقد كان صايل يعدّ مذكّرة باسم منظمة التحرير إلى فيليب حبيب بشأن انسحاب المقاتلين الفلسطينيين من بيروت. وكان أبو عمّار قد تقدّم باقتراح إلى المبعوث الأميركي، بواسطة رئيس الوزراء اللبناني شفيق الوزّان، يقضي بفصل القوات: يتمّ بموجبه انسحاب القوات الإسرائيلية مسافة خمسة كيلومترات عن بيروت لتبدأ مباشرة مفاوضات الانسحاب. لم يكن أبو عمّار بهذا عاطلاً في الانسحاب وحسب، كان يواصل السعي لتنفيذ فكرته الأصلية: فرض الاعتراف به وبمنظمة التحرير والشعب الفلسطيني طرفاً في الحرب وفي النزاع العربي – الإسرائيلي.

رفض فيليب حبيب الاقتراح. رجاء يوم القصف الرهيب ذاك، تأكيداً بالقذائف من فيليب حبيب على ذلك الرفض: لا مفاوضات ولا شروط للانسحاب الفلسطيني من بيروت.

في ذلك المستودع، جلست أساعد العقيد صايل في التدقيق ببعض العبارات بالإنكليزية، فيما استلقى أبو عمّار على أحد الأسرّة يرتاح. تقاسمنا الصعداء. وسرعان ما توزّع الحضور على الأسرّة يرتاحون بدورهم من ذلك اليوم الرهيب وقد جاوزنا منتصف الليل. لم يمض وقت طويل حتى ترامت أصوات تبادل إطلاق للنار قريبة. ونبّ أبو عمّار من سريره نبّاً، واعتمر قبّعته العسكرية وأخذ يوقظ جميع النائمين. وكان في روعه إمكانية إنزال يقدّرون عمليات اغتيال، وكان من جملة من أيقظ أحد رفاق المقاتلين من عرسال. فلمّا رأه أبو عمّار موقظاً إيّاه، ردّ عليه ببيروت بلهجته البقاعية: «يا بو عمّار، لا إنزال ولا هُم، والأقوات العربية بتهجّمه بالضبط». خرج أن حدس الرفيق البقاعي كان صحيحاً. فتلك الاشتباكات كانت مألوفة في الحيّ.

لكن لم يكن أبو عمّار يملك ترف المجازفة بالاستطلاع والتحقّق من مصادر النيران وسبب تبادلها. كان الخطر سيّد الأحكام هنا ويوصله إلى الأمان.

إن هي إلاّ أوان فإذا أبو عمّار قد توارى وصحبه في عتم الليل.

***

كتبت في مناسبة سابقة عن مفارقات الحصار. قلت إن ضيق الحصار يفتح المجال رحباً أمام الشطحات الرؤيوية. وأنا لا أعرف متى أصاب الوحي أبو عمّار، الوسيط العملاني الحصار بيروت. رأى الجنّة تهبّ رياحها عليه. رأى فلسطين. واحداً اتّخذ بانسحابه قرارات المؤمن. وعندما سأله الصحفي الإسرائيلي أوري أفنيري «إلى أين من بيروت؟» أجاب ببساطة مَن يستغرب السؤال: «إلى فلسطين!».

إذا كان أبو عمّار قد استغرب الجواب حينها، هل يحقّ لنا، الآن، أن نستغرب الجواب؟ لقد حقّق ياسر عرفات الرؤية التي أصابته بأنّها خلال حصار بيروت، وإلى فلسطين عاد. فماذا يُقال عن ذلك الرؤيوي البرغماتي أبلغ ممّا هو قد فعل؟

وفي اللقاء الأخير في مكتب الصديق المحامي سنان تيراج، عشيّة مغادرته بحراً إلى المنفى الجديد، كانت فترات صمت طويلة. وكانت سيارة مرسيدس بيضاء تنتظره في طريق منحدر من شارع مار الياس. سيارة مرسيدس صارت غرفة نوم «أبو عمّار» وخزانة ثياب ومكتبه وملجأه و… فلسطين. وقبل أن يغادر، ترك لنا عصاه وعباءته، كأنه يقول: إن زمن الارتحال خارج فلسطين قد انتهى.

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
فلسطين لبنان
نُشر في
الكرمل
المؤلف
فواز طرابلسي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.