العودة إلى المحاضرات والمقابلات
محاضرات ومقابلات محاضرات ومؤتمرات

مداخلة ندوة القاهرة عن «ثورات الكرامة العربية » في الثورة بما هي نقد فكري

محاضرة: الثورة نقد فكري — أثبتت أن العرب ليسوا استثناءً من التاريخ. «الكرامة» ليست ثقافة بل مطلب مادي: عمل وخبز وحرية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

مداخلة ندوة القاهرة عن «ثورات الكرامة العربية »

في الثورة بما هي نقد فكري

اعترف لكم بأني استغربت تسمية الندوة: «ثورات الكرامة العربية». ولما سألت عن سبب التسمية، قيل لي: انها أفضل من تسمية المؤتمر «الربيع العربي ».

لا شك لدي في ان تسمية الربيع العربي، التي اطلقتها الصحافة الغربية وتلقفتها الصحافة العربية وكثرة من المثقفين العرب، قد تحيل الى مرجعيات في التاريخ الاوروبي، فثورة ١٨٤٨ الاوروبية سمّيت «ربيع الشعوب» وثورة ١٩٦٨ استحقت ايضا صفة الربيعية ناهيك عن انتفاضات وثورات اوروبا الوسطى والشرقية ضد الشيوعية. مهما يكن، تظل هذه التسمية مصدر تشكيك لدي لا لسبب الا لأنها توحي بحدث طبيعي دوري، فيما هي حدث استثنائي، فجائي وبشري جدا. واخشى ان تسمية الربيع العربي تتضمن مقدارا من التسليم بما حدث بحيث تطمس مهمة التنقيب عن اسبابها. فكأن الربيع جاء، كما هو محتوم ان يجيء في كل سنة، في حين اعتقد ان المطلوب تفسيره هو سبب اندلاع الانتفاضات والعوامل التي ادّت الى التزامن الغريب فيما بينها الذي لا يمكن ردّه الى مجرد العدوى.

ثم ان صيغة «الربيع العربي» تسمح بكل منوعات التلاعب السمج على الكلمات من مثل راح الربيع العربي وجاء الخريف، ناهيك بمداهمة الشتاء، الخ. ومن قبيل البلاغة الزائدة اللعب على الربيع والكرامة معا. فها هي احدى وكالات الانباء المصرية لا ترى في «الكرامة» بديلا عن «الربيع» بل مقدمة له، فاعلنت في عنوان مادتها عن المؤتمر «ثورات الربيع العربي تؤكد ان “الكرامة” هي الابقى! »!

مهما يكن، هي مناسبة للبحث في تعيين طبيعة الثورات والاجابة على السؤال الذي طلب مني الاجابة عليه: ماذا نعني بالديمقراطية في هذه الثورات.

ما نحن شهود عليه، او مشاركون فيه، ثورات، بمعنى انها عمليات تطمح الى تغيير جذري في بنى ومؤسسات الدولة والمجتمع، وهي ثورات ذات منحى ديمقراطي بمقدار ما تفصح عن اهدافها في تفكيك الانظمة الاستبدادية القائمة، اكانت دكتاتوريات شعبوية ام انظمة سلالية نفطية او غير نفطية واستبدالها بانظمة قائمة على السيادة الشعبية. وهي الى ذلك ثورات شعبية اخرجت الى الفعل السياسي قوى جماهيرية شعبية واسعة من الطبقات الوسطى ومن فقراء ومهمشي المدن والارياف والاطراف. وهي اخيرا ثورات تتوسلّ القوة العددية للجماهير المحتشدة والمعتصمة والمحتجة لتحقيق اهدافها.

ومع ان الطابع الديمقراطي غالب على تلك الثورات، فالحقيقة ان الديمقراطيين هم الابناء الفقراء لتلك الثورات. ففي التعداد المتداول لقوى الثورة يُؤتي على ذكر الاسلاميين، والوسطيين، والسلفيين، والجهاديين، والليبراليين، واليساريين. ولكن نادرا ما يؤتى على ذكر الديمقراطيين. احيانا كثيرة، إحتلت الليبرالية محل الديمقراطية وفي الامر انتحال صفة.

جناحان في الثورة

الصفة الاولى المميزة للثورات العربية هي انها تتكشل من قوى متفاوتة بل متضاربة احيانا من حيث الاهداف والوسائل والتمثيل الاجتماعي. تحوي العملية الثورية قوى مدنية حداثية تجهر في سعيها الى بناء دولة القانون المدنية وتنمية الحريات العامة والخاصة وترسيخ المؤسسات الديمقراطية واعادة الاعتبار للتنمية الاقتصادية بهدف تحقيق مقادير من العدالة الاجتماعية. وهي التي تعبّر عنها شعارات «عمل، حرية، خبز» او «عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة انسانية».

وتضم العملية الثورية في المقابل قوى تمثل فئات اجتماعية متفاوتة نمت بالدرجة الاولى خارج إطار الدولة الرعائية التي أسستها الانظمة العسكرية الشعبوية تنتسب الى تيارات مختلفة من الاسلام السياسي تتراوح بين الاخوان المسلمين وبين التكفيريين والجهاديين وما بينهماو من سلفيين وصوفيين وإسلاميين «معتدلين» و«وسطيين ». واذا كانت تلك القوى تلتقي مع القوى الاولى على ضرورة تفكيك النظام الاستبداي، الا انها شاركت تحت رايات «الاسلام هو الحل» وهمّها الرئيسي هو الارتداد على ما في الدولة العربية من عناصر ومؤسسات وتشريعات حديثة ومدنية واستبدالاها بمؤسسات وتشريعات قائمة على الشريعة الاسلامية.

ولا يجب ان نعجب لهذا الخليط، تكفي نظرة الى الثورة الايرانية التي انشأت الجمهورية الاسلامية العام ١٩٧٩ لنكتشف مدى شبهها مع حالتنا في البلدان العربية. ضمت العملية الثورية في ايران تنظيمات ماركسية مسلحة، حداثية ويسارية التوجه، عملت على اسقاط نظام الشاه بواسطة الكفاح المسلح، لاطلاق المجال لتعميق الحداثة وتعميم الديمقراطية ونباء دولة العدالة الاجتماعية وحتى الاشتراكية. وفي المقابل، كان المكوّن الاسلامي في العملية الثورية، وجناحه الغالب بقيادة آية الله الخميني، يعمل على الارتداد على مشاريع الشاه التحديثية في الريف خاصة، وعلى استبدال الدولة الشاهانية بدولة ثيوقراطية بقيادة علماء الدين تحت رايات ولاية الفقيه.

الثورات نقد بالممارسة

لا يختلف اثنان على ان الثورات العربية هي سلسلة من الانتفاضات الشعبية غير المتوقعة والعفوية الى ابعد حد. ويفيد التوقف للتفكّر في طابعها المفاجيء هذا وفي الغياب شبه كامل لتوقع حدويها.

ثمّة تفسير لأسباب التي حالت دون استشعار الانتفاضات ـ في توقيتها وزخمها وتزامنها وعفويّتها وأهدافها والوسائل ـ هو أنّ البحث في أزمات المنطقة كان يجري في حقل آخر، وبأدوات بحث واستخبار لا تصلح لمثل ذلك الرصد. وهذا الحقل هو حقل خطاب عالميّ مُهيمن، تَبلور بعيد نهاية الحرب الباردة، وتكرّس بعد هجمات ١١ ايلول ٢٠٠١. إنّه خطاب النيوليبرالية المُتَعَوْلمة و «أجنداتها » المتكاملة والمستبطنة في المنطقة من سلطات ومؤسسات وقوى مدنية وأهلية وأحزاب ومثقّفين:
– في الهويّة: التعريف الثقافوي ـ الديني للشعوب والمجتمعات؛ وتعميم مقولة «الاستثناء الإسلامي ».
– في السياسة: نظرية المجتمع المدني/ الدولة، و«النقصان الديموقراطي ».
– في الاقتصاديات: تفكيك الدولة التنموية، واهمال القطاعات الانتاجية، وتحريم حماية الانتاج المحلي، وفرض اعادة الهيكلة والخصخصة ودكتاتورية الأسواق.
– في الاجتماعيات: احتساب معدّلات الفقر، لا الفروقات الاجتماعية، والتبشير بالشفافية ضد الفساد وطمس كلّ منوعات الاستغلال.
– وفي العلاقات الدوليّة: وحدانيّة الأمن و «الحرب ضد الإرهاب» وأولويّتهما.

حقيقة الأمر، أنّ خبراء الديموغرافيا نبّهوا باكراً من خطورة «القنبلة الديموغرافية» في العالم العربي الذي سوف يبلغ عدد سكّانه ٣٩٥ مليون نسمة في ٢٠١٥، ٦٠٪ منهم دون الخامسة والعشرين، وحيث لا أقلّ من ٢٥٠ مليون نسمة باتت تسكن المدن. وأشارت «تقارير التنمية البشرية العربية»، التي أصدرتها «وكالة الأمم المتحدة للتنمية » إلى كون المنطقة تملك أعلى معدّلات في العالم في ثلاثة مجالات: نسبة الشباب الى السكان، نسبة البطالة الى السكان، نسبة الشباب العاطل عن العمل الى السكان. من جهتهم، لاحظ علماء الاجتماع والسياسة ما سوف يترتّب على الانفجار السكاني والهجرات الريفية من اختلالات على كل الصعد، من ولادة «العشوائيّات» حول المدن أو داخلها، إلى تفكك البنية البطريركية عند الشباب.
لكن معظم هذه الأبحاث حكمتها الاشكالية المهيمنة ـ خصوصاً وجهها المتعلّق بـ «الاستثناء الإسلامي » ــ فاتّجهت وجهة الخلاصات التي تمليها تلك المشكلة. توقّعت الدراسات أن يكوّن الوافدون الجدد من الأرياف والشباب العاطل عن العمل تربة خصبة للتعبئة من أجل العنف الجهادي، أو التحوّل إلى جمهور للخدمات الخيرية والتربوية والصحية التي توفّرها الحركات الإسلامية لأغراض الكسب السياسي، أو أن يضافوا إلى عديد مشاهدي محطات التلفزيون «الراديكالية»، مثل «الجزيرة» القطرية.
تبيّنت جزئية هذا التوقع وانحيازه، عندما ألّف هذا الفائض من الشباب المتعلم والعاطل من العمل، الخليط المتفجّر الذي أطلق الانتفاضات الحالية، وأدى الدور البارز فيها. لم تنطلق الانتفاضات باتجاه سلفي أو جهادي، بل اتخذت وجهة الديموقراطية التي تدّعي الشرعية باسم الشعب ـ وفي ظلّ شعارات «العمل والحرية والخبز». وبدلاً من أن يصبّ الانفجار الديمغرافي والبطالة المستشرية في تعزيز تيّار العنف بين الشباب، جنحا به نحو تظاهرات واعتصامات وإضرابات إتّسمت جميعها بالطابع السلمي طالما ان عنف السلطات ظل في مستوى لم يستدع الانتقال الى الرد عليه بالعنف المسلّح، مثلما آل الامر اليه في الحالة السورية.

لكن تسعى هذه المساهمة إلى البرهنة على أنّ الانتفاضات الشعبية أشارت إلى مكامن خلل أساسية في الخطاب المهيمن، وما استتبعه من ممارسات، وأنّها شكّلت نقداً بالممارسة ــ وبالدماء ــ لمقولاته الرئيسة. وسوف نتناول أربعاً من هذه المقولات عن الديموقراطية، والمجتمع المدني والدولة، والشباب وفرص العمل، والفساد. لا بد من الإشارة إلى مفاجأتين حملتهما الانتفاضات في موضوع الديموقراطية (يمكن ترك موضوع المفاجأة للنظريّات «الثقافويّة» لمعالجة أخرى ).
المفاجأة الأولى هي لنظريّة «النقصان الديموقراطي »، الوجه الآخر المكمّل لـ «الاستثناء الإسلامي ». فقد فُرضت، خلال ربع قرن، إشكاليةٌ استشراقيّة قضت على الجهد الفكري والبحثي، لتغرق في تفسير «غيابات» و «فجوات» وحالات «عجز » و «نقصان»، تعانيها المنطقة قياساً إلى النموذج الغربي للديموقراطية الليبرالية.
مثّل عشرات الملايين من العرب النازلين إلى الشارع لتقويض أنظمة الاستبداد، فائضاً في الديموقراطية، لا نقصاناً فيها. لكنّنا مع ذلك نقف مشدوهين إزاء حجم ما هدرنا من وقت وجهد في تفسير «غيابات» الديموقراطية، فغاب عنّا حضور طبائع الاستبداد، آليّاته ومؤسّساته وركائزه وعوامل استمراره وإعادة إنتاجه وطرائق الانتقال من الاستبداد إلى الديموقراطية. وها نحن في خضمّ الانتفاضات، نقيس مدى جهلنا بالأنظمة التي تحكمنا، ما يترك آثاره السلبية على كلّ استراتيجيات التغيير ووسائله.
المفاجأة الثانية هي أنّ الانتفاضات انطلقت من الداخل، على عكس ما التقى عليه أو توقّعه ليبراليّون محليّون مثلهم مثل خصومهم من إسلاميين وقوميين ويساريين. فقال الأوّلون، في امتداد الاحتلال الأميركي للعراق، بأنّ لا إمكان لبناء الديموقراطية في بلادنا، إلا إذا فُرضت من الخارج. فرحّبوا بـ «خارجيّة» التغيير الديموقراطي، اي بالتدخل الاميركي، على اختلاف اشكاله، بما هو آيل الى تحقيق الديمقراطية. اما الثانون، فرفضوا الديموقراطية لاعتبارها جزءاً من «مشروع الشرق الأوسط الجديد» للهيمنة الاميركية.

إنّ توقيت الانتفاضات جدير الملاحظة والتوكيد. حصل بعد انقضاء عهد بوش الابن، وبعدما تخلّت الإدارة الأميركية حتّى عن رطانتها «الديموقرطية»، دون أن تحقّق أيّ إنجاز على هذا الصعيد. والأهمّ أنّ الانتقاضات اندلعت في سورية بعد الانسحاب العسكري الأميركي والحليف من العراق. وعلى عكس التوقّعات، قامت الانتفاضات دون مساعدة من الخارج، بل قامت ضدّ هذا «الخارج». فقد حضنت القوى الغربية ودعمت، أو تواطأت مع، أنظمة الاستبداد، من ديكتاتوريات جمهورية توريثية أو أنظمة سلاليّة نفطية أو غير نفطية، في طول العالم العربي وعرضه، على امتداد ثلاثة أو أربعة عقود من الزمن. ومهما يكن حجم التدخّل الخارجي الحالي، ومدى المساعي للتعويض عمّا فات القوى الغربية من ادّعاء أبوّة الديموقراطية، فلا مفعول رجعياً لهذا التدخل يسمح بالادعاء أنّ قوّة غربية ما كان لها أيّ دور في إطلاق الانتفاضات أو تشجيعها أو تسييرها. كل ما يمكن قوله إنّها تسعى الآن إلى احتوائها، أو تحجيمها، أو الارتداد عليها، أو خنقها في المهد، بكل الوسائل.

«الشعب يريد »: ثورة مفهومية

لا حاجة لكبير جهد فكري للبرهنة على أنّ منبت شعار «الشعب يريد اسقاط النظام » يقع خارج منظومة المفاهيم والافكار والارشادات التي قامت عليها، وروّجت لها الإيديولوجيا النيوليبرالية المهيمنة. انطلقت الصيحة من تونس، مستلهمة قصيدة شاعرها الوطني أبو القاسم الشابي التي يتعلمها الشباب العربي ويحفـظونها عن ظهر قلب من المحيط الى الخليج. ولعلها اختلطت أيضاً بأصداء من مرويات الثورة الفرنسية. أحيا الشعار مصطلحي «شعب» و «نظام» اللذين ينتميان الى عهود حركات التحرر الوطني، وقد باتا خارج التداول عملياً، منذ الربع الاخير من القرن الماضي. فانطوى هذا الإحياء على نقض وانقلاب في المفاهيم والقيم، بقدر ما انطوى على تعيين هدف للتغيير ومساراته. وفي ما يأتي بعض أوجه هذا النقض والانقلاب.
اعاد الشعار الاعتبار لمفهوم «الشعب»، بما هو الهوية الرئيسية للسكان في مقابل التعريفات الانتمائية والثقافوية المهيمنة، بمركباتها الإثنية والأقوامية والطائفية والمذهبية والأقلوية التي روّجت لها ايديولوجيا العولمة الاميركية خصوصاً. «واحد، واحد، الشعب السوري واحد »، نموذج عن مثل الرغبة العارمة من الخليج إلى المحيط في التركيز على الهوية الوطنية والوحدة الشعبية، في وجه كل تلك الانتماءات والهويات التي يستغلّها الحاكم المستبدّ والعدو الخارجي على حد سواء.
«الشعب يريد» هو ايضا اعلان عن تطلّب لمصدر جديد لشرعية السلطة، يحل محلّ «الشرعيات» السائدة: «الشرعية القبلية ــ السلالية»، و«الشرعية العسكرية ـ العقائدية »، و «الشرعية الثيوقراطية»، أو «شرعية» تأويل النص الديني في أمور السياسة والدولة، فضلاً عن «شرعية» الاحتلالات الاجنبية أو «الشرعيات الخارجية» التي استعاضت بها الانظمة الاستبدادية العربية عن شرعية داخلية رفضت شعوبها منحها اياها بقدر ما رفضت هي السعي لاكتسابها. في مقابل هذه جميعاً، يطمح شعار «الشعب يريد» الى تحقيق مبدأ السيادة الشعبية، وحكم الشعب، اساساً لأية سلطة وأية شرعية.

الشعب والنظام مقابل المجتمع المدني

من جهتها، مثّلت وتمثّل مقولة «الشعب يريد إسقاط النظام» مراجعة جذرية لنظرية «الدولة/ المجتمع المدني ». لنضع جانباً البلبلة في فهم هذه النظرية وتطبيقها، وتخلّي اصحابها الغربيين عنها، فيما لا يزال يدمنها إدماناً قطاع واسع من المثقفين والمنظمات غير الحكومية، اضافة الى عديد من الاحزاب والحركات القومية واليسارية وحتى الاسلامية التي رأت فيها دَرْجة (موضة) دولية جديدة لا بد من مجاراتها، فصارت حالتها مثل حالة الغراب الذي اراد ان يقلّد نقلة الحجل.
لا يمكن النظر الى نظرية «الدولة/ المجتمع المدني » الا بما هي الوجه السياسي للنيوليبرالية الاقتصادية، تقيم التعارض بين كتلتين متجانستين: الدولة، وهي مستبدة تعريفاً، يقابلها «مجتمع مدني» قوامه القطاع الاقتصادي الخاص والنقابات المهنية والمنظمات غير الحكومية، ويمثل الولاءات والانتماءات الاختيارية. فيضارع المجتمع المدني «المجتمع الاهلي» الذي اكتُشف متأخراً، بما هو مرقد «الولاءات التقليدية». والوصفة الجاهزة: بقدر ما يضعف دور الدولة، في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة، بذاك القدر تنمو حريات الافراد.
سال حبر كثير في نقد تلك النظرية، انصبّ على محاور عدّة تستحق التسجيل. الأول، طمسها التراتب الاجتماعي ــ بما فيه من فوارق بين الطبقات، وبين مدينة وريف، وبين عمل ذهني وعمل يدوي وسواها. ثانياً، خلطها المستمر بين «الدولة» من جهة، وبين النظام السياسي والاقتصادي ـ الاجتماعي والثقافي المسيطر على الدولة من جهة اخرى. ثالثاً، القطيعة التي تفرضها بين الدولة والمجتمع، ما يسطّح جدل العلاقة بينهما، ويحجب مرتكزات السلطة وخطوط دفاعها، وآليات اعادة انتاجها، وكلّها كامنة في داخل المجتمع ذاته. رابعاً، العداء لأي دور للدولة في اعادة التوزيع الاجتماعي لصالح الفئات المحرومة أو المهمشة أو المتضررة من اقتصاد السوق الرأسمالي الاحتكاري. خامسا، اغفالها نظرية المجتمع المدني دور المجتمع الاهلي ذاته في تشكيل رافعة من روافع التغيير السياسي والاجتماعي اكان هذا المجتمع يعبر عن نفسه في الجنوب التونسي او الارياف اليمنية او الارياف والاطراف السورية. سادسا والأهم، تطمس هذه النظرية الأهمية الاستثنائية للدور الذي تؤديه الدولة، بما هي لحمة المجتمع ذاته، ولحمة الاجتماع السياسي، في البلدان المستقلة حديثاً، على وجه الخصوص.
وقد قدّم الاحتلال الاميركي للعراق التطبيق العملي الفاجع لهذا الوجه الأخير من النظرية، إذ لم يكتف بإسقاط نظام البعث الديكتاتوري، بل فكك، إن لم نقل دمّر، الدولة العراقية ذاتها. فماذا كانت النتيجة؟ بدلاً من ان يستولد هذا التدمير «المجتمع المدني » المنشود، ويؤدي الى تفتّح «حريات الافراد »، أخرج شياطين «المجتمع الأهلي » من جحورها، متمثلة بالمناطقية والإثنية والمذهبية.
على العكس من ذلك، انطوت اعادة الاعتبار لمفهوم «الشعب»، على تعريف المجتمع بما هو كتلة من القوى والمصالح والجماعات المتفاوتة والمتفارقة، تتكوّن في مرحلة تاريخية معيّنة حول ارادة واحدة وهدف تاريخي مشترك. وهي رؤية بعيدة كلّ البعد عن مقولات العولمة الدارجة الملونة كلّها بالريبة والشك تجاه كل ما له علاقة بالوطنية والقومية وتبشّر علناً بضرورة زوال «الدولة ـ الامة» وانحلالها لصالح الاثنيات والاقليات وسواها من التشكيلات الما دون دولتيه.
ترافقَ استرجاعُ مقولة الشعب وإرادته، مع تقديم هوية المنطقة العربية الى الواجهة، في وجه سلسلة الهويات التي فرضت عليها من الخارج، عن طريق تقاسيم الهوية الجيوستراتيجية على مقام «الشرق الاوسط »، كبيره ومتوسطه وجديده وأكبره، مندمجاً بشمال افريقيا او غير مندمج، فضلاً عن دمجه في العالم الاسلامي او أسلمته. هكذا، أعيد تعريف المنطقة من جديد بأنّها «عربية» ـــــ فصار العالم يتحدث عن «الثورات العربية » أو عن «الربيع العربي »، لوصف المسارات التي نتحدث عنها.

الأولوية للسياسة

مثّل شعار «الشعب يريد اسقاط النظام » نقداً من نوع آخر، لنظرية المجتمع المدني/ الدولة، ولسلوك المنظمات غير الحكومية والأهلية، القائم على فصل قطاعات المجتمع بعضها عن بعض، في تذرير «بعد حداثي » يحيلها الى جندرة، بيئة، تنمية بشرية، مكافحة الفساد، مساءلة، حوكمة، حقوق انسان، تمكين المرأة، تسليف جزيئي («الميكروي»)، شباب، ريادة، الخ. وعند الحاجة، يجري الربط بين قطاعين او قضيتين واكثر، بواسطة «واو» العطف.
في مقابل التذرير بعد الحداثي للقطاعات والقضايا، والمجاورة بينهما بالعطف، يعيد شعار الثوار العرب الاعتبار لا لوحدة قضايا المجتمع وتمفصلها بعضها مع بعض وانما ايضا لوحدة النظام، في مكوناته السلطوية والامنية والعسكرية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية، والترابط بين مؤسساته المختلفة. هذا هو «النظام» المطلوب تفكيكه وقلب معادلات القوى بينه وبين الشعب، من اجل إستبداله بنظام ديموقراطي، اي نظام يمثل «ارادة الشعب».
ماذا يعني ذلك؟ يعني اكتشاف الحلقة المركزية للنظام التي يجب أن ينصبّ الضغط عليها والفعل فيها: السلطة السياسية. إنّ المعنى العميق لشعار وممارسة «الشعب يريد اسقاط النظام » هو توجيه هدف التغيير نحو اعادة صياغة جذرية للعلاقة بين الحكام والمحكومين. وهذا ما يفسّر الاهمية الاستثنائية التي توليها الانتفاضات لقيام مجالس تأسيسية وانتقالية، ولصياغة دساتير جديدة، وتغيير نمط العلاقة السائدة بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية لصالح الاولى.
اين المنظمات غير الحكومية والجمعيات الاهلية من كل هذا، وهي التي تقوم افكارها وممارساته على منظومة الافكار النيوليبرالية المهيمنة؟
اقل ما يقال إنّ الانتفاضات تفرض على هذا التيار الواسع من الرأي العام، والفاعل في الحياة العامة، أن يقف وقفة مراجعة لتجاربه على امتداد ربع قرن، للدفع في هذا الاتجاه، مع وعي المجازفة الكبيرة التي ينطوي عليها تعميم هذه الملاحظات النقدية المقتصرة على المجال الديموقراطي، على امتداد العالم العربي.
لا يمكن اغفال الدور الكبير الذي أدّته المنظمات غير الحكومية في نشر الوعي، والتنبيه الى الحقوق في مجالات حقوق الانسان والحريات، وبالقدر ذاته، لا يمكن اغفال حقيقة انها نادراً ما مارست الديموقراطية، بما هي الانتخابات الحرة والمنافسة البرنامجية وتداول السلطة، في حياتها الداخلية.
بسبب تذريرها حقول الدعوى والفعل، وتكاثر هيئاتها، إذ تبلغ المئات من المنظمات العاملة في الحقل الواحد في البلد الواحد، ونتيجة غلبة المنافسة بينها على مصادر التمويل من المنظمات غير الحكومية الدولية (ومعظمها تحضر الحكومات الغربية فيها حضوراً وازناً )، أضعفتْ المنظماتُ غير الحكومية نفسها بنفسها، وشتتت جهود الناشطين فيها، وبددت فرصاً كثيرة للإنجاز الديموقراطي.
أثبتت الانتفاضات العكس تماماً من الفرضية التي قام عليها القسم الاكبر من العمل الاهلي، وهي أنّ تجزئة حقول الدعوى والفعل، وتغليب الجهد التربوي، وتكاثر المطالب، وطابعها «الحد ادنوي»، يجعلها اوفر حظاً من التحقيق. فقد فسّر العديد من ناشطي المجتمع المدني الذين انخرطوا في الانتفاضات الشعبية، مشاركتهم في التظاهرات والاعتصامات، بأنّهم اكتشفوا، بعد سنوات من الدعوى والضغط من اجل مطلب جزئية لحقل واحد من حقوق المجتمع المدني، أنّ الحظ الوحيد في تحقيق ذلك لن يكون إلا بتغيير النظام السائد بمجمله.

بطالة الشباب وفرص العمل

لعل «العجز» الأكبر في الرؤية المهيمنة، كامن في رؤيتها وبرامجها المتعلقة بالشباب. دأبت هيئات رسمية وخاصة، على الدراسة والتخطيط لتطوير الأنظمة التعليمية، وقد طغى عليها هَمّ استيلاد «الاسلام الرشيد ». هذا فيما كان الانتشار الأفقي للتعليم، المترافق مع التقليص المتزايد للقطاعات الانتاجية والترييع المتزايد للاقتصاديات العربية، يستولد اعلى معدلات بطالة للشباب في العالم. وفيما تكاثرت البرامج والندوات وورشات العمل والتدريب، لتكوين نخب من رجال الاعمال، المشبعين بالأنانية والنيوليبرالية، باسم «الريادة في الاقتصاد »، شحّت، حتى لا نقول انعدمت، الرؤى والتصورات لاقتصاديات توفر العمل والخبز والكفاءة والمستقبل.
إضطرت الانتفاضات العربية المسؤولين عن توجيه الاقتصاديات العالمية الى الاعتراف بأنّ تأمين فرص العمل كان غائباً عن برامجهم المتعلقة ببلدان الجنوب، والبلدان العربية خصوصاً. اعترف الرئيس السابق لـ «صندوق النقد الدولي» دومينيك ستروس-كان بأنّه لا بد من إدراج بند خاص، يتعلّق بإيجاد فرص عمل في برنامج مؤسسته. ولحق به زميله روبرت زوليك، رئيس البنك الدولي، ففصّل أكثر. تساءل زوليك عن جدوى ما سمّي «التعافي الاقتصادي » في تونس ومصر – البلدان المقدمان على انهما نموذجان ناجحان لتطبيق النيوليبرالية في بلدان الجنوب – طالما انّه لم يولّد فرص عمل جديدة. افادنا زوليك عن تونس بأنّ نسبة البطالة فيها تصل الى ٣٠٪ بين الشباب، فيما يتمتّع البلد بمعدلات نمو اقتصادي عالية بلغت ٤،٥٪ بين السنوات ٢٠٠٥ و٢٠١٠. وفي الفترة ذاتها، بلغت معدلات النمو الاقتصادي المصرية ٦٪، فيما بلغ عدد الفقراء ٤٠٪ من السكان، وبلغت البطالة عند الشباب ٢٦٪ ( الصحافة، ١٨ نيسان/ ابريل ٢٠١١). الغريب في الامر أنّ المسؤولين عن توجيه سياسات العالم الاقتصادية يتحدثان عن تقديم نمو الناتج المحلي بما هو المقياس الابرز للجدوى الاقتصادية، وكأنّه من وضع مؤسسات تنتمي الى المريخ، وليس من بنات افكار «الخبراء» في «صندوق» السيد ستروس ـ كان، وفي «بنك » السيد زوليك! والطريف في الامر انّ السيد زوليك ما لبث ان «صحّح» تصريحه السابق، فأعاد «تطعيمه» بحقنة من النيوليبرالية، فطلع علينا بنظرية تقول إنّ الشهيد محمد بوعزيزي انما هو ضحية «البيروقراطية»!

لصوصية لا مجرد «فساد»

كشفت الثروات الخيالية التي جمعتها أسر المجمع المافيوي ـ الريعي ـ الأمني العربي، عمق العلاقات بين السلطات الاستبدادية العربية، وبين مؤسسات الرأسمالية المتعولمة الدولية، وشركاتها المتعدية الجنسيات، والسلطات السياسية التي تمثلها. جُمعت تلك الثروات من خلال استغلال المواقع في السلطة لسرقة المال العام، والاستحواذ على الأراضي الاميرية، وتبييض الاموال، وجني الأرباح الطائلة من بيع مؤسسات القطاع العام او الاستيلاء عليها، وتنظيم الاحتكارات وحمايتها، وقبض العمولات، وفرض الخوات، ونيل الرشى المليارية على صفقات السلاح والعقود والمقاولات مع الشركات الاجنبية. يجري ذلك في ظل نظام اقتصادي عالمي، وظيفته الرئيسية فرض ديكتاتورية اسواق يجري في ظلّها شفط الثروات والمداخيل من اسفل الى اعلى، ومن الجنوب الى الشمال، ومن الافقر والمتوسط الى الاغنى، على عكس ادعاء تسرّبها من اعلى الى اسفل. هذا السحت هو ذروة الاستغلال الرأسمالي للشعوب. وهو الفساد الفعلي، وليس الفساد فقط فساد الموظف الصغير المرتشي الذي يراد معاقبته وتبرئة المفسِدين ممن يملك المال اللازم للإفساد.
والحكام الغربيون على علم بكلّ ذلك. تعرف الادارة الأميركية أنّ الصفقة الاخيرة لتزويد المملكة العربية السعودية بطائرات وسمتيات حربية اميركية بقيمة ٦٠ مليار دولار، غرضها تعزيز ميزان المدفوعات الاميركية، اكثر من تلبية ضرورات استراتيجية في وجه ايران. ويعرف الرئيس اوباما تماماً ـ وهو الذي قال بوجوب العمل على خلق فرص عمل للشباب العربي في خطابه يوم ٢٠ ايار ٢٠١١ ـ انّ المليارات السعودية الستين سوف تسهم في تأمين فرص عمل لأكثر من ١٢٠ الف من عمال الصناعة الحربية الأميركية، وتحرم في المقابل عشرات الألوف من الشباب السعودي من فرص عمل. وفي مجال ما يسمّى تأدباً «استغلال النفوذ»، تعرف الادارة الاميركية، وسائر حكام اوروبا واميركا، المعرفة الجيّدة، انّ ستة امراء سعوديين تعود إليهم عائدات مليون برميل من النفط يومياً من انتاج اجمالي يومي يبلغ ٨ ملايين برميل. ومن جهة ثانية، تعرف السلطات الفرنسية انّ سيف الاسلام القذافي يتقاضى حصة مباشرة من عائدات حقل النفط الليبي الذي تستثمره شركة «توتال» الفرنسية. والآن، يعرف الجميع انّ جمال مبارك كان يتقاضى لجيبه الخاص ٥٪ من عائدات شركات بيع الغاز المصري الى اسرائيل. بقي لمن يريد ان يعرف كيف يتمكن حكامنا من جمع عشرات المليارات من الدولارات خلال ولاياتهم، ان يعودوا إلى اعتراف مليك المغرب بأنّ ارباح شركاته المجمّعة للعام ٢٠١٠، بلغ ٢،٥ مليار دولار. هذا مع العلم انّ الدستور المغربي يمنع على السياسيين تعاطي التجارة. لكن المليك فوق الدستور وفوق السياسة، أليس كذلك؟

هذه اللصوصية هي الفساد الحقيقي في بلادنا.

لنحاوِل إحصاء كم دُفع من المال لإقامة المؤسسات والجمعيات والهيئات، وكم نُظمت مؤتمرات ومشاغل وندوات ودورات تدريب، تحت عنوان مكافحة الفساد والبتشير بـ «اخلاقيات الأعمال (البزنس)». ولنستمع ما شئنا الى العزف على مقامات الحوكمة، والحكم الرشيد، والمساءلة واخواتها، تنخر العقول منذ ربع قرن. ولنقارن بما فرضته الجماهير في الشارع في غضون اشهر معدودة. فلأول مرة منذ ١٩٥٢، يسقط رئيس عربي (بل اربعة رؤساء، والحبل على الجرار ) تحت ضغط انتفاضة شعبية. وعام ١٩٥٢ هو تاريخ استقالة رئيس الجمهورية اللبنانية، تحت ضغط اضراب شعبي سياسي عام. ولأول مرة في التاريخ العربي الحديث قاطبة، يحال حكام عرب واقاربهم ومعاونيهم في ثلاثة بلدان عربية على المحاكمة، بتهم قتل ابناء الشعب، وسوء استغلال السلطة، ونهب الموارد، وهدر الأموال العامة. على ان سوابق تونس ومصر العظيمة في مساءلة الحاكم ومحاكمته وانزال العقوبات به مهددة بالتبديد والارتداد عنها بعدما أعطت المبادرة الاميركية-الخليجية، رئيس اليمن المخلوع علي عبدالله صالح، براءة ذمة مالية وجنائية على ٣٣ سنة من النهب والفساد والقمع والحروب.
ومع ذلك، لا يريد مكافِحو الفساد من دعاة النيوليبرالية وخبراء الهيئات الدولية ان يروا الهدر إلا في تضخم جهاز الدولة، وفي دعم السلع الحيوية لافقر فئات المجتمع، وفي نفقات الموازنات على الخدمات الاجتماعية. وها هم يتحفظون على فتات الأموال الذي بدأت بعض الأنظمة العربية تنفقها، حفاظاً على رؤوس حكامها وكراسيهم، عن طريق الاستمرار في دعم المواد الغذائية الرئيسية والمحروقات، او عن طريق رشى رسمية موصوفة، من مثل رفع رواتب الموظفين وبناء المساكن الشعبية. في مقالة ذات عنوان معبّر ـ «رمي المال في الطرقات » ـ تحذّر «الايكونوميست» البريطانية (عدد ١٢ آذار ٢٠١١) من تلك الاجراءات، لانتمائها الى عهد مضى من تدخل الدولة في الاقتصاد، حسب تعبيرها. اما رمي ابناء معمر القذافي أموال الشعب الليبي لنجمات الغناء الانكليزيات والاميركيات بالمليون للحفلة الواحدة، فلا يقلق. ولا يقلق الاسبوعية الاقتصادية الرصينة، رمي الاموال داخل القصور، حيث المخصص الشهري لأفراد قبيلة آل سعود، الذين يزيد عددهم على ستة آلاف، يصل الى ٢٧٥ الف دولار، للأمير الواحد.

لكنّ اعلان سقوط منظومة فكرية، لا يكفي بذاته لإسقاطها. مثلما تتحدى الانتفاضات الانظمة السياسة ـ الاجتماعية السائدة، وتخلخلها وتسقط اركاناً منها، كذلك الأمر بالنسبة إلى الأنظمة الفكرية السائدة. ما حاولناه اعلاه مجرد وضع علامات استدلال للشروع في بلورة رؤية وأهداف ومسارات ووسائل نضال بديلة.

معادلات الديمقراطية الصعبة

اولا، السيادة الشعبية، بما هي مصدر السلطة. السلطة للمجالس المنتخبة وهذا يعني انبثاق السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية وخضوع الجهاز التنفيذي للجهاز التشريعي.

ثانيا، المدنية بشقّيها: ١) خضوع العسكري للمدني ٢) لا سلطة في التشريع فوق سلطة المجلس التشريعي المنتخب بالاقتراع العام. وهنا مصدر التمايز والخلاف بين مدنية ذات منحى علماني، بالفصل بين المؤسسات الدينية والدولة، واعلاء سلطة المجلس النيابي المنتخب على اي سلطة اخرى في شؤون التشريع، و« مدنية » يجري استيعابها على طريقة «مشروع النهضة» لحزب الحرية والعدالة المصري. هنا يجري اختراع «مجتمع مدني» متأسلم، تربوي واخلاقي، توكل اليه مهمة «دعم رسالة الاسرة وتوعية أفراد الاسرة بتحديات الواقع ومتطلبات المستقبل». ويضبط حرية الاعلام بحدود «القيم المصرية الاصيلة». اي اننا امام صيغة لـ «المجتمع المدني » مطهّرة من كل ما يتعلّق بالمواطنة القائمة على الانضواء الطوعي للافراد على حساب الانتمائات او الولاءات الاسروية والجهوية والمذهبية والاثنية.

ثالثا، المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين المكرّسة في الدستور. ولعل هذه بيت القصيد في الديمقراطية وهي تسير في الاتجاه المعاكس لليبرالية على الطريقة الاميركية التي تجمع بين البرلمانية والتعددية السياسية والصحفية وحقوق الانسان لكنها ليست تستدعي بالضرورة المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين.

لا تكفي صيغة المواطنة المتساوية. هذا يسير في الاتجاه المعاكس لاصوليتين:

١) الاصولية الاثنية او الدينية التي تعرّف شعوب المنطقة تعريفا حصريا بما هي جماعات، مذهبية، دينية جهوية، اقوامية، الخ. وتعريف حقوقهم على هذا النحو. مثال على ذلك هو حرص السيدة كلنتون بالنسبة لمصر على حقوق الاقباط والنساء. وهو الحرص الذي تلقفه الرئيس محمد مرسي وحزب الحرية والعدالة وافرغه من مضمونه بعد اعلان الرئيس المصري ان ما من احد يوصيه بالاقباط والنساء طالما انه ينوي تعيين امرأة وقبطي نائبين لرئيس الدولة الى ان استعيض عن ذلك بتعيينهما بصفة مستشار بعد ان اشير على الرئيس مرسي بأن تعيين نائب رئيس قبطي يعني ان قبطيا قد يصير رئيس مصر في حال وفاة الرئيس. ناهيك عن ان يصير الرئيس امرأة!! وكفي المؤمنين شر القتال في حقوق الاقباط والنساء.

اما المثال الآخر على الارتداد عن مبدأ المساواة السياسية والقانونية للمواطنين فهو سعي حركة النهضة التونسية لنسف ذلك المبدأ في الدستور التونسي بالعملون على استبدال مبدأ المساواة بين المرأة والرجل بمادة تتحدث عن المرأة بما هي شريكة الرجل في البيت والعائلة.

٢) الاصولية الديمقراطية: مواطنة متساوية. هنا لا بد ان تقدم الديمقراطية الجواب الصعب على معادلتها هي ذاتها: حكم الاكثرية وضمان حقوق الاقليات. لا تستوي المواطنة المتساوية دون التمييز الابجابي لازالة الحيف التاريخي بحق اقليات محرومة او لاجل تطمين اقليات جرى الحكم بإسمها يسودها القلق على مصيرها بعد سقوط من يدّعون الحكم بإسمها. المثال السلبي: معاقبة السنّة في العراق في ظل الاحتلال الاميركي وبعده بتحميلهم مسؤولية حكم صدام حسين.

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
العالم العربي
الكلمات المفتاحية
التاريخ الثورة الديمقراطية الربيع العربي النظرية السياسية

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.