يختتم هذا العام، وينصرم معه عقد الثمانينيات، على الأيام المائة في أوروبا الشرقية التي هزت العالم!
بولونيا ــ مطلع أكتوبر ١٩٨٩: الحكم يسقط بواسطة الانتخابات في يد حكومة تشكّلها حركة «تضامن» والمعارضة الكاثوليكية يضم وزيرين شيوعيين فقط.
المجر ــ ٢٣ أكتوبر: بمناسبة الذكرى الـ٣٢ لانتفاضة بودابست ١٩٥٦ التي سحقتها الدبابات السوفياتية، يجري الإعلان عن «الجمهورية المجرية» تتساوى فيها «قيم الديمقراطية البرجوازية مع قيم الاشتراكية الديمقراطية» وتحذف من دستورها الدور القيادي للحزب الشيوعي.
ألمانيا الديمقراطية ــ ٩ نوفمبر، ينهار جدار برلين تحت ضغط هجرة عشرات الألوف من المواطنين إلى الغرب. ويتدفق عبره الملايين، من الغربيين. السقوط المدوي لهذا الرمز الأبرز للحرب الباردة ولانشقاق العالم إلى معسكرين يطرح فوراً قضية الوحدة الألمانية.
تشيكوسلوفاكيا ــ ١٧ نوفمبر: أسبوع التظاهرات والإضرابات في براغ والمدن الرئيسية يفرض استقالة الأمين العام ورئيس الدولة غوستاف هوسياك. في ٢٧ نوفمبر، إضراب عام يشارك فيه الملايين يفرض مفاوضات بين الحكومة والمعارضة على عقد انتخابات حرة، وتشكيل حكومة ائتلافية فيها الشيوعيون الأغلبية وتعيين موعد لانتخابات رئاسية بالاقتراع الشعبي سوف يخوضها لترشح نجح في فاكلاف هافيل الكاتب المسرحي وإبرز وجوه «المنبر المدني».
في رومانيا، المجزرة التي ترتكبها المخابرات يومي ١٧ و ١٨ كانون الأول ــ ديسمبر الماضي في حق أهالي مدينة تيميشوار (لفظت مقابرها الجماعية حتى الآن أكثر من ٥٠٠٠ جثة) تطلق شرارة انتفاضة شعبية تطيح بنظام الدكتاتور تشاوشيسكو بعد أسبوع من المعارك الدموية الضارية سقط فيها عشرات الألوف من القتلى والجرحى.
البيرسترويكا وأنظمة «التطبيع»
إن ما يجري في أوروبا الشرقية يضيء البيرسترويكا السوفياتية بضوء جديد بما هي محاولة إصلاحية «من فوق»، (أو هكذا كان يبدو المعروف إليها) لدارك عاصفة شعبية تهدد بالإطاحة بالنظام بأسره «من تحت».
هذا يعني أن ما يجري في الاتحاد السوفياتي وما انعكس منه على أوروبا الشرقية سقوطاً لأنظمة أحدثها في الوقت ذاته هو سقوط لمؤسسات وفكر ونمط رجالاته. هو نظام يقوم على الجيش وعلى الهاجس التامري والحكم للعلم المخابراتي. تسيطر فيه على كل جنايا المجتمع يمعزل عن الأكثرية الشعبية وعن تقرير مصيرها، تتخصص في رقاب الشعب ببيروقراطية فاسدة وبعدم بسبب حساب العمل اليدوي.
في ظل هذا النموذج من «الاشتراكية»، صارت الماركسية عقيدة دولة أفرغت جدلياً منه من حدتها النقدية ووظيفتها المعرفية. وصنتها التي تقيم بين النظرية والممارسة، فتحولت إلى ديانة تبرير للسلطة وأداة تحليل، وحرف آدم عن النقد.
وقفة للدهشة وفحص الضمير والغضب
سقطت أنظمة لا تستحق إلا أن نهيل عليها التراب بلا رحمة. اللهم إلا أن نفسنا. هل كنا نعرف؟ ليس هذا هو السؤال المهم. إن الجهل هنا أو نقص المعرفة ليس عنراً بأي مفهم، ثم أن كنا لا ينطبق عليهم جميعاً هذا السؤال فقد الشاعر، «إن كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم». أما السؤال، فهو كيف أمكننا أن نخدع أنفسنا وان نخدع سوانا طوال تلك المدة.
كيف أمكننا أن نسميهم بأنظمة من الاستبداد في بلادنا ولا غير في أي مرافع عن كونها الصيغة الشرقية أوربا الشرقية؟ أنظمة تستنزف مواطنيها التجديل والتحريف والتعذيب ورقابة الإعلاميين وغيرها من تقنيات التجديل والتزوير والرقابة والقمع والتعذيب!
إن كاتب هذه السطور الذي وقف يدافع عن «الاشتراكية» في بولندا في وجه نقابة «تضامن»، ليتسائل الآن أي عمى سمح له في ألا يرى في الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة، تعارف «سلطة الطبقة العاملة». إن أكثرية عمال البلد، تعارف مع الأكثر من أدلة انتهاكها لكونها شبة معدمه لم تعطل إنما تحت إن أنظمة في بلادنا دون أن نعم شيء مهما كانت عبر الأقنلال ولا نتظلم وشيلي. والسؤال لا يتعلق بإلماضي أي بحاضرنا أيضاً.
الإرادوية: المرض الصبياني للاشتراكية
وهذا ما يسلمنا الدرس الأول من سقوط تلك الاشتراكية قيد التطبيق منذ ثورة أكتوبر ١٧. أما سقوطها اللاحق هي ما يسمى بالمرض الصبياني للاشتراكية. تصبح اللينينية، واللينينية بهذا المعنى هي الفكرة التي تقول بأولوية السياسة على الاقتصاد، أو بتعبير أدق، الدور القيادي للبناء الفوقي (السياسي، القانوني، الأيديولوجي) في تطوير قوى الإنتاج. هذا هو معنى معادلة لينين المشهورة: روسيا المتقدمة سياسياً والمتأخرة اقتصادياً.
بنى البلاشفة سلطة سياسية متقدمة ــ يفترض فيها أن تمثل تجاوزاً للرأسمالية ــ على قاعدة اقتصاد متخلف، يواجهه تحدي تحقيق المهمات التاريخية التي حققتها الرأسمالية. فكان لا بد لتلك للسلطة أن ينمو تقوم الانتقام، وإلى قاعدة الأيديولوجية المتقدم. وكانت الستالينية تلك الاستعارة التسميتية.
إن سقوط الإرادوية، هو الدرس الكبير من تجربة بناء الاشتراكية. فإذا كانت الإرادوية مطروحة كاشكالية في فكر لينين وممارسته في السلطة، فإنها تصبح القاعدة عند خلفائه. ومتضخم بالدور القسري والتعليمي الذي يمارسه حزب قائد في المجتمع، يريد تضامنه باسم «شرعية» الأيديولوجيا وعصمتها.
وليس تخترق تلك الإرادوية «التجارب» الاشتراكية، من أولها إلى آخرها. سوف نلقاها في منظقات وممارسات الثورة الثقافية الصينية كما في خسارات بول بوت باسم شعار «العودة إلى الأرياف» (والمجازر التي رافقتها) وفي مشروع التجميع القسري لليمنيين في رومانيا، أو في مشروع «تطهير المجتمع» السوري لإعادته إلى «أصالته البيتية»، والعمليات الجراحية الديمقراطية في جسم المجتمع العراقي. حتى لا نتحدث عن الإرادوية اليمنية بناء الاشتراكية على قاعدة اقتصاد خدماتي سابق، ووزراعة الحدود، في مجتمع يكاد يندمر فيه الإنتاج!
إن التحرر من الإرادوية هو أول الطريق لإعادة منطق التطور والتاريخ إلى نصابه. حتى لا تطيح عملية سقوط واسقاط «اشتراكية» لم تكن ولا تاريخ ذلك بالقيمة حاسمة. فهم منطق تطور التاريخ من أجل تحقيق انتصار الحرية بالعدالة.
— فواز طرابلسي
[ملاحظة المؤرشف: مقتبس بتنقيح أولي من صورة ضوئية. الأصل في مجلة «زوايا»، العددان ٢/٣، أيلول ١٩٨٩ ــ كانون الثاني ١٩٩٠، ص. ٣ ـ ٥.]
