العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

مئوية سايكس بيكو - نقاط على حروف الخرائط والتاريخ

تفكك المقالة أسطرة سايكس-بيكو، لتبين أنها مسار استعماري طويل ارتبط بوعد بلفور لانتزاع فلسطين، وأعاد تشكيل المنطقة بناءً على مصالح القوى الكبرى وحرمان الأغلبية من حق تقرير المصير.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

بدايات ١٤/الافتتاحية

مئوية سايكس بيكو

نقاط على حروف الخرائط والتاريخ

فواز طرابلسي

لا مجازفة في القول بأن «سايكس بيكو» كانت المفردة الاكثر استخداما في المنطقة وعن المنطقة خلال السنوات الاخيرة، والموضوع الذي اثار اكبر مقدار من المقالات والتعليقات والنبذات الالكترونية، خصوصا بعد ظهور داعش عبر الحدود العراقية-السورية. جرت معظم ردود الافعال على النمط اياه من الاسطرة الذي اكتسبته تلك اللحظة التأسيسية والمأسوية في تاريخ العرب الحديث: بناء الاحداث والتطورات على مجهول يفعل فينا تجزئة وسيطرة؛ توقعات استراتيجية عن اشكال مختلفة من اعادة رسم خريطة العام ١٩١٦ اياها؛ والبداهة في بيان «مشاريع» لا تني تتكرر، مع تغييرات في الاسماء، (آخرها مشروع الشرق الاوسط الجديد)، الخ. ولما كانت الاساطير لا تعرف التناقض، فنحن امام سايكس-بيكو جديد سوف يتولى تجزئة المجزأ، ونحن في الوقت ذاته امام مؤامرة سايكس-بيكو المستمرة، وأمام سايكس-بيكو العائد، بعد ان كنا امام نهاية سايكس-بيكو التي يبشّر بها محللون استراتيجيون عندنا وفي الخارج.

ترمي هذه المقالة الى القاء نظرة نقدية تنقيحية الى الحدث، بما هو مسار تاريخي، في اطاره من النزاع البريطاني-الفرنسي خلال وبعيد الحرب العالمية الاولى لوراثة السلطنة العثمانية، نظرة تعيد الاعتبار للمصالح الاقتصادية والستراتيجية الاستعمارية، وتقيم الصلة بين اتقاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور، التي أحدثت تعديلات جذرية في الاتفاقية ذاتها، وتختم بتسجيل ملاحظات على الثنائيات الاثيرة في خطاب «سايكس-بيكو»: الوحدة/التجزئة، الطبيعي/الاصطناعي، الدولة القومية/الحكم الاقلي.

سايكس بيكو: الوثيقة والخريطة

منذ مطلع الحرب العالمية الاولي، تداولت حكومتا بريطانيا وفرنسا مشاريع تدخل عسكري ضد السلطنة العثمانية في عقر دارها بتركيا كما في ولاياتها الاوروبية والعربية. تناول البحث دعم انتفاضات يشنّها مسيحيون في جيل لبنان، وعلويون في جبال النصيرية، او يقودها احد احفاد الاميرعبد القادر الجزائري. كان الاقتراح الاثير عند الفرنسيين انزال عسكري لقوات «الائتلاف» في الاسكندرون. عارضته بريطانيا لانه سوف يضعف الجبهة الرئيسة لعملايت قوات «الإئتلاف» عند مضائق البوسفور حيث تدور رحى معارك طحنت عشرات الالوف من جنود «الإئتلاف» وسوف تختتم بهزيمة قواه في معركة غاليبولي امام الجيش التركي بقيادة الضابط مصطفى كمال الذي سوف يعرف لاحقا بإسم «كمال اتاتورك». وكان ابرز المسؤولين الفرنسيين المحليين عن مشاريع الانتفاضات جورج بيكو، قنصل فرنسا في بيروت، الذي ادى اهماله اتلاف وثائق سرّية حين غادر المدينة الى اكتشافها من قبل الاجهزة التركية وتسليم عدد من الوطنيين اللبنانيين والسوريين الى مشانق جمال باشا خلال عامي ١٩١٥- ١٩١٦.

على الصعيد السياسي والدبلوماسي، كان الغرض الاول للدولتين انتزاع اعتراف عصبة الامم بوراثة السلطنة العثمانية في السيطرة على شعوب المنطقة عن طريق التحايل على مبدأ تقرير المصير الذي كان مبرر وجود المؤسسة الدولية المنذورة لتحقيق «سلام ما بعده سلام». والحجة الاثيرة التي استنبطتها باريس ولندن هي حماية الاقليات الدينية. شدّد الفرنسيون منذ البداية على حماية المسيحيين والدروز والعلويين والشيعة. كان جورج بيكو ينفي وجود قومية عربية او وحدة عربية داعيا الى صبط الفوضى العاصفة بالمنطقة عن طريق «توحيد القبائل حول الرافعة الدينية» (Vincent Cloarec, La France et la question de Syrie, 1914-1918, 1998, p. 143-4). اذا كان الانكليز غلّبوا باديء الامر التعريف الاثني-القومي لسكان المنطقة بما هم عرب، فلم يتطلب الامر وقتا طويلا قبل ان يخرجوا ملف حمايتهم يهود السلطنة الذي فرضه رئيس الوزراء بالمرستون كأمر واقع على السلطان العثماني العام ١٨٤١.

بعد سنة من تبادل الرسائل بين مسؤولين في خارجية البلدين، كلّفت الحكومة البريطانية مسؤولا جديدا للتفاوض المباشر مع الطرف الفرنسي. كان نظير جورج بيكو الفرنسي هو السير آرثر سايكس، النائب المحافظ في مجلس العموم، والعائد من مهمة استطلاع عن المصالح البريطانية في مصر والعراق حيث تقدّم بمشروع طموح لربط بغداد بساحل المتوسط عن طريق خط سكة حديد الى حيفا، او يعبر الصحراء السورية مباشرة الى قناة السويس. وسايكس، الكاثوليكي المؤمن، من اوائل الداعين الى انشاء منطقة يهودية في فلسطين، يرى الى احتلال بريطانيا للقدس انتقاما من الحروب الصليبية. وقد استخلص من المجازر التركية ضد الارمن انه لا يؤتمن للاتراك بالنسبة للاقليات.

الخط الذي رسمه آرثر سايكس وجورج بيكو بجرّة قلم على خريطة المنطقة من عكا على ساحل المتوسط الى كركوك شمال ما بين النهرين، قسّم الالويات العربية من السلطنة العثمانية بين منطقة نفوذ بريطانية جنوبية حمراء ومنطقة نفوذ فرنسية شمالية زرقاء.

وأكدت وثيقة الاتفاقية التي عرفت لاحقاً بإسم الدبلوماسيين «استعداد الدولتين الاعتراف بدولة عربية مستقلة او بكونفيدرالية حكومات عربية في المنطقتين (أ) و(ب) في ظل سيادة قائد عربي» على ان تتمتع فرنسا وبريطانيا في كل منه المنطقتين بافضليات في العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستمثار وتقديم المستشارين والموظفين الاجانب للدولة العربية او لكونفيدرالية الدول العربية.

من جهة ثانية، منحت الاتفاقيةُ فرنسا في المنطقة الزرقاء التي ترقى من شمال عكا على طول الساحل السوري لتشمل لوائَي الاسكندرون وكلكيليا، وبريطانيا في المنطقة الحمراء التي تمتد من جنوب كركوك الى الخليج بمحاذاة ايران وشط العرب، الحق في انشاء ادارة مباشرة او غير مباشرة او حكم مباشر او غير مباشر بالاتفاق مع الدولة العربية او كونفيدرالية الدول العربية. اقتصاديا اتفق الطرفان البريطاني والفرنسي على تبادل التسهيلات والتخفيضات الجمركية في المرافيء التابعة لكل منهما، وعلى حق بريطانيا في بناء خط سكة حديد بين بغداد وحيفا.

لم تحسم الاتفاقية النزاع الدائر على حدود سورية شمالا وجنوبا وساحلا، وخصوصاً على مصير الاراضي الفلسطينية حول القدس التي كانت فرنسا تعتبر المنطقة بأسرها «سورية الجنوبية»، فإتفق الطرفان مؤقتاً على تلوين تلك البقعة من الخريطة باللون البُنّي ووضعها حت إدارة دولية. وظل الطرف الفرنسي متحفظا على التدويل.

الشريك الثالث

وقّّع بيكو وسايكس الاتفاقية في ٩ مايو ١٩١٦ ولكن بعد ان زارا سان بطرسبرغ لابلاغ الخارجية القيصرية بالاتفاق وتثبيت دور روسيا فيه على اعتبار انها سوف تقتطع المضائق على الضفتين الاوروبية والآسيوية لتركيا وبحر مرمرة ومنطقة اسطنبول. طالب الطرف الروسي الحضور في ادارة شؤون القدس، فإشترط بيكو الاعتراف الروسي المسبق بحق فرنسا في فلسطين. وانتهى الامر بتسوية يقرّ فيها الطرف فرنسي باقتطاع الاراضي التركية لروسيا مقابل تعهد روسي بالموافقة على مطالبة فرنسا بالقدس اذا تمت الموافقة البريطانية عليها.

وهي مناسبة للتذكير بأن مشاريع التقاسم الانكلو-فرنسي للمنطقة شملت كامل تركيا وبلاد البلقان. وقد كان الحلفاء يوزعون الاراضي جنوبا شمالا بقصد استجلاب الدول للمشاركة بالحرب او تعويضها على دورها فيها.

المصالح الاقتصادية: «المنهبة الكبرى»

«المنهبة الكبرى»- ذلك هو الإسم الذي اطلقه المسؤولون البريطانيون والفرنسيون على للولايات العربية من السلطنة العثمانية خلال الحرب العالمية الاولى. ولما كان الشاغل الغالب باتفاقية سايكس بيكو يكاد ان يختزل بثنائي وحدة/تجزئة، فغالباً ما تجري التعمية على حقيقة ان السيطرة على المنطقة وتقاسمها إنطوى على عملية نهب واستغلال استعمارية متكاملة لعبت المصالح الاقتصادية والستراتيجية دورا حاسما فيها.

في رأس الاغراض الاقتصادية السيطرة على تجارة المنطقة. كانت اوروبا لا تزال تحتاج الى المشرق العربي كمورد للمواد الخام والمنتجات الزراعية والحبوب. في المقابل كان المطلوب ان تبقى أسواق المنطقة مفتوحة امام السلع الاوروبية من اقمشة ومنسوجات ومحروقات ومعادن والآت ومنتجات صناعية ، تتولى حركة المبادلات شركات نقل وتأمين بَحرية فرنسية وبريطانية.

تركزت مصالح بريطانيا في قطاع النفط المكتشف حديثا في ايران والموصل وفتح اسواق المنطقة أمام منتجاتها الصناعية، وهي المصدّر الاول للمنطقة، وتنمية استثماراتها، وتأمين وصل العراق ومصر وساحل المتوسط بخط سكة حديد حسب توصيات سايكس. وكان ابرز المصالح البريطانية الاقتصادية-الستراتيحية هي طبعاً قناة السويس المسيطرة التي سوف يلعب النزاع عليها دورا حيوياً في تلك الفترة.

ومثلما ارسلت بريطانيا آرثر سايكس لاستطلاع الموارد القابلة للاستثماروالاستغلال في العراق ومصر، كذلك اوفدت غرفة تجارة مارسيليا بعثة علمية في مايو- سبتمبر ١٩١٩ برئاسة بول هوفلان (١٨٧٣-١٩٢٤) استاذ تاريخ القانون في جامعة ليون. اصدرت البعثة تقريرا ذا عنوان معبّر جداً – «ما قيمة سورية؟» – الذي أبان الفوائد والارباح المقدّر ان تجنيها فرنسا من السيطرة على الموارد والمعادن ومصادر المياه والمنتجات الزراعية (قطن الجزيرة السورية وحرير جبل لبنان، مثلا) وحماية وتوسيع الاستثمارات الفرنسية في معامل حلّ الحرير ومرفأ بيروت وطريق العربات بين بيروت ودمشق وسكة حديد دمشق حماه ومتفرعاتها. واوصت البعثة بتنمية دور فرنسا التعليمي لانتاج موظفين قادرين على خدمة تلك المصالح. وقبل ان يغادر الجنرال غورو لاحتلال سورية ولبنان، أقامت غرفتا تجارة ليون ومارسيليا حفل عشاء على شرفه، حيث رفع خلاله كأسه ليعلن: «ايها السادة، ان الصفقة سوف تكون مُربِحة!»

سايكس-بيكو ووعد بلفور

يجري التعاطي غالبا مع اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور بشيء من الانفصال والتوازي او توزيع العمل بين الحدثين: «الاتفاقية» للتجزئة والسيطرة و«الوعد» للمسؤولية البريطانية عن قيام دولة اسرائيل. وهي نظرة الى وعد بلفور تكتب تاريخ الحدث من نهايته وترسم خطاً بيانيا حتمياً بين الوعد وتحقيقه.

الاطروحة التي نود الدفاع عنها هنا هي الدور الاساسي لوعد بلفور في انتزاع فلسطين من المطالبة الفرنسية بها على اعتبارها «سورية الجنوبية»، وانتزاع حق الانتداب عليها بعد نزع شرعية الحكم العربي والشعبي عنها، واستخدام الاستيطان اليهودي ضد الاكثرية العربية فيها على طريقة الاستراتيجيات الاستعمارية الاستيطانية المعهودة في سائر المستعمرات البريطانية. وليس من دليل ابلغ على هذا الدور لوعد بلفور من رد فعل جورج بيكو عندما أبلغه سايكس في ١٣ اذار ١٩١٥ عن نيّة بريطانيا «تقديم فلسطين لليهود»، فكان ردّ بيكو «لن توافق فرنسا ابداً ان تصير فلسطين بريطانية» (Cloarec, 153)

بعبارة اخرى، لم يكن الغرض من رسالة اللورد بلفور الى اللورد روثتشايلد، في الثاني من نوفمير ١٩١٦، إزاحة فرنسا عن المطالبة بفلسطين لمنح اليهود «وطنهم القومي». كان المطلوب منح اليهود وعداً بوطن قومي من اجل إزاحة فرنسا عن فلسطين ونيل بريطانيا الانتداب عليها.

وكانت المصلحة الامبراطورية البريطانية للسيطرة على فلسطين حاسمة الحيوية والوضوح: السيطرة على الضفة الشمالية من قناة السويس، وتحويل فلسطين الى منطقة عازلة بين منطقة النفوذ الفرنسي في سوريا وقناة السويس وقد تزايدت تلك الضرورة جراء الكلفة الضخمة التي تكبدتها بريطانيا لصد هجوم جمال باشا، قائد الجيش الرابع العثماني على القناة. وقد اقتضى الامر نحو سنتين قبل ان تتمكن القوات الحليفة، بقيادة الجنرال أللمبي، من دفع القوات المهاجمة التراجع من كامل سيناء في نهاية العام ١٩١٦.

وما لا يذكر إلا فيما ندر ان مهندس وعد بلفور إن هو إلا آرثر سايكس ذاته، الذي حاول استصدار اول تصريح حكومي بريطاني لصالح وطن قومي يهودي في فلسطين في العام ١٩١٥. وهي المحاولة التي تحدث عنها سايكس لبيكو أعلاه. لقي الاقتراح معارضة الوزراء اليهود ووجهاء الجالية اليهودية معاً. وقد اقتضى الامر انتظار اواخر ١٩١٦ ومجيء لويد جورج الى رئاسة الحكومة وآرثر بلفور الى وزارة الخارجية، ليعاود سايكس الكرة، وقد رقّي الى مساعد سكرتير «حكومة الحرب» المسؤول عن شؤون الشرق الاوسط. حينها إنعقد توافق داخل الحكومة على ان وظيفة الاستيطان الصهيوني سوف تمهّد لاستعمار فلسطين وتوفير قاعدة سكانية له.

من اجل تثبيت الحق البريطاني في استعمار فلسطين، اقتضى الامر ان تنصّ الرسالة اولاً بأول، على حرمان عرب فلسطين من صفة الشعب وبالتالي من الحق في تقرير المصير اي في اقامة دولة مستقلة خاصة بهم. تم نزع صفة الشعب عن عرب فلسطين وحرمانهم الحق في تقرير المصير بالاستبدال. مُنِح اليهود، وعددهم في فلسطين لا يتجاوز الستين الفا، صفة الشعب، والحق في اقامة دولة قومية لهم (دولة-امة) مفتوحة امام كل من يرغب من يهود العالم في الهجرة الى فلسطين. وحرم، في الآن ذاته، اكثر من ٧٠٠ الف عربي (أكثر من ٩٠٪ من السكان) من الحق في تقرير المصير وبناء الدولة القومية.

ولتأكيد ذلك، كان لا بد من تعريف هوية سكان فلسطين التعريف الديني-الاثني بين يهود و«غير يهود». فإذا التعهد بعدم إساءة إنشاء «الوطن القومي اليهودي» الى الحقوق «المدنية والدينية» للجماعات غير اليهودية، يزيد الطين بلّة لانه يكرّس حرمان عرب فلسطين من كامل حقوقهم السياسية في بناء دولة والاستقلال وتقرير مصير وإدارة شوونهم بانفسهم بل وحتى حقهم في التمثيل السياسي والمشاركة السياسية. من هنا فإن عدم ذكر «دولة يهودية» بدل «الوطن القومي اليهودي» في رسالة اللورد بلفور لم يكن من قبيل التورية، قدر ما كان للتأكيد بأن فلسطين سوف تكون «بريطانية»، تماماً كما فهم جورج بيكو باكراً.

تأكيدا على ان الغرض الاول لرسالة بلفور كما لاتفاقية سايكس بيكو، كان حرمان العرب، بمن فيهم الفلسطينيين، من حق تقرير المصير، رفضت بريطانيا وفرنسا المشاركة في بعثة كينع كراين التي دعا الرئيس ولسن فرنسا وبريطانيا للانضمام اليها من اجل استطلاع رغبات سكان الولايات العربية السابقة. كتب بلفور في مذكرة سرية الى الحكومة البريطانية العام ١٩١٩: «هل نعني، في حالة سورية، استطلاع رغبات السكان بدرجة رئيسية؟ اننا لسنا نعني شيئا من هذا القبيل… وهكذا فكائناً ما هي رغبات السكان، فسوف يحصلون على فرنسا [قوة منتدبة عليهم] بالتأكيد. … وسوف يكون التناقض بين الميثاق [ميثاق عصبة الامم] وسياسة الحلفاء فاقعاً في حال [الحديث عن] «أمّة فلسطين المستقلة»…ذلك اننا لسنا نقترح في فلسطين إستشارة رغبات سكان البلد الحاليين ولو من حيث الشكل.» J M N, Jeffries;Analysis of the Balfour Declaration’, in Khalidi, Walid, (ed.) From Haven to Conquest، Institute for Palestine Studies, Beirut 1971, pp. 173-4

الظرفي والستراتيجي

كثيرة هي الاعتبارات الظرفية التي إعتمدت لاحقاً td تفسير دوافع الحكومة البريطانية في تقديم وعد لليهود بوطن قومي في فلسطين. ثمة عربون وفاء لاثرياء اليهود الذين موّلوا المجهود الحربي البريطاني او مكافأة حاييم وايزمان على اختراعه مادة الآسيتون اللازمة لفتائل المتفجّرات . وثمة تفسيران متناقضان لدوافع الساسة البريطانيين، واحد هو عداؤهم لليهود (لا سامية) وآخر دافع بروتسطانتي توراتي متعاطف مع مطلب العودة الى ارض الميعاد.ومن ضمن الاعتبارات المتعلقة بسير معارك الحرب ذاتها، تُذكر الحاجة الى تشجيع الرئيس ولسن على دخول الحرب الى جانب الحلفاء باسترضاء ابرز مستشاريه من اليهود الصهيونيين براندايس وفرانكورتر، او الحاجة المماثلة لاقناع روسيا الجمهورية بقيادة كرنسكي بالبقاء في الحرب، بالتأثير على اليهود في قيادة الثورة الروسية.ومن اواخر الحجج تلك التي تتحدث عن استباق بريطانيا لالمانيا في كسب تأييد اليهود الاوروبيين بناء على معلومات نقلها وايزمان بواسطة سايكس بأن الحكومة الالمانية تنوي اصدار تعهد بدعم وطن قومي لليهود في فلسطين مقابل لعب وجهاء اليهود الالمان دور الوسيط مع قوى «الإئتلاف» من أجل انهاء الحرب.(Scott Anderson, Lawrence in Arabia: War, Deceit, Imperial Folly and the Making of the Middle East, 2013, pp. 348-9.)

على ان هذه الاعتبارات الظرفية، على اهمتيها، تنضوي في اطار المصلحة الابرز لبريطانيا في تأمين قناة السويس بالسيطرة على ضفتيها. وقد توسلت بريطانيا لإزاحة فرنسا عن فلسطين وانتزاع الانتداب عليها المنطق اياه الذي شرعنت به فرنسا حججها لاستعمار سائر الولايات العربية: منطق حماية الاقليات.

سايكس بيكو الثانية: التعديلات

بإطلالة العام ١٩١٧ كانت التصريحات بريطانية قد بدأت تتنصّل من سايكس بيكو. وصف سايكس الاتفاقية بأنها مجرد مشروع وضعه جورج بيكو لا يمكن للحكومة البريطانية قبوله دون تعديلات عميقة. وصرّح لويد جورج بأن بريطانيا اقدر على حماية الاراضي المقدسة من اي كان وجزم، ربما لاول مرة، بأن موضوع فلسطين الفرنسية «ليس وارداً أصلا» ( بيتر مانسفيلد، تاريخ الشرق الاوسط،، ١٨٤)

كان لويد يتحدث من موقع الشريك الاستعماري الاقوى. فبريطانيا هي التي قادت عمليا قوى «الائتلاف» خلال الحرب الكونية وقدمت العدد الاكبر من القتلى. وهي التي هزمت حملة جمال باشا لاحتلال قناة السويس، اضافة الى ان قواتها باتت تحتّل القدس بقيادة الجنرال اللنبي في ديسمبر ١٩١٧ الذي فرض الحكم العسكري على فلسطين ضد ارادة جورج بيكو المطالب بإدارة مدنية مشتركة، ولم يترك للفرنسيين غير المشاركة في إدارة الاماكن المقدسة في القدس. وفي فبراير ١٩١٨ رضخت فرنسا للامر الواقع وأيدت وعد بلفور بعد ان كانت القوات البريطانية قد سيطرت عمليا على كامل فلسطين. وفي الاول من اكتوبر ١٩١٨، دخلت قوات بريطانية ومعها وحدات من «الجيش العربي» دمشق، فتولّى اللمبي، بصفته الحاكم العسكري لسورية وفلسطين، إبلاغ الامير فيصل بأن سورية «له» ولكن دون فلسطين ولبنان. ولما إعترض الامير على منحه مملكة لا منفد لها على البحر، ذكّره اللمبي بأنه تحت أمرته عسكرياً وعليه ان ينفذّ الاوامر العسكرية.

بناء عليه، أمكن للويد جورج وكليمنصو ان ينتزع من كليمنصو آخر مغانم الحرب في المنطقة في حوار شديد الدلالة جرى في السفارة الفرنسية بلندن عشية مؤتمر السلام في يناير ١٩١٩:

كليمنصو:حسناَ، ما الذي سوف نناقشه؟

لويد جورج: بلاد ما بين النهرين وفلسطين.

قل لي ماذا تريد؟

أريد الموصل.

سوف تكون لك … اي شيء آخر؟

نعم. أريد القدس ايضا.

سوف تكون لك، قال كليمنصو مجددا.

(جايمس بار، خط في الرمال، بالانكليزية، ص ٧١-٧٢)

المقصود بالقدس طبعاً كل الاراضي الفلسطينية الواقعة بين حيفا وجنوب غزة ١٩١٨. وكان الجيش البريطاني قد إحتل بغداد نهاية العام ١٩١٧ ودخل كركوك والموصل بعد استسلام الجيش التركي السادس في صيف ١٩١٨. وفرضت بريطانيا ضم الموصل الى المنطقة الحمراء بعد اكتشاف النفط فيها بواسطة شركة النفط الانكلو-فارسية وسوف تتلقى فرنسا مقابل التخلي عن الولاية حصة في «شركة نفط العراق».

تقسيم سورية

هكذا أعادت اتفاقية سايكس-بيكو المعدلة رسم حدود «سورية التاريخية»، بعد ان انتزعت منها كيليكيا والموصل شمالا وفلسطين جنوبا.

أخلى البريطانيون المنطقة (أ) عسكريا وتركوا الفرنسيين يتفاوضون والامير فيصل حول سورية. اقترح كليمنصو مملكة عربية تحت الانتداب الفرنسي عاصمتها دمشق تكون حلب مركز إقامة المفوض السامي الفرنسي وكان فيصل ميّالا لقبول الاقتراح لكن العروبيين المحيطين به رفضوا مصرّين على الاستقلال التام. سقطت حكومة كليمنصو وحلّت محلها حكومة يمين استعماري قررت احتلال سورية. فكان انذار غورو الشهير وتقدم قواته لاحتلال دمشق قبل انتظار ردّ الحكومة العربية، وبعد مبارزة يائسة في ميسلون بين مشاة وخيالة وطيران ودبابات وكانت نهاية مملكة فيصل العربية في يونيو ١٩٢٠.

تفاوتت اقتراحات القيادة الفرنسية حول تقسيم سورية. دعا جورج بيكو الى انشاء عشر كيانات لكسر وتشتيت قوى المعارضة السورية. لكن غورو كان واثقاِ «بإمكان السيطرة على سورية بتقسيمها الى اربع او خمس كيانات» على حد قوله ( انظر: فواز طرابلسي «تاريخ لبنان الحديث. من الامارة الى اتفاق الطائف »، ٢٠١٠). وهكذا صار. فُصِل «لبنان الكبير» عشية الاول من ايلول ١٩٢٠ ومعه القسم الاكبر من الساحل عن سائر أجزاء سورية، وأنشِأت الكونفدرالية السورية من الدولة العلوية في الشمال الغربي والدولة الدرزية في الجنوب وبينهما دولتا دمشق وحلب. مع اقرار الدستور السوري عام ١٩٢٦ وحّدت سلطات الاحتلال دولتي حلب ودمشق. ثم ضمّتْ اليهما دولة العلويين والدولة الدرزية خلال مفاوضات الاستقلال العام ١٩٣٦ لتنشأ الجمهورية السورية اخيرا. ولم تتكرّس الحدود بين لبنان وسورية الا في مفاوضات استقلال البلدين العام ١٩٣٦. وفي تعديل أخير على ما تبقى من «سورية التاريخية»، تخلى الانتداب الفرنسي عن الاسكندرون ومدينة انطاكية لتركيا أتاتورك لتأمين حيادها في الحرب العالمية الثانية.

تحجيم الوطن القومي اليهودي

ما ان أمّنت بريطانيا فلسطين ضمن ممتلكاتها حتى أجرت تعديلين على خريطة فلسطين وبالتالي على خريطة «الوطن القومي اليهودي» كما وضعتها المنظمة الصهيونية وضُمّت الى صك الانتداب البريطاني على فلسطين في عصبة الامم.تضع الخريطة الصهيونية الحدود الشمالية للوطن القومي اليهودي جنوبي نهر الليطاني إذ ينعطف بين صيدا وصور ليصبّ في البحر الابيض المتوسط. ثم ينعطف خط الحدود جنوبي دمشق ليشمل الجولان قبل ان يعود ليسير في موازاة خط سكة حديد الحجاز على الضفة الشرقية من نهر الاردن وصولا الى العقبة ومنها يصعد في خط مستقيم الى جنوب رفح على المتوسط.

حصل التعديل الاول خلال المفاوضات الطويلة التي أجرتها لجنة نيوكومب-پوليه لترسيم الحدود بين منطقتي الانتداب الفرنسية والبريطانية خلال الاعوام ١٩٢٠-١٩٢٣. دار النزاع بين الحكومتين مدار السيطرة على الموارد المائية بالدرجة الاولى. رفضت الحكومة الفرنسية اسئثار بريطانيا بنهر الاردن وبموارده. فرُسِمت الحدود انطلاقا من الناقورة شمال عكا، بحيث بقيت منابع نهر الاردن وروافده في منطقة الانتداب الفرنسي بما فيها هضبة الجولان، في مقابل استئثار بريطانيا بنهر الاردن ومجراه وببحيرتي الحُولة وطبريا.

ادى التعديل الثاني تقليص حدود فلسطين الى الاراضي الواقعة غربي نهر الاردن. فحُذفتْ من خريطة «الوطن القومي اليهودي» أراضي عرضها حوالي ٣٠ كيلومترا على طول الضفة الشرقية لنهر الاردن وصولا الى البحر الميت حيث ترقى الحدود في خط مستقيم الى ميناء العقبة. هكذا نشأت إمارة شرق الاردن العام١٩٢١ تحت الحماية البريطانية وإعترفت بها عصبة الامم في العام ذاته. وقد عارضت المنظمة الصهيونية هذا التعديل وظلت تطالب بشرق الاردن على اعتباره جزءا من «فلسطين التاريخية». وعندما أسس زئيف جابوتنسكي، الاب التاريخي لليمين الصهيوني، «حزب الاصلاح» العام ١٩٢٧ دعا الى استعادة تلك الاراضي لفلسطين الانتدابية والسماح بالاستيطان اليهودي شرقي النهر.

بعثة كينغ كراين

لم يطبّق الرئيس ولسن مبدأه في تقرير المصير على الولايات العربية الخارجة من تحت السيطرة العثمانية. ورد في النقطة ١٢ من نقاطه الـ١٤ الشهيرة دعم الولايات المتحدة لتركيا كـ«دولة ذات سيادة» اما باقي «القوميات» فنصيبها صيغة مبهمة عن ضرورة «ضمان أمن الحياة فيها بالتأكيد، و[منحها] فرصة مطلقة لنمو الحكم الذاتي دون اي تدخل».

اظهرت نتائج الاستطلاعات والاستفتاءات التي اجرتها لجنة كينغ-كراين على نحو حاسم ان سكان المنطقة يرفضون وعد بلفور رفضا قاطعا ويرغبون في العيش في مملكة عربية واحدة مستقلة وانهم عند تخييرهم بين الدول المنتدبة عليهم، رجّحوا امريكا على حساب بريطانيا وفرنسا. ومع ذلك، كان الفارق كبيرا بين ما اكتشفته اللجنة وما أوصت به. بديلًا من الاستقلال والوحدة، إقترحت تقسيماً آخر للمنطقة تحت انتدابات انكلو-اميركية. إقترحت اللجنة تدويل منطقة اسطنبول الاوروبية والآسيوية حول المضائق وانتدابا اميركيا على الجسم الرئيسي لتركيا، حظيت إزمير فيه بموقع «منطقة شبه حكم ذاتي»؛ أرمينيا: إنتداب اميركي؛ كردستان: إنتداب اميركي او تبقى داخل العراق في ظل إنتداب اميركي او بريطاني؛ سورية بما فيها «لبنان» كـ«منطقة شبه حكم ذاتي» وفلسطين وصولا الى حدود صحراء سيناء: انتداب اميركي او بريطاني ايضا وايضا.

المقاومة

يتبيّن مما عرضناه اعلاه ان ما يسمّى اتفاقية سايكس-بيكو هو مسار إستغرق اكثر من عقدين من الزمن على صياغته وتنفيذه وقد تعرّض لكم لا يحصى من المراجعات والتعديلات ومن ابرز محطاته مؤتمرا باريس وسان ريمو والعام ١٩٢٦ وتكريس الانتدابات في عصبة الامم، وإقرار الدساتير، الى صولا الى العام ١٩٣٦واتفاقيات استقلال سورية ولبنان التي ما لبثت ان تراجعت فرنسا عن تنفيذها.

ويجدر التذكير بأن فرض الانتدابات واجِهته بانتفاضات شعبية ومسلّحة منذ الايام الاولى لذاك العام التأسيسي، العام ١٩٢٠ الذي سمّي «عام النكبة» وعرفت المقاومة ثلاث دورات من الانتفاضات الشاملة للمشرق العربي، من معالمها البارزة ثورة العشرين في العراق؛ والثورة السورية الكبرى في جبل الدروز وانتفاضة المدن السورية والاشتباكات بين الاهالي والمستوطنين اليهود في فلسطين العام ١٩٢٥، وبلغت ذروتها في الانتفاضة الفلسطينية الكبرى فترة ١٩٣٦-١٩٣٩. ويمكن القول ان مرحلة اولى من فرض اتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور على شعوب اختتمت مع اخماد تلك الانتفاضة.

تجزئة، توحيد ام اعادة تشكيل؟

دار قسم كبير من الجدل حول تلك المرحلة التاريخية التأسيسية مدار عدد من الثنائيات المانعة الواحدة منهما للاخرى:تجزئة/وحدة؛ كيان طبيعي/كيان إصطناعي؛ أمة-دولة/كيان طائفي-اثني، الخ. وهي مناسبة لوضع بعض النقاط على حروف تلك الثنائيات.

هل كانت عملية سايكس بيكو مجرد عملية تجزئة؟ وباي معنى؟ واذا صح القول فما الذي جزأته؟ وبالقياس الى اية وحدة؟

اذا كانت التجزئة تمت بالقياس الى وحدة السلطنة العثمانية، فما هي وحدة السلطنة؟ واين هي؟ في الفترة التي نحن صددها، وقد تقلّصت الى تركيا والولايات العربية المشرقية. اما اذا كان المقصود تجزئة التقسيمات الادارية العمثانية، فالاحرى الحديث عن عمايات ضم وفرز نشأت بموجبها كيانات جديدة: نشأ العراق بدمج ثلاث ولايات عثمانية سابقة في كيان واحد (كانت الخرائط العثمانية منذ نهاية القرن التاسع عشر تدمجها تحت تسمية «العراق العربي»)؛ وتكوّنت فلسطين بضم سناجق عكا ونابلس والقدس؛ ونشأ شرق الاردن بدمج القسم الجنوبي من سنجق حوران وسنجق معان؛ ووولدت الفيدرالية السورية، التي ضمّت اجزاء من ولاية الشام واجزاء من ولاية بيروت؛ واخيراً لبنان الذي قام على ضم اجزاء من ولاية بيروت واربع اقضية من ولاية الشام الى متصرفية جبل لبنان، التي تمتعت بقدر من الحكم الذاتي بين ١٨٦١و ١٩١٥.

على ان السجال حول الوحدة والتجزئة ليس يقتصر على مثل هذا الاعتبار الاداري. انه يستدعي دلالات للوحدة تقرنها بالقوة مثلما تقرن السلطة المركزية بالوحدة والقوة، وتضفي على الوحدة واجب الالتزام بالجماعة، وعدم الخروج عليها، خصوصا عندما يجري تعيين الجماعة بما هي «الامة» فيصير المساس بـ«الوحدة» يعادل «الفتنة».

طبيعي او اصطناعي؟

ما «الطبيعي» وما «الاصطناعي» في كيانات سايسكس-بيكو-بلفور؟

عندما يتحدث قوميون عرب او قوميون سوريون عن «سورية الطبيعية» وعندما يطالب قوميون لبنانيون بعودة لبنان الى«حدوده الطبيعية»، ماذا يعنون بـ«الطبيعي»؟

أجازف بالجواب انهم يقصدون الكيان «المتخيّل» والحدود المتخيّلة، بالمعنى الذي يقصده بنديكت اندرصن في كتابه عن الامم بما هي تلك «الجماعات المتخيّلة» التي تتجاوز القرية، التي يعتبرها اندرصن «جماعة عضوية» عممت الدعوة اليها «رأسمالية الطباعة». لذا كانت «سورية الطبيعية» هي تلك التي تخيّلها بطرس البستاني في مقالته الشهيرة «مركزنا» او الاب لامنس البلجيكي اليسوعي في كتابه «سورية» الصادر عشية الانتداب الفرنسي على سورية، يحدّها حاجزان طبيعين – جبال طوروس شمالا والصحراء جنوباً – منحها صفة التمايز الحضاري عن الصحراء وبالتالي عن «العرب» او تلك التي عيّنها الشريف حسين من مرسين الى جنوب الجزيرة العربية باستثناء عدن (المستعمرة البريطانية منذ ١٨٣٤).

هكذا صار «الطبيعي» ليس ما هو كائن وواقع وانما هو منوعات مما يجب ان يكون. وصار «المصطنع» هو ما يحيد عن تلك الرغبات وما انتجته تطبيقات سايكس بيكو وبلفور.

دول قومية ام حكم اقليات؟

عندما يجري الحديث الآن عن اتفاقية سايكس بيكو، يقترن البحث بكونها أغفلت حقوق الاقليات بما يوحي ان الكيانات التي تأسست ابتداء من العام ١٩٢٠ كانت تطبيقا محليا لنموذج الدولة-الامة الاوروبية، اي انها مبنيّة على قومية واحدة تشكل اكثرية السكان. تجاهلت اتفاقية سايكس-بيكو حقوق عدد من الاثنيات والطوائف في المنطقة، كان الكرد ابرز ضحاياها. لكن القاعدة في تطبيقات سايكس بيكو وبلفور انها تجاهلت حقوق الاكثريات وارست السلطات وانظمة الحكم على اقليات في لبنان وفلسطين والعراق.

الهندسة الكولونيالية

في الخلاصة، يمكن القول ان الهندسة الكولونيالية لكيانات المنطقة تميّزت بخاصتين نادراً ما تلحظهما معظم الادبيات عن الموضوع.

اولاً، البناء على مقتضيات ومصالح التغلغل والتراكم الرأسمالييَن في المنطقة وأهمية الموارد القديمة (الانهر) والجديدة(النفط والغاز) وتطور المدن واهمية المرافيء والتبدلات في خطوط التجارة والمواصلات كما أفضت اليها التطورات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والسكانية في الحقبة العثمانية الاخيرة. وقد استتبع ذلك بناء الكيانات حول مراكز مدينية اكتسبت ثقلها بسبب تلك التطورات: محور يافا-القدس في فلسطين؛ محور بغداد في العراق؛ محور بيروت-دمشق في سورية-لبنان.

ثانياً، ًحاول كل طرف التوفيق بين مصالحه الاقتصادية والستراتيجية من جهة وبين إستخدامه الانقسامات الاثنية والدينية والعشائرية لانتزاع الاعتراف الدولي بالانتداب وتمكين سيطرته من جهة اخرى.

ولم يكن ذلك بالامر السهل. فمن مفارقات الهندسة الكولونيالية في سورية مثلاً ان مصلحة الانتداب الفرنسي السياسية التي قضت بفصل لبنان عن سورية سياسيا وإداريا، تباينت مع مصالحه الاقتصادية والستراتيجية ما ادى الى توحّيد الكيانين اقتصاديا وماليا، على أساس عملة واحدة ومصرف إصدار واحد ونظام جمركي واحد ومرفأ وعاصمة اقتصادية واحدة هي بيروت. ومن مفارقات الانظمة الاستقلالية، بل من مآسيها، ان ما وحّده الاستعماريون الفرنسيون العام ١٩٢٠ قسّمه الاستقلاليون السوريون واللبنانيون في القطيعة الجمركية الاقتصادية التي وقعت بين البلدين العام ١٩٥٠.

على الاقل نحن هنا امام بادرة تقسيم واحدة لا يمكن ان يلقى اللوم فيها على سايكس-بيكو! وللبوادر تتمات عندما يُدرَس تاريخ القرن من منظار المسؤوليات المحلية والخارجية عن تركة سايكس-بيكو.

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
الاردن الجزائر العالم العربي العراق سوريا فلسطين لبنان مصر
نُشر في
بدايات
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الإمبريالية الاستعمار التاريخ العراق القومية العربية سوريا

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.