العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

لا يكفي ان يكون تشافيز مع الفقراء !

قبول تشافيز بهزيمته في الاستفتاء الدستوري يؤكد أن الوقوف مع الفقراء لا يكفي وحده، فالتحوّل الاشتراكي يتطلب الموافقة الشعبية الحرة لا التذرّع بالشرعية الثورية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

لا يكفي ان يكون تشافيز مع الفقراء !

فوّاز طرابلسي

حسناً فعل أوغو تشافيز إذ إعترف بهزيمته في الاستفتاء الشعبي يوم الاحد الماضي ودعا الى احترام المؤسسات الديمقراطية. ذلك ان اعتراف زعيم «الثورة البوليفارية» (نسبة الى محرّر اميركا اللاتينية، سيمون بوليفار) بالهزيمة قد جنبّه، مؤقتا على الاقل، إغراء تنصيب نفسه دكتاتورا على بلاده وشعبه.

فموضوع الاستفتاء الذي نالت فيه المعارضة ٥١٪ من الاصوات كان سلّة من التعديلات الدستورية تسمح لتشافيز بالتمديد لنفسه رئيسا للجمهورية مدى الحياة وتمنحه صلاحيات استثنائية، بما فيها حق الرقابة على الإعلام.

حسنا فعل تشافيز لأنه قبل بإخضاع مشروعا اقتصاديا واجتماعيا يريده ذا منحى اشتراكي الى حكم السيادة الشعبية والرأي العام، ولم يكتفِ بالتذرّع بـ«الشرعية الثورية» او بـ«الطليعية» ليفرض على الناس ما لم يختارونه بملء الإرادة.

لا شك في ان «الثورة البوليفارية» أعادت الامل للملايين من ابناء شعب من ٢٦ ميلون نسمة، يعيش لا اقل من ثلاثة ارباعهم في الفقر، بعد عقود من سيطرة قلّة من الاغنياء على مقدراته واستحواذها على ثروته النفطية يمثلها حزبان يمينيان فاسدان، حزب العمل الديمقراطي والحزب الديمقراطي المسيحي.

ما قدّمه تشافيز لشعبه في المجالات الاجتماعية منذ تسلّمه الحكم عام ١٩٩٨ يستحق التقدير. نجح في فرض عقود جديدة على كبريات شركات النفط الاميركية، رفعت أسعار النفط وزادت العائدات. مستفيدة من ارتفاع اسعار النفط، أنفقت الحكومة الفينزويللية بسخاء على توسيع الخدمات الاجتماعية للفقراء في مجالات السكن والصحة والتعليم وتوفير الكهرباء ومياه الشفة وتوزيع الاراضي. وقد أنجد فيديل كاسترو تلميذه ورفيقه تشافيز، بارسال الالوف من الاطباء والمدرسين الكوبيين الى فينزويلا مقابل حصول الجزيرة المحاصرة على إحتياجاتها من النفط بعد توقف الإمداد الروسي إثر انهيار الاتحاد السوفياتي. ويذكر ايضا الدور الذي لعبته «الثورة البوليفارية» في منح الهنود حقوق المواطنة الكاملة ومساعدتهم على استعادة اراضيهم وغير ذلك من اشكال رفع الحيف والإهمال عن سكان البلد الاصليين.

الى هذا يجب ان تضاف جهود تشافيز لبناء المحور كوبا-فينزويلا-بوليفيا المناهض للهيمنة الاميركية وفروض المنظمات الدولية في اميركا اللاتينية. توسيعه باتجاه البرازيل والبيرو والاكوادور ونيكارغوا. ما حوّل اميركا اللاتينية الى احدى مراكز انطلاق حركات العولمة البديلة.

ولكن منذ إنتخابه رئيسا للجمهورية عام ١٩٩٨ وتشافيز يسعى لبناء «الديمقراطية التشاركية» القائمة على الخلايا «البوليفارية» القاعدية على مستوى المحلّة ومكان العمل. لكن يتبيّن اكثر فأكثر ان هذه «الديمقراطية القاعدية»، مثلها كمثل شبيهاتها في كوبا او «اللجان الشعبية» في ليبيا، إن هي الا قواعد يتكيء عليها نظام استبدادي فردي. ويذكر في هذا الصدد ان الرئيس الفينزويللي قد استلهم البعض من عادات وتشريعات أنظمة الاستبداد في منطقتنا، ومنها مثلا قانون يعاقب باحكام سجن قاسية من يتعرّض لمقام الرئاسة (كانت العقوبة في عراق صدام حسين تصل الى الاعدام!). بعبارة اخرى ان «قاعدية» الديمقراطية لا تغني ولا تسمن من جوع الناس الى حريات الرأي والتعبير والتنظيم والمبدأ التمثيلي الانتخابي وتداول السلطات وجدل الاكثرية والاقلية. وليس صدفة ان تجد المعارضة الفاسدة ما يسمح لها بأن تجدّد نفسها بواسطة جمهور من الشباب متعطش الى حقوق الانسان الحريات.

لا يكفي ان يكون تشافيز مع الفقراء.

يجب ان ينقضي زمنٌ يحق فيه لحاكم او لحزب او سلطة ان يضع المساوة في وجه الحرية وان ينصّب الاشتراكية في وجه الديمقراطية القائمة على تداول السلطات. وقد أثبتت التجارب ان تجاوز الديمقراطية السياسية (ويريدها البعض «برجوازية» مع انها بالدرجة الاولى صنيعة الجماهير الشعبية) لا يكون بالانتكاس الى أنظمة الاستبداد الشعبوية الطليعية، بل يكون بتطوير الديمقراطية السياسية ذاتها نحو الديمقراطية الاجتماعية الذي هو الاسم الاصلي للاشتراكية، التي كانت وتبقى ارقى شكل من اشكال الديقمراطية لأنها الديمقرطية الشاملة.

على ان كل هذا لا يستنفذ الا نصف الموضوع. لقد ارتضى شافيز الاحتكام الى الشعب عبر الاستفتاء العام. ارتضى ذلك «مؤقتا»، كما اعلن، على امل ان يعدّل من الرأي العام، وهذا من حقه إن طالما انه يتمّ بالوسائل السلمية والديمقراطية ومن خلال المؤسسات التي دعا الى الحفاظ عليها.

ارتضى تشافيز. ولكن هل يرتضي جورج دبليو بوش، او «المستر خطر»، كما يسميه الرئيس الفينزويللي؟ كثير عليه النعت؟ انه مهندس الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس شافيز المنتخَب دستوريا، عام ٢٠٠٢، قبل ان يعيده الشعب والقوات المسلحة الى الحكم. ولم يكتف بوش بهندسة الانقلاب، بل أيده علنا. وذلك في عزّ حملة الدجل الاميركية عن تعميم الديمقراطية على العالم. ولا إكتفِى راعي الاصوليين الانجيليين الاميركيين بات روبرتسون بتأييد الانقلاب بل دعا الادارة الاميركية الى اغتيال الرئيس الفينيزوللي! فهل قليل ان يتوجس ملايين من مواطني فينزويلا من ان الادارة الاميركية تحضر لغزو بلادهم عسكريا، بعد ان شاهدوا غزو افغانستان والعراق وسمعوا ويسمعون طبول الحرب تدق تحضيرا لضربة عسكرية ما ضد ايران؟ هل غريب ان يعقد تشافيز صفقة سلاح بقيمة ملياري دولار من اسبانيا (قد تطيح بها حادثة الـ«إخرس» الشهيرة خلال زيارته لمدريد الشهر الماضي) ويجيّش «لجان دفاع عن الثورة» على الغرار الكوبي من مليوني مواطن درءاً لهذا الخطر الداهم المعلن؟!

ولنفترض ان تشافيز لم يلدغ مرة من جحر الافعى في محاولة الانقلاب الفاشلة ضده عام ٢٠٠٢. فالسابقة الوحيدة التي يتذكّرها شافيز وأقرانه من يساريي أميركا اللاتينية عن وصول حزب اشتراكي الى السلطة بالطرق الديمقراطية هي تجربة سالفادور أييندي في تشيلي، رئيس الجمهورية المنتخَب ديمقراطيا في انتخابات حرّة وتنافسية. وماذا يتذكرون؟ يتذكرون انقلابا دمويا مولّته الشركات الاميركية متعددة الجنسيات، ونظمته «السي. آي. إي» وباركته الكنيسة الكاثوليكية ونفذّته قطاعات من الجيش بقيادة الجنرال بينوشيه قضى على تلك التجربة واغرق البلاد في الدم والقمع والارهاب والتعذيب. وكان ذلك يوم ١١ ايلول الآخر في عام ١٩٧٢. وبعد ٣٥ سنة، لا تزال اشباح ذلك الانقلاب تقض مضاجع اهالي تشيلي.

ازاء هذا العداء الامبراطوري للديمقراطية، عكس الرطانة السائدة، وتلك العولمة المتعسكرة، الاحتلالية والانقلابية، الذي تمارسها الادارة الاميركية، مَن سوف يلوم الفقراء والحريصين على الديمقراطية إن لم يجدوا من عناصر القوة للدفاع عن حكوماتهم الديمقراطية غير اللجوء الى السلاح؟

المواضيع
علاقات دولية
البلدان
فنزويلا كوبا
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
أميركا اللاتينية الاشتراكية الديمقراطية سياسات اليسار

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.