مقابلة مجلة «شؤون فلسطينية» – حزيران ٢٠١١
لا حرية بدون مساواة
فواز طرابلسي
١- ان اكبر دليل على ان ما نحن شهود عليه، ومشاركون فيه، يرقى الى مستوى الثورات وليس مجرد حركات عابرة، لا يقتصر على حجم القوى المتحشده وما عبّرت عنه من جرأة وتضحيات وكسر لحاجز الخوف والمخيلة في ابتكار الاساليب النضالية. يتعدى ذلك الى ما تجلّت عنه الانتفاضات من دقة وجذرية في شعاراتها ما سمح بأن يرددها ويتلاقى عليها عشرات الملايين من المحيط الى الخليج. اخصّ بالذكر شعارين: «الشعب يريد اسقاط النظام » و «عمل، حرية، خبز ». كتبتُ في غير مناسبة مؤخرا عن الثورة في المفاهيم التي تنطوي عليها عملية اعادة الاعتبار للشعب، ولوحدته وسيادته واعتباره مصدر السلطات والشرعية. (راجع بنوع خاص «الثورات تسقط انظمة الافكار ايضا»، الاخبار، ٢٠ حزيران، ٢٠١١؛ عدد حزيران٢٠١١ من مجلة شؤون الاوسط؛ وبالانكليزية، مجلة «برسبكتيف»، الصادرة عن مؤسسة هنريش بول، العدد الثاني، نيسان ٢٠١١، ص ٢٠-٢٧). وحاولت البرهنة على ان الشعار قيد التطبيق يشكل نقدا بالممارسة لمنظومة كاملة من المفاهيم والممارسات ارتبطت بالعولمة، من ترسيمة المجتمع المدني وصولا الى مقولات النيوليبرالية الاقتصادية حسب إملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات التنمية الدولية. وشددت على ان الجّدة الفكرية والعملية التي انطوي عليها الشعار هي في ايلائه الاولوية للسياسة واعتباره اسقاط الانظمة مطلع عملية تحويل ديمقراطية جذرية للعلاقة بين الحكام والمحكومين.
٢ – يمكن القول ان اعادة الاعتبار الى ثنائي الشعب/النظام يشكل الجواب الاول على موضوع هذا الملف عن القيم الجديدة التي تنطوي عليها- او يجب ان تنطوي عليها- العملية الثورية الحالية. على اني اود التوقف عند الشعار الثلاثي «عمل، حرية، خبز» لاستنطاق دلالاته والدفاع عنه وقد تكاثرت محاولات استبعاده بالتجزئة او الاحدية. ثمة ما يستدعي الاعتراض الشديد على الفصل التعسفي الذي يقام ضمن الشعارات الثلاثة بين النطاق السياسي – الحرية – من جهة والنطاق الاقتصادي-الاجتماعي – العمل والخبز – من جهة ثانية. يترافق هذا الفصل مع الاعلان عن اولويات نابذة عبّرت عنها شعارات راجت هي ايضا مثل «الموضوع هو الحرية وليس الخبز » او «انها ثورة كبرياء وليست ثورة غذاء» او حتى «الحرية شرط مسبق للخبز». تشكل مثل هذه الشعارات ردة فعل ساذجة وناقصة على تقديم الانظمة الرشاوى المعيشية ردا على مطالب التغيير السياسي. على انها – الشعارات النابذة – تنمّ ايضا عن ذهنية تطهرية ونخبوية سائدة تقيم الفصل بين القيمة والمبدأ من جهة وبين المصالح من جهة ثانية. وهي بذلك تشي بضيق أفق طبقي يتغافل عن مصالح وتطلعات الجسم الاكبر من التحالف الشعبي العريض الذي يخوض الانتفاضات.
ليس مطلب «العمل» بالاضافة الثانوية على المطالب. اننا نتحدث عن عالم عربي هو صاحب رقمين قياسيين عالميين، الاول في نسبة الشباب الى مجموع السكان، والثاني في نسبة البطالة، وخصوصا بطالة الشباب. إرتفع شعار تأمين العمل تعبيرا عن حاجة حيوية تخص المكوّن الرئيسي الذي اطلق الثورة ولا يزال يشكل وقودها وجناحها الاكثر جذرية، الشباب رافضا واقع بطالته او معبّراً عن قلقه على مستقبله في ظل انظمة تسدّ في وجهه كل آفاق المستقبل.
إن تأمين فرص عمل ليس مطلبا يتعلّق بالحريات. انه يتعلّق بالحقوق، حقوق المواطن. والديمقراطية – اذا كان ثمة من حاجة للتذكير – هي حريات وحقوق معاً (وواجبات ايضا). وتأمين الحق في العمل – في ظل الاوضاع العربية الراهنة – يتطلّب اعادة هيكلة للانظمة والسياسات الاقتصادية. وببساطة فإن عدم اعتماد سياسات اقتصادية جادة لتحقيق زيادات ملموسة في فرص العمل يعني اعادة انتاج العوامل التي ادت الى الانتفاضات وليس اي شيء آخر.
«الخبز». نعم الخبز، بما هو الحقوق الاجتماعية. مثلما يراد طمس المطلب المشترك للشباب في العمل، يجري السعي لاخفاء دور الجماهير الشعبية في الانتفاضات، وهي الفئات الاكثر حضورا في التحركات جميعا والاكثر جرأة عل الإقدام والتضحية. اعني الفئات الواسعة من العمال والفلاحين والكسبة، وفقراء ومهمشي الريف، وسكان الضواحي الشعبية والعشوائيات في المدن، الذين تمرّدوا ايضا، إن لم نقل خصوصا، من اجل حقوقهم الاجتماعية: الحق في العلم والسكن والصحة والتحرر من الفقر وتأمين مستوى معيشة لائق. هذا في وقت تريد لنا اديولوجيا العولمة النيوليبرالية، ورطانة المجتمع المدني، اختزال حقوق الانسان بالحقوق الفردية وحجب الحقوق الاجتماعية او ايلاءها المكانة الثانوية في احسن الاحوال.
تلتقي قوى الانتفاضات على مركزية مطلب الحرية. صحيح. والحرية بالمفرد والجمع قيمة بذاتها. صحيح والف صحيح. ولكن في التطبيق العملي، اي معنى للحرية، بما هي نظام سياسي، إن لم يكن يعني حق الاكثرية الشعبية في ايصال ممثليها الى مواقع القرار وحضور مصالح ومطالب وتطلعات فئات المجتمع المنتجة والمحرومة في الحياة العامة، وتوافر الآليات الدستورية والمؤسساتية التي تسمح لها بالتعبير عنها وتحقيقها؟
«الكرامة». وهي توضع ايضا في مواجهة العمل والخبز. والسؤال هل ان التعذيب والقمع واحتقار الشعب – إما استعلاء على طريقة الرئيس الاسد وإما ذَمّاً وشتماً على طريقة القذافي – والاقصاء عن الحياة العامة حتى لا نتحدث عن اجبار الاطفال على لثم اقدام العسكر ودوس الشبيحة او البلطجية اجساد المواطنين ووجوههم بالارجل، هذه هي وحدها امتهان للكرامة في حين ان البطالة اليومية والعوز اليومي والجوع اليومي والحرمان الاجتماعي والتمييز الطبقي لا تدخل في باب امتهان الكرامات؟
٢- لنا في مجال العلاقة بين الحركات الاجتماعية والتغيير السياسي تجربتان تستحقان التوقف عندهما. التجربة الاولى هي تجربة الحركات الاجتماعية في السبعينات والثمانينات. يجدر التذكير هنا ان كل ما تحقق منذ اواخر الثمانينات الى مطلع هذا العام في مضمار التعددية السياسية والصحفية والالتزام ببعض المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان – على تواضعه – قد إنتزع انتزاعا عن طريق انتفاضات شعبية كانت تحمل شعارات اجتماعية بالدرجة الاولى. سقط حكم الحزب الواحد في الجزائر جراء انتفاضة شعبية العام ١٩٨٨ كان للشباب العاطل عن العمل – «الحيطيين»، حسب التعبير المحلي – الدور الاكبر فيها. فرضت الانتفاضة انجازات في مجالات التعددية السياسية والصحفية والانتخابات الحرة. ومن جهتها أسهمت «انتفاضات الخبز » في المدن المغربية في العالم ١٩٨٩ في فرض تعديلات على الدستور زادت من صلاحيات السلطة التشريعية، وأسهمت في مجيء حكومة من المعارضة الى الحكم. قبلها، اما انتفاضة الخبز المصرية عام ١٩٧٧ على انور السادات فكانت مطلع الاعتراف بالتعددية الحزبية – المنابر – ولو تحت رعاية الحزب الواحد واستئثاره. والامر نفسه ينطبق على انتفاضات الجنوب الاردني في «هبة نيسان » ١٩٩٠ وما سبقها وتلاها.
ليس الغرض هنا تقييم ماذا بقي من تلك التنازلات. الغرضلفت النظر الى ان هذه الحركات الاجتماعية، التي كانت ردود افعال اولية على بدء تنفيذ التعديلات الهيكلية والخصخصة، فرضت تنازلات في مجالات الحريات والتعددية السياسية دون ان تنجز شيئا بالكاد من مطالبها الاجتماعية المعلنة في زيادة فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة وتحقيق التنمية المناطقية. بعبارة اخرى، ردّت السلطات على تحركات اجتماعية بتقديم تنازلات سياسية. لا التنازلات السياسية كانت لها توالي، ولا تحقق شيء يذكر في المجال الاجتماعي.
التجربة الثانية هي الحالة النقيضة، تلك التي يجري فيها التنازل في المجالات المعيشية والاجتماعية بديلا من التنازل في المجال السياسي. هذا ما حاولته ولا تزال تحاوله الانظمة العربية قاطبة منذ انطلاقة الانتفاضات الشعبية مطلع هذا العام. ولم تختلف طبيعة التنازلات بين انظمة استبدادية عسكرية وسلالية ريعية الا من حيث حجم الموازنات المرصودة لها. وزعت الاعطيات المالية المباشرة على المواطنين عموما او على «الفقراء» تخصيصا؛ وتقرر رفع اجور موظفي الدولة؛ وإقرت مشاريع إسكان؛ وصدرت وعود بتحسين التعليم وخدمات الدولة؛ الخ. لم تنفع هذه الاعطيات والصدقات في حرف الانظار عن المسألة الرئيسية – مسألة السلطة السياسية. ومع ذلك، لم تلق الاهتمام الكافي للرد عليها من منظور ديمقراطي.
الى هذا المجال ينتمي التنازل بواسطة الصدقات الفردية من قبل الحكام او بطاناتهم المالية. بعض الامثلة الفاقعة. ردا على اول موجة من التحركات الشعبية المغربية المطالبة بملكية دستورية وبمعالجة المشكلات الاجتماعية، اعلن مليك المغرب عن تخصيص ارباح شركاته للعام ٢٠١٠ لاعمال الخير والإحسان. والمبلغ المعلن – ٢،٥ مليار دولار – يشكل قيمة الربح السنوي لاعمال المليك التجارية والمالية وليس بأي حال الرقم الاجمالي لعائداته المالية ولا هو قطعا تقدير لثروة صاحب «المخزن». هكذا حاول المليك «تبييض» اعماله التجارية وارباحه، وشرعنتها، بالتصريح عنها، علماً ان الدستور المغربي يحرّم على المسؤولين الحكوميين التعاطي بالتجارة. فيثور السؤال: هل ان المليك فوق الدستور او تحته؟ في هذا السؤال تكمن كل مسألة الملكية الدستورية. ولنا عودة الى هذا الموضوع.
المثال الفاقع الآخر عن الاسلوب السلطوي في «تبييض» الثروات المتحققة جراء انتفاع الحكام وبطاناتهم بالسلطة السياسية على حساب المال العام، هو اعلان رجل الاعمال السوري رامي مخلوف، «تنحيّه» عن «البزنس» والتفرغ للاعمال الخيرية، بعدما عبّرت التظاهرات عن مبلغ الغضب الشعبي ضد ابن خال الرئيس بشار الاسد، وصولا الى احراق مكاتب شركة الاتصالات الهاتفية التي يملكها به. يصعب تصوّر كيف يمكن لرجل اعمال ان «يتنحى» عن اعماله. ناهيكم عن ضرورة التشكك بكل ما يصدر عن حكام وحواشي حكام في انظمة درجت على الكذب. لم نسمع كثيرا عن التطبيقات الاقتصادية والمالية العملية عن «تنحي» الرجل الذي يحتكر قمم الاقتصاد السوري في المجال العقاري والاتصالات والمقاولات والنفط والاسواق الحرة. كل ما صدر في الاعلام هو اعلان مخلوف عن نيته توزيع اسهما في شركة الهاتف الخلوي التي يملكها على الفقراء. ما تسرّب حتى الان يفيد انسحاب رجل الاعمال واخوته من شركات تقع ضمن دائرة العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الامم المتحدة او المجموعة الاوروبية او الدول الافرادية.
اول ما يجب التوكيد عليه ان هذه التصريحات والتوزيعات لم يقدم عليها اصحابها الا لأن الانتفاضات قامت ولأنها تطاول الفساد والانتفاع بالسلطة وسرقة المال العام. ثم ان تلك الاجراءات تلجأ الى الدين لضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد: تبييض الارباح غير الشرعية، وتفادي المساءلة، وكسب براءة اخلاقية بحجة الاحسان. بواسطة مهازل فاجعة كهذه يتحول اللص الى مُحسن كريم! ويصير سارق اموال الناس هو مَن يتصدق بـ«ماله» عليهم !
تنتمي الى النهج ذاته محاولات المقايضة التي تقيمها المعارضات الليبية واليمنية بين تنازل الحاكم عن السلطة في مقابل اعفائه من المساءلة والمحاكمة على جرائمه والسرقات.
اليس من صلة بين هذه القضايا «الاقتصادية» وبين المباديء الديمقراطية؟ لسنا مضطرين للبحث عن اجابة مبدئية على السؤال. يأتي الجواب من تونس ومصر حيث ترسي الثورة سابقة تاريخية في التأسيس لتقليد ديمقراطي يقضي بمساءلة الحكام على تفريطهم بالمال العام او سؤ استغلالهم السلطة لغرض الكسب المالي وتقديمهم للمحاكمة وادانتهم وفرض العقوبات عليهم بما فيها الزامهم اعادة الاموال المنهوبة او المكتسبة بطرق غير مشروعة الى خزينة الدولة.
إن ما جرى في تونس ومصر يشكل سابقتين تاريخيتين. الاولى لأن سقوط زين العابدين بن على وحسني مبارك هو اول حدث يزاح فيه حاكم عربي عن الحكم بواسطة الضغط الشعبي السلمي في التاريخ العربي المعاصر. هذا اذا استثنينا استقالة بشارة الخوري من رئاسة الجمهورية اللبنانية عام ١٩٥٢ تحت ضغط اضراب سياسي مفتوح. والسابقة التاريخية الثانية هي محاكمة رئيسين عربيين بتهمة الامر باطلاق النار على متظاهرين مدنيين سلميين وسرقة المال العام والفساد. وانه لمعبّر جداً ان ينزل الى ميدان التحرير في القاهرة اكثر من مئة الف مواطن مصري لاعلان رفضهم عقد صفقة مع الرئيس المخلوع حسني مبارك تقضي باعادة بعض امواله الى الدولة لقاء وقف محاكمته وعائلته.
عن طريق مثل هذه الاجراءات يجري التأسيس لسياسة جديدة في العالم العربي ولعلاقات من نوع آخر بين المجتمع والسلطة السياسية. فلا معنى للحديث عن ملكية دستورية في المغرب دون الشفافية والتمييز الكامل بين اموال الاسرة الحاكمة وممتلكاتها وبين المال العام. ولا فحوى للحديث عن مساءلة الحكام والمحاسبة دون تقديم امثال رامي مخلوف لمحاكمة عادلة يتقرر فيها حجم المبالغ التي حققها بالوسائل غير المشروعة او بالانتفاع من السلطة وتعاد امواله وارباحه تلك الى خزينة الدولة السورية.
٣. لا حرية دون مساواة. ولست اقصد هنا المساواة الاقتصادية والاجتماعية او العدالة الاجتماعية. مع ان تطعيم النضال الديمقراطي السياسي بعناصر الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية يجب ان يكون الشغل الشاغل لليساريين.
المقصود المساواة السياسية والقانونية بما هي شريك الحرية في بناء نظام ديمقراطي. ان اعادة صياغة الحياة السياسية وتحقيق توازن قوى جديد بين حكام ومحكومين، اي تحقيق الاهداف الرئيسية للثورات، يعني الان:
اولا، اعادة تأسيس الاجتماع السياسي على تعاقد جديد بين المواطنين يجسده دستور جديد يكرّس حريات المواطنين وحقوقهم والمساواة السياسية والقانونية بينهم دون تمييز في الجنس والعرق والدين والعمر والموقع الاجتماعي.
ثانيا، تثبيت مبدأ غلبة السلطة التشريعية المنتخبة من الشعب والمعبّرة عن ارادته الحرة («الشعب يريد » ) على سائر السلطات. والترجمة العملية لهذه الغلبة هي صدور السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية التي تمنحها الثقة، او تحجبها عنها، وتتولى مساءلتها ومحاسبتها، وزراء افرادا وفريقا تنفيذيا، بما يتضمن ذلك من احكام وعقوبات. وجدير بالتذكير هنا ان مبدأ فصل السلطات، الذي يتضمّن بالدرجة الاولى استقلال القضاء، ليس يعني وضع السلطات الثلاث على قدم المساواة.
ليس من قبيل الصدفة ان تكون هاتان القيمتان في صلب البرامج التي تطرحها تنسيقيات الشباب الثائر في الانتفاضات المختلفة. ولا هو غريب ان تتحشد ضد هذا الاجراء وذلك قوى التدخل الخارجي والمحافظة على الامر الواقع والتيارات الاسلامية المختلفة.
يمكن الاكتفاء بمثالين راهنين عن تلك المعارضات.
الاول هو تغليب الشريعة على الاحكام الجمهورية الديمقراطية لرفض التأسيس دستوريا ومؤسساتيا للمساواة السياسية والقانونية بين المواطنين. يعبّر عصام العريان، القائد في تنظيم الاخوان المسلمين في مصر، اوضح تعبير عن هذا الاتجاه في دفاعه عن الدستور المصري المعدّل الذي دعت حركات الشباب الثائر والتشكيلات القومية واليسارية والعلمانية الى التصويت ضده (الاخبار، ٣٠ حزيران، ٢٠١١). يفتي العريان، بإسم الشريعة بما هي المصدر الرئيسي للتشريع، ان حقوق «إخواننا» المسيحيين مكفولة وفق الشريعة في احوالهم الشخصية، ذلك ان «حق الاعتقاد والعبادة تكفله الشريعة وهي اسمى من كل تشريع» على حد قوله. قد تكون الشريعة «اسمى من كل تشريع» لكنها ليست تساوي بين المسلمين وغير المسلمين، هكذا وبكل بساطة. وحق الاعتقاد والعبادة مكفول في الشريعة في ظل نظام الذمّية لا في ظل نظام من المساواة بين مسلمين وغير مسلمين. وما يقال عن مصر يقال عن مسألة الاقليات القومية والاثنية والمذهبية والدينية، ناهيك عن موقع السناء من الحياة السياسية، في اي مكان آخر من العالم العربي. هنا كان الخيار ولا يزال إما المساواة السياسية والقانونية للمواطنين وإما التشجيع على النزعات الانفصالية والاستعانة بالقوى غربية.
اما المثال الثاني المتعلق بمعارضة منح الاولوية للسلطة التشريعية فيتجسّد في التعديلات الدستورية التي اصدرها الملك المغربي على ما اسماه الطريق الى نظام ملكي دستوري. تلحظ التعديلات توسيع صلاحيات البرلمان من حيث وجوب التمثيل النسبي للمعارضة ومنح الاكثرية حق اختيار الحكومة. وهي تقضي ايضا بتوسيع صلاحيات رئيس الحكومة من حيث حقه في اقالة وزير او اكثر بعد «موافقة» الملك في حين يحق للملك إقالة الوزراء بعد «استشارة» رئيس الوزراء. الا ان التعديلات تبقي الصلاحيات التنفيذية الفعلية بيد الملك بما هو يرأس المجالس الوزارية، وتحفظ له سلطته ومرجعيته وشرعيته الدينية، بما هو «أمير المؤمنين»، ورئيس «المجلس الاعلى للعلماء»، في ظل الاسلام ديناً للدولة. ويكرّس الدستور الجديد سلطة الملك العسكرية بما هو القائد الاعلى للقوات المسلحة، والامنية، بما هو رئيس المجلس الامني. الى هذا كله، فالملك هو رئيس المجلس الاعلى للقضاء، فيخضع القضاء بذلك للسلطة التنفيذية. عارض الشباب الثائر في «حركة ٢٠ فبراير» التعديلات لاعتبارها غير كافية تحديدا لجهة إبقائها الصلاحيات التنفيذية في يد الملك، وأصرّوا على ان تكون الملكية لا دستورية فحسب وانما دستورية برلمانية قائمة على فصل السلطات ايضا. مهما يكن، تشكل هذه التعديلات اوسع تنازلات قدّمها حاكم عربي حتى الآن تحت ضغط الانتفضات الشعبية، وقد حظيت باكثرية لافتة في الاستفتاء الدستوري الاخير. فما علينا الا احترام الارادة الشعبية المعبّر عنها في الاستفتاء مع استمرار التحفظ.
على هذين المبدأين يدور الآن الصراع بين تيارين: تعددي سلطوي محكوم بالمبدأ الامني الامبريالي اياه – بما فيه امن النفط وامن اسرائيل – ويشكل الاطار السياسي للنيو ليبرالية الاقتصادية من جهة وتيار ديمقراطي مدني قائم على المواطنة يجمع بين الحرية والمساواة. الاول هو مشروع قوى الردة والتدخل الخارجي من جهة والثاني المشروع المعبّر عن طموح وتطلعات القوى العاملة من اجل السيادة الشعبية والاستقلال الوطني.
٤ – تتبدى اهمية هذين المبدأين الحيويين للديمقراطية، إذ نعاين بدقة مشاريع التدخل الخارجي ومحاولات احتواء الانتفاضات بواسطة قوى المحافظة على الامر الواقع والردة.
ان اخشى ما تخشاه الولايات المتحدة في المنطقة هو قيام انظمة ديمقراطية من النمط الذي عيّنا اعلاه. فقد كان ولا يزال المبدأ الثابت للستراتيجية الاميركية ايلاء الاولوية للامن الامبريالي، بما فيه القواعد العسكرية الاميركية وامن قاعدتي السيطرة الامبريالية في المنطقة: النفط واسرائيل. لذا وجب النظر الى السلوك الاميركي تجاه الانتفاضات بالتمييز بين دائرتين – دائرة امن النفط ودائرة امن اسرائيل – والاخذ بعين الاعتبار في تحليل ردود الفعل والسياسات الاميركية بين الاماكن الساخنة والاماكن حيث المعارضات ضعيفة او بدائية. والمقياس في الحالتين هو السلوك العملي لا الرطانة الديمقراطية. علما انه حتى الرطانة تفضح الحدّين اللذين تقف عندهما السياسات: حد إحلال المساواة السياسية والقانونية، وحد الاولوية للسلطة التشريعية.
ان العمر الحقيقي لسياسة «التحويل الديمقراطي» الاميركية في المنطقة هو عمر عهد بوش الابن في امتداد ردود الفعل على تدمير مركز التجارة العالمي بنيويورك. كان قوامها فكرتان من بناء افكار المحافظين الجدد. تقول الاولي بأن الديمقراطيات لا تتحارب. فتكون الديمقراطية العربية السبيل الى السلام العربي الاسرائيلي. واما الثانية، فتعتبر ان بناء انظمة ديمقراطية هو الحاجز الاكثر فاعلية في وجه الارهاب. واول ما يجب لفت النظر اليه هو ان ايا من المبدأين لم يطبّق على العربية السعودية على الرغم من ان المتهمين بالعملية الارهابية في معظمهم، بما فيهم اسامة بن لادن، من نتاج التشدد الاسلامي السعودي. ثم ان التبشير بضرورة الديمقراطية لتجفيف ينابيع الارهاب، كما كانت الخطة تسمى آنذاك، لم يمنع ان يكون الجواب على الارهاب ليس ديمقراطيا بل عسكريا.
في العراق، الذي جرى احتلاله وتدمير الدولة فيه والاقتصاد والحياة المدنية، ليس بإسم الديمقراطية وإنما بإسم كذبتي السلاح النووي والصلة بتنظيم القاعدة، لم تأت الديمقراطية على دبابات الجيش والاميركي والجيوش الحليفة، كما حلم بعض الليبراليين في بلادنا. كان ضغط اية الله السيستاني العامل الابرز في فرض الانتخابات النيابية لأنه وضعه شرطا لتغطيته على الاحتلال. وكان في حسبانه ان الانتخابات سوف تجيء باكثرية شيعية الى الحكم. في المقابل، كان المفوض السامي للاحتلال، بريمر، يؤثر تعيين «مجمع اعيان»، على الطريقة الافغانية، يضم وجهاء مدينيين وزعماء احزاب موالية للاحتلال وشيوخ عشائر ومشايخ دين، بديلا من اعتماد المجلس النيابي المنتخب. وفي الحصيلة، كانت الفيدرالية الاثنية-المذهبية، بدلا من المواطنة المتساوية سياسيا وقانونيا، واعتماد رئيس للوزراء ذي صلاحيات التنفيذية الواسعة، هي الترجمة العملية لما تبجح به المحافظون الجدد من بناء عراق جديد يكون نبراساً للديمقراطية في المنطقة !
عدا عن ذلك، كان نسق الطلبات الاميركية واحدا خلال تلك السنوات القليلة من غلبة الرطانة الديمقراطية، وابرز عناوينها التعددية السياسية والاعلامية والحزبية في ظل حكم الحزب الواحد والفرد الواحد كما في مصر وسورية واليمن وفوقها ليبيا «الجماهيرية» والالتزام بتقديم معتقلي الرأي والسياسة الى المحاكمة بغض النظر عن مدد وجودهم في الاعتقال دون محاكمة وعن الاحكام القاسية التي صدرت بحقهم.
في سياق حملة «التحويل الديمقراطي» هذه، تواترت الانباء عن ضغوط اميركية مورست على الرئيس المخلوع حسني مبارك لتنظيم انتخابات رئاسية تعددية وحرة العام ٢٠٠٥. اعلن مبارك انه ينوي ذلك لكنه وضع القيود على من يحق لهم الترشح وعلى شروط الترشيح. ولم يكتف بذلك، بل إعتقل منافسه الوحيد الجاد، رئيس حزب «الغد». فماذا كانت ردة فعل الادارة الاميركية؟ ارسل بوش الابن زوجته الى القاهرة لمباركة الانتخابات ! لعل الرسالة ذاتها بلغت الرئيس علي عبدالله صالح فأعلن عزوفه عن الترشّح لولاية رئاسية جديدة. لم يكن الامر برئيا اصلا لأن الرجل كان ينوي تقديم ابنه احمد للخلافة. ومع ذلك، لما اكتشف صالح ان ليس ثمة مِن هم اميركي فعلي في تداول السلطة، ولو شكلاً، تراجع عن قراره – خضوعا منه لـ«الضغط الشعبي »، طبعا.
اما في السعودية، فكل ما تمخضت عنه مواسم «التحويل الديمقراطي» في اكبر بلد مصدّر للارهاب والنفط، هو قرار ملكي باجراء انتخابات بلدية. اقتصر حق الترشح والانتخاب على الرجال، طبعا، ووصل الفائزون الى مجالس بلدية بدون صلاحيات. ولما انتهت ولاية المجالس لم يجر التمديد لها. ولا يزال الوعد باجراء انتخابات بلدية اخرى مجرد وعد.
وماذا عن سوريا؟ هل كان ثمة مشروع لتغيير النظام السوري ام علينا ان نقتنع بأن الامر لم يتعدّ ما اسمته كوندليسا ريس «تغيير سلوك» والفرق بين الاثنين كبير. المتأمرون اللبنانيون يؤكدون ان المسؤولين الاميركيين لم يطرحوا مرة ما يتعدى تغيير السلوك ذاك؟ في المقابل، يصعب تصوّر ان «التحويل الديمقراطي» كان ضمن الشروط الثلاثين التي قدمها كولن باول للاسد، فعلى الارجح دارت معظمها على قضايا اقليمية؟
الافدح من كل هذا ان مشروع «التحويل الديمقراطي» قضت عليه … انتخابات ديمقراطية ! توفي مطلع العام ٢٠٠٧، عن ثلاث سنوات، دون مراسيم دفن، على اثر نيل الاخوان المسلمين نسبة عالية من اصوات الناخبين المصريين، ومن المقاعد النيابية، وبعد فوز حركة «حماس» في الانتخابات الفلسطينية، التعددية والحرة والتي جرت في ظل رقابة دولية. فتبيّن عكس نظرية المحافظين الجدد ان الديمقراطية العربية قد تعبّر عن حقيقة المشاعر الوطنية للجماهير العربية، وهذه قطعا مضرّة بـ«أمن اسرائيل ».
هذا هو موسم «التحويل الديمقراطي» الذي تمناه البعض مشروع تدخل اميركي، عسكري ودبلوماسي، لنشر الديمقراطية في الربوع العربية. وهو الموسم الذي استهوله واستقبحه البعض الآخر معتبرا نشر الديمقراطية مطلع مؤامرة عنوانها «المشروع الاميركي الاسرائيلي » تبغي بناء «الشرق الاوسط الجديد ». علما اننا لا نزال الى الآن نضرب اخماسا باسداس في تعيين ما هو المشروع العتيد هذا واين الجديد في الشرق الاوسط الاميركي الجديد.
٥. ولما كان تعيين الستراتيجية الاميركية في حقبة الانتفاضات خير من لعن «المؤامرة»، تفيد محاولة رسم المعالم العامة لتلك السياسة قيد التجربة والتطبيق والتعثر في محاولاتها التعويض عما فات، والتوفيق بين الرطانة الديمقراطية والمصالح الوطنية الاميركية، علما ان ما من مرة قام التعارض بين الاعتبارين إلا وكانت الغلبة للمصالح.
يتبدى هزال ادعاءات ادارة اوباما «الديمقراطية» في حقبة الانتفاضات مما قاله الرئيس الاميركي في آخر خطاب له عن المنطقة، بعد سقوط بن علي ومبارك، إذ اسرّ بأن الولايات المتحدة كانت تضغط باستمرار على الرئيس مبارك لكي يعيّن نائبا له ! حقيقة الامر ان مبارك خضع للضغط متأخرا ولم ينفعه التعيين بشيء ولا نفع نائبه المعيّن. فسقطا معا. وفي كل الاحوال يصعب فهم صلة وجود نائب لرئيس الجمهورية بالتحويل الديمقراطي، اللهم الا اذا كان في الامر مجرد تقليد للنظام الرئاسي الاميركي. او التأكد من ان يخلف النائب رئيسه بما يضمن «تداول السلطة» بين حاكمين فرديين.
من جهة اخرى، لا يبدو انه طرأ تعديل يذكر على اولوية الامن الاميركية. في منطقة النفط والقواعد الاميركية، لا يزال الهم الاول هو الحفاظ على انظمة الاستبداد الريعية السلالية في السعودية وسائر دول الخليج. هناك يجري التعاطي مع اي حراك بأعتماد الوسائل العنيفة: التدخل العسكري السعودي-الخليجي في البحرين والاطلسي في ليبيا. يبقى اليمن، المشمول بالمنطقة النفطية، حيث المبادرة الخليجية، المدعومة اميركيا، تقف عند حدود تأمين تنحي علي عبدالله صالح وحيث نجحت الدبلوماسية الاميركية في ان تلعب دور الوسيط بين معارضة احزاب «اللقاء المشترك» وبين علي عبدالله صالح، وان يتولى السفير الاميركي في صنعاء صياغة مطالب المعارضة الرسمية حول نقل الصلاحيات الى نائب الرئيس، على حساب المطالب الجذرية للشباب الثائر وفي مقدمتها تشكيل مجلس انتقالي تتمثل فيه قوى المعارضة الشعبية الجديدة.
في منطقة الامن الاسرائيلي، تجري محاولة الالتفاف على خسارة حسني مبارك بالاتكال على الجيش الممسوك بالدعم المالي الاميركي البالغ مليار دولار وفتح قنوات الحوار مع تنظيم الاخوان المسلمين. لم تخف السيدة كلنتون ان الحوار الاميركي-الاخواني جار منذ خمس او ست سنوات. وليس مستغربا ان تكثر الاشارات الى استلهام التجربة التركية، طالما ان «الاخوان» يثيرون الاهتمام الاميركي ليس فقط لأنهم يلبون مواصفات «الاعتدال» وانما ايضا وخصوصا لاعتمادهم نظاما اقتصاديا يلتقي والنيوليبرالية في غير وجه اساسي ولمحافظتهم السياسية والاجتماعية. فيما يرى سمير امين ان الولايات المتحدة اكثر ميلا نحو النموذج الباكستاني حيث يحكم جيشٌ اسلامي في الكواليس خلف حكومة مدنية يديرها حزب اسلامي او اكثر. يظهر التردد الكبير في الموقف من النظام السوري على اعتبار ان لا بديل واضحا له لتأمين هدوء الجبهة الشمالية مع فلسطين المحتلة وضبط حزب الله في لبنان. في البدء، دعمت الدبلوماسية الاميركية الدور التركي في الازمة السورية على امل رعايته تسوية «اصلاحية» بين النظام والتيار الاسلامي. ولما تعثّر الدور التركي، ازاء شدة الانتقادات التي وجهتها القيادة التركية لاعمال العنف الرسمي والتهجير في الشمال السوري، تزايد اغراء الدور الاميركي المباشر. ولعل النظام ذاته شجّع عليه بالانتقال من التركيز على الحل مع التيار الاسلامي الى تبني «الحوار» مع بعض الشخصيات الليبرالية. يتم ذلك على خلفية صدور القرار الظني للمحكمة الدولية الخاصة لبنان في صدد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي اتهم اربعة من قادة حزب الله وتواترت ابناء عن قرب اتهامه شخصيات امنية قريبة من الرئيس الاسد. لكن الغضب الشعبي يتصاعد ومعه القمع، كما دلّ خروج عشرات الالوف من سكان حماه لاول مرة في تظاهرات عارمة يوم جمعة «ارحل» في الاول من تموز. مهما يكن من امر، الحوار مفتوح مع الدبلوماسية الاميركية حول شكليات التعديلات الدستورية ولا يبدو انها تمسّ الركيزة الامنية العسكرية للسلطة ولا النظام الرئاسي شبه المطلق الصلاحيات.
هكذا يمكن وضع تشخيص اولي لخصائص التدخل الاميركي لدى انظمة لم تغيّر بشيء نهجها في ضمان استمرارها في السلطة والتسلّط عن طريق توسل الشرعية الخارجية وتقديم التنازلات لذاك «الخارج» على حساب شعوبها. يمكن اجمال ذلك باربع محاور.
الاول، استصدار التأكيدات من الحكومات الجديدة (في تونس ومصر) على الاستمرار في النهج النيوليبرالي، ودعم قمع او منع الاضرابات والتحركات العمالية والنقابية بإسم الامن الاجتماعي هذه المرة.
ثانيا، ضمان استمرار الجيوش واجهزة الامن ركائز للسلطة السياسية خصوصا في دائرة امن اسرائيل.
ثالثا، تغليب المؤسسة التنفيذية على التشريعية، بادخال او دون ادخال تعديلات على صلاحيات او سلطات الحاكم التنفيذية.
رابعا، تقديم التعددية السياسية والاعلامية بديلا من المساواة السياسية والقانونية، وإذا اقتضى الامر فالفيدرالية بديلا من الديمقراطية بما هي الحل لقضايا الاقليات المختلفة.
سعت هذه الصفحات الى الدفاع عن فكرة التلازم بين قيمتي الحرية والمساواة، على اعتبار انهما ركيزتا المشروع الديمقراطي. فكان لا بد من التمييز بين صيغتين لذاك المشروع. واحدة تقوم – بإسم الحرية – على التعددية السياسية والاعلامية ولا تمسّ الاساسي في الانظمة القائمة: الطابع غير المدني للدساتير وغلبة المؤسسة التنفيذية – والحاكم الفرد خصوصا – على التشريعية، اي على المؤسسة المعبّرة عن الارادة الشعبية. وقد القيت لذلك اضواء كاشفة على حقبة اساسية من حقبات الستراتيجية الاميركية في المنطقة في اعقاب الحادي عشر من ايلول ٢٠٠١ هي حقبة ادارة الرئيس جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد التي اختلطت فيها احدية شعار «الحرب على الارهاب» مع رطانة «التحويل الديمقراطي ». وحاولنا، في ضوء تلك المقدمات، وبالمقارنة معها، استقراء ملامح السياسات الاميركية تجاه الانتفاضات الديمقراطية الجارية حاليا باعادة الاعتبار للثنائية الدائمة في السياسة الخارجية الاميركي بين المصالح – وهي عندنا النفط واسرائيل – وبين الرطانة الديمقراطية، بما هي الاديولوجيا المؤسسة للاجتماع الاميركي. ويتبيّن على نحو متزايد انه عندما يقوم التعارض بين المصالح والاديولوجيا، تكن الغلبة للمصالح.
