العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

كي يتحول الكيان الى وطن

الكيان الذي أُنشئ عام ١٩٢٠ لم يستطع أن يكون وطناً — والفرد لم يصبح مواطناً. كل حلّ لأزمة يحمل بذور أزمة جديدة، وعند كل خلاف يُستعان بالخارج.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

كي يتحول الكيان الى وطن

28/2/2005

ان حال الهستيريا الاجتماعية التي تشهدها الساحة اللبنانية حاليا والتي توجت باغتيال الرئيس رفيق الحريري بطريقة تنم عن وحشية وحقد دفين, ما هي الا انعكاس لحال الغربة بين السلطة السياسية للكيان اللبناني من جهة وبين رعايا هذا الكيان من جهة اخرى.

هذا الكيان الذي انشىء عام 1920 لم يستطع ان يكون وطنا لابنائه, ولم يستطع الفرد فيه ان يتحول الى مواطن.

من هنا يعيش هذا الكيان ازماتا متلاحقة تكاد لا تنتهي, فكل حل لازمة يحمل في طياته بذور ازمة جديدة,وعند اي خلاف تتم الاستعانة بالخارج, مما يتهدد هذا الكيان في وجوده. هذه الغربة ناتجة من جهة عن ان السلطة السياسية هي مفهوم قائم بذاته, تتمثل فيه بعض الافراد المتنوعي الطوائف, ذوو ولاءت خارجية تحددها المصالح الاقتصادية المشتركة,وتستمد استمراريتها وقوتها من فرض قوانين متوافقة مع مصالحها الخاصة, واعادة انتاج ذاتها من خلال ا لوقوف بوجه الاصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تقتضيها عملية التطور عامة, بدء من قانون انتخاب عادل تتمثل فيه فئات المجتمع( المكون الحقيقي), مرورا بالمحافظة على نمط اقتصادي خدماتي, وليس انتهاء بتحريك العصبيات الطائفية والمذهبية.

ان هذه الحالة ليست وليدة ساعتها, بل هي حالة متطورة من الشكل للذي انشات عليه لحظة ولادة دولة لبنان الكبير, والمزيد من فهم هذا الالتباس وتحديد جذوره لا بد من القاء نظرة تاريخية على نشوء هذا الكيان, مستعينين بدراسة للدكتور فواّز طرابلسي (صلات بلا وصل ) الصاد ر عام 1999 عن دار الريّس للنشر.

كان لاعلان لبنان الكبير بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى, وتقسيم مناطق نفوذ السلطة العثمانية بين فرنسا وبريطانيا اسبابا اقتصادية. بحيث التقت هذه الاسباب مع مصالح شريحة من سكان جبل لبنان, والتي كانت تتعاطى الشان التجاري والتجارة المالية مع الغرب.

وكانت الحجة الاساسية ان جبل لبنان بجغرافّيته غير قابل للحياة من الناحية الاقتصادية.فجرى تقسيم سوريا الكبرى تقسيما سياسيا, مع البقاء على وحدتها الاقتصادية, من اجل الحصول على القطن السوري والحرير البناني عبر شركات فرنسية سيطرت على قمم الاقتصاد في البلدين, ومن اجل ترسيخ اقتصاد ليبرالي حر يقوم على النشاطات التجارية والمالية والخدماتية مما ادى الى تمركز اقتصادي لدى حفنة من التجار بما زاد من ثرائهم ومن دون اي تدخل للدولة حينها لحماية الزراعة واصناعة مما ادى الى فروقات اجتماعية كبيرة.
ومنذ ذلك التاريخ حكم لبنان بسلسلة من المفاهيم والحتميات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا تزال ترخي بظلالها حتّى الان, وتشكل الاساس الفعلي لازماته وكوارثه السابقة والحالية.

فهذا اللبنان رسم له ان يكون مرتبطا سياسيا بالقوة الغربية المهيمنة على المنطقة, وانه بما هو بلد الاقليات الطائفية المتشاركة, فقد جاء دستور 1926 في ظل الانتداب الفرنسي, وارسى قاعدة سياسية تقضي بتوزيع مواقع الحكم على اساس طائفي عبر مجلس نيابي يلتقي فيه وجهاء الطوائف, وعلى قاعدة اقتصادية تقوم على اساس الشراكة التجارية بين شريحة التجار في جبل لبنان والمتميزة” بالنوعية” “والنخبة”و”القلة ألعددية”, وبين وجهاء الطوائف( الاطراف) المتمثلة بالاقطاع السياسي مع ما يستتبعه من وجود زعامات ورعايا وكثرة عددية, مما يشير الى البعد الثقافي لتكوين هذا المجتمع القائم على ثنائيات جغرافية واخلاقية وسياسية واقتصادية وولاءات خارجية تكون الغلبة فيها لمناطق المركز على حساب مناطق الاطراف الملحقة لاسباب اقتصادية.

هذه الثنائيات تكاد تودي الى ازمة وطنية عندما لا تزال تحكم بعض افراده( المتواجدين في السلطة) هواجس او عقدة هذه الثنائية, فعندما يفطن احد المنتمين الى الاطراف ويّدعم وجهة نظره الخاصة “بالّّّكّم”غير مدرك ان هذا الكم ضمن التطور التاريخي قد تحول الى ” نوع”- فيرد عليه احد المنتمين الى المركز( والمسكون بالهاجس النخبوي9 بان لديه “نوع” غير مدرك ان نظرية النوع تتسم بالعنصرية, والتي ادت الى ابشع الجرائم البشرية في التاريخ, وان العصر الحالي هو عصر انفتاح وعلم وتكنولوجيا, مما ازال الحواجز بين الدول والامم, فكيف بالحري بين المركز والطرف؟

وسط هذه الانقسامات والثنائيات, شهد لبنان ازمات متعددة وحروب اهلية كرسها النظام السياسي الطائفي, والاستقواء بالخارج حيث تحتدم الصراعات الاقليمية والدولية وتجري تصفية حساباتها مستبيحة الساحة اللبنانيةو و محولة ابناءها الى وقود.

هذا الواقع الخطير الذي نعيشه يضعنا امام مسؤولية كبيرة لاستثمار هذه اللحظة السياسية حيث تتوافر كل المقومات الوطنية الضرورية من اجل تحويل هذا الكيان الى وطن حقيقي ديموقراطي. ليس بالاعماد على الخارج, حيث سيعمد هذا الخارج الى اسقاط مفاهيمه (المرتبطة بمصالحه) وديموقراطتية على مجتمع اظهر ما يكفي من الوعي والنضج السياسي, مما يخوله رسم مستقبله, عبر ديموقراطية تنبع من مكوناته و خصائصه الذاتية وذلك يجب الدعوة الى عقد مؤتمر معالجة وطنية, تضم عددا من الافرقاء المتعّقلين والمتمرّسين خارج السلطة الرسميةالتي اضحت في عزلة وغربة وباتت لا تمثل الا نفسها, وتعيين حكومة مؤقتة, مهمتها وضع قانون انتخاب ديموقراطي عادل, مما يتيح اجراء انتخابات نزيهة تفضي الى مجلس نيابي تمثيلي وطني, يؤسس

لنظام حر ديموقراطي, يحل مكان مجلس نيابي طوائفي اسس لكل ازمة وحرب, وشّكل مدخلا لكل تدخل خارجي.

المواضيع
تاريخ
البلدان
سوريا لبنان
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الدولة القومية السياسة اللبنانية الطائفية المواطنة لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.