كمال جنبلاط
فواّز طرابلسي
ذلك السادس عشر من آذار، لثلاث وثلاثين سنة خلت، كان يوم أربعاء.
فجر الثلثاء، اعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، والضيوف، في القاهرة، ينتظرون وصول كمال جنبلاط من بيروت لالقاء كلمة الحركة الوطنية اللبنانية من على منبر المجلس. غادر القائد الفلسطيني أبو صالح على عجل الى بيروت لاصطحاب حليف المقاومة الفلسطينية. فجر الثلثاء، الطائرة الخاصة جاهزة للاقلاع. إعتذر كمال جنبلاط عن السفر في اللحظة الاخيرة. عاد ابو صالح وحيدا. لم يدرِ احد الى الآن لماذا تخلّف جنبلاط عن السفر ذلك اليوم الذي سبق يوم مصرعه.
في يوم الثلثاء ذاته، فوجيء اعضاء وفد الحركة الوطنية اللبنانية في القاهرة الذين كانوا يجرون الاتصالات تمهيداً للزيارة بأن السلطات المصرية لم تكن متحمّسة لمجيء جنبلاط الى مصر. تذرع المسؤوليون بالمصاعب الامنية وضيق الوقت لترتيب زيارة رسمية وتأمين مقابلة مع الرئيس السادات. هل نصدقهم؟
سرّان إضافيان من اسرار ذلك اليوم الرهيب.
لم تكن حياة كمال جنبلاط بغريبة عن عالم الاسرار. فهذا الباحث دوما في اسرار الوجود تضجّ حياته بالالتباسات والمفارقات والتناقضات في المشاعر والافكار والسلوك والخيارات. ولكن كأنه قدّر له ان يوحد كل هذه في وحدة واحدة ليبلغ وضوح الرؤيا وإكتمال الصيرورة وهو يقترب من خياره الاخير والمعركة الفاصلة.
الوريث الشاب، الذي تلقى علومه عند الآباء اليسوعيين في عينطورة، حوّل سياسة الاسرة المقاطعجية من التحالف مع الانتداب الفرنسي الى المساهمة في معركة الاستقلال اللبناني العربي على تواضع قدراتها والتضحيات.
خلال العهد الاستقلالي، بدا كمال جنبلاط لفترة حياديا من حيث تعيين هوية لبنان. في وجه الإنقسام اللبنانوي-العروبي السائد، لم يركن الى التسوية «الميثاقية». بين هذا وذاك، إختار «المواطنة». للمناسبة، كم هو راهن هذا الخيار، زمن اختلاط الانتماءات وطغيان «الهويات القاتلة»!
الارستقراطي الذي لم يستطع التعايش مع الرأسمالية، أسس الحزب التقدمي الاشتراكي عام ١٩٤٩ بعقيدة هي مزيج من الحنين الى اشكال من التعاون قبل الرأسمالية ومن الاصلاحات الاجتماعية المستوحاة من «دولة الرعاية» الاوروبية. ولكنه كان يشطح به الخيال احياناً فيدعو الى المزاوجة بين الماركسية-اللينينية والاسلام. او تلقى حامل وسام «لينين»، احيانا اخرى، ينتقد الشيوعية لفقدان العنصر الروحاني فيها.
إستقبل جنبلاط ثورة ٢٣ يوليو المصرية بتحفظ. كان على رأس معارضة شعبية واسعة اطاحت عهد بشارة الخوري. وما لبث ان إنضم الى عروبة ناصرية بعد لأي تحت وطأة الانحياز الغربي لعهد كميل شمعون والعدوان الثلاثي على مصر. ثم اعتنقها بحماس والتزام.
وهذا الصوفي، تلميذ المهاتما غاندي وحكماء الهند، الذي يعتكف يوما في الاسبوع للرياضة الروحية، هو نفسه الرجل الذي قاد «ثورة» ١٩٥٨ المسلّحة ضد الانحياز لسياسة الاحلاف العسكرية ولمنع التجديد لكميل شمعون.
كمال جنبلاط، هو قبل اي شيء آخر السياسي المشاكس للحكام. يخرج من لقاء ماراثوني مع الرئيس حافظ الاسد، في احد أخطر لحظات الحرب الاهلية، ولا يتحرّج في الإعلان ان الاجتماع قد فشل في التوصل الى اتفاق.
وفي حضرة الملك فيصل بن عبد العزيز ينتقد توظيف السعودية جلّ ارصدتها النفطية في اوروبا واميركا. ويحثّ الملك السعودي على ضرورة الاعتراف بالاتحاد السوفياتي لتمكين العرب من حيازة اسلحة متطورة لمواجهة الاسلحة الفتاكة التي تغدق بها القوى الغربية على اسرائيل.
يصدف ان قطر كشفت الآن، ولاول مرة، عن توزيع أصول صندوقها السيادي الذي تودع فيه فوائض عائدات النفط والغاز، التي تقدّر بـ٥٠٠ مليار دولار اميركي. على غرار كمال جنبلاط، يجوز سؤال امير قطر لماذا يوظّف ٦٠-٨٥٪ من أصوله السيادية في اوروبا واميركا الشمالية؟ وعلى طريقة كمال جنبلاط، ينبغي طرح السؤال ذاته على كل حاكم من حكام الدول النفطية العربية، سلالية أكانت ام جمهورية توريثية؟
وعندما يعود جنبلاط الى السعودية مجددا إبان حرب السنتين، يأخذ في تحريض الامير عبد الله على الانفتاح على جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. ولكن، عندما زار عبد الفتاح اسماعيل بيروت، وإلتقاه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في فندق البوريفاج، لم يعفِ كمال جنبلاط حكام عدن من … خيره. سأل اسماعيل عن النظام الانتخابي في اليمن. أجابه عبد الفتاح بأن حق الترشّح في الانتخابات محصور بالحزب الاوحد، الحزب الاشتراكي اليمني. «بتنتخبوا حالكن، يا عمّي؟» كان تعليق جنبلاط الساخر.
كمال جنبلاط، زعيم الطائفة التي حكمت جبل لبنان، حين كان يسمّي بإسمها سابقا، والمهددة أبداً بالتحوّل الى أقلية مهمّشة في لبنان-الكيان، لم ينسَ انقلاب الاقدار ومراوغات التاريخ. لكنه حوّل الردّ من السعي الى انقلاب الغلبة الطوائفية الى تجاوز النظام الطوائفي بكامله للعبور الى لبنان الديمقراطي العلماني، حسب تعبيره الاثير. فيما يتعدّى توازنات القوى والاصطفافات الاقليمية والدولية، تجرأ كمال جنبلاط، لا على الدعوة الى «الغاء الطائفية». ولا جرأة في ذلك. تجوأ على ترؤس حركة شعبية عملت على تجاوز النظام الطوائفي عمليا، في مهمة مزدوجة حملت في احشائها كل مأساوية المحاولة: الدفاع بالسلاح عن المقاومة الفلسطينية والسعي للتغيير الداخلي في آن معا.
في مغامرته الفاشلة هذه، تجاوز كمال جنبلاط السياسة، او أشّر الى سياسة من نمط آخر: السياسة التي هي الواسطة التي يسيطر بها البشر على مصيرهم. ولعله بذلك بلغ بذلك ارقى درجات «الفرح»، عنوان أجمل مجموعاته الشعرية.
وجنبلاط في تحوّله واستشهاده يلقي على من لا زالوا يؤمنون بضرورة تجاوز النظام الطوائفي، مهمّة ان يفشلوا أقل في المرة القادمة، او ان يفشلوا بطريقة أفضل، إن لم يستطيعوا ان ينجحوا كليا. بل قل: لكي يستطيعوا ان ينجحوا كلياً في نهاية المطاف.
لستُ من الفريق الذي يداوم في المختارة في مناسبات السادس عشر من آذار.
ولكني هذه السنة، فيما يتعدى الزيارات والتسامح والنسيان وما سوف يقال وما لا يقال، أريد هذه الكلمات وردة حمراء على ضريح كمال جنبلاط.
