كلمات، كلمات، كلمات
فواّز طرابلسي
الكلام عن البرامج الانتخابية يحتاج الى تبرير.
يقول لنا الطرفان: لا تأخذوا برامجنا على محمل الجدّ. يصف رئيس رئيس الاكثيرة النيابية ان برنامجه بإسم «تيار المستقبل» هو من قبيل الوعود والتمنيات لا غير. ويعتذر سمير جعجع سلفاً من انه قد لا يتمكن من تنفيذ برنامجه بسبب «الظروف» التي تمرّ بها البلاد.
حقيقة الامر ان آخر برامج صدرت عن افرقاء كتلتي ٨ و١٤ آذار إن هي الا رصف لعشرات الوعود والمقترحات والمطالب والامنيات لا ترابط فيما بينها ولا بيان لكيفية تحقيقها او لمسارات واكلاف تنفيذها، ولا هي تتراتب في اي سلّم للاولويات. الداعي الرئيسي الى التعليق عليها هو مدى القرابة فيما بينها.
في البدء، يطالعك الحرص المشترك على التشاركية والعيش المشترك والسلم الاهلي. حتى ان حزب الله يرفع هذا الثالوث الى مستوى القداسة. واللافت ان الاستنجاد بمرجعية مؤسس «القوات اللبنانية»، بشير الجميّل يجمع «التيار الوطني الحر» مع الجيل الجديد من ابناء الجميّل، ناهيك عن «القوات اللبنانية». وقد يتساءل المرء ما الذي اضطر حزب الله الى ان يلتقي مع الكتائب و«القوات»، ناهيك عن «التيار»، في رفض توطين الفلسطينيين في لبنان. وما الذي جرّه الى هذه المكذبَة حمّالة التجييش العنصري ضد الفلسطينيين ناهيك عن غريزة التهجير.
بعض المشترك يدعو الى العجب. «الغاء الطائفية السياسية»(حزب الله) والدولة المدنية («المستقبل) مطلبان جديدان. ولكن هل يستوى هذا او تلك دون وقف تدخل رجال الدين في السياسة ومنع اقحام المقدّس في السجالات السياسية وانشاء مجلس شيوخ للطوائف بعد تحرير مجلس النواب من القيد الطائفي وتشريع القانون المدني الاختياري للاحوال الشخصية؟ بدون هذه جميعها، يكون لالغاء الطائفية السياسية معنى واحد: تغليب الكثرة العددية الطائفية ليس الا.
وثمة اجماع على سنّ قانون «جديد» او «عادل» للانتخابات (والكل صوّت لقانون الـ٦٠!). يضارعه اجماع على التغاضي عن حقيقة ان ما يحتاجه قانون الانتخاب قبل اي شيء آخر هو استواءه على قاعدة تتيح للبناني ان يقترع حيث يعيش ويسكن لا حيث مسقط الرأس. وأما وما عداه فتزوير بتزوير.
على ان الالتقاء الاكبر يتم في البرامج الاقتصادية الاجتماعية التي يهبّ عليها هوى نيوليبرالي حميم. يفاخر «المستقبل» بالثالوث الذي تقوم عليه الدولة الرأسمالية- اقتصاد حر، مبادرة فردية، ملكية فردية- الذي بفضله صارت لنا اعداد فلكية من العاملين في المهن الحرة وتضخمت الطبقات الوسطى والفئات المتعلّمة. والحال ان هذه البيانات حري بها ان تشكل مصدر قلق لا العكس. فهي تدلّ على الاختلال الكبير في النظام التعليمي وفي التركيب الوظيفي للمجتمع. ثم ان النائب سعد الحريري، وقد افادنا بالاحصائيات عن تلك الحالة، لا يفيدنا كم من الربع مليون جامعي مثلا موجود الآن في الوطن وكم منهم اضطر للعمل في الخارج. ومن يكترث بأن نظامنا التعليمي الجامعي لم يعد له وظيفة غير الانتاج للسوق الخارجي؟ والكل يريد الحد من الهجرة. وكأن الاختلالات العميقة في التركيب الوظيفي والقطاعي للاقتصاد وفي النظام التعليمي لا علاقة لها بكون اكثر من ٣٠٪ من السكان العاملين يعملون في الخارج!
الكل يطالب بخفض المديونية. ولا احد يتبرّع بإبلاغنا كيف يتم ذلك. وخصوصا كيف يمكن حل المعادلة الصعبة بين هذا الفيض من الوعود بتحسين احوال العباد (ناهيك عن الانماء المناطقي المتوازن) وما تتطلبّه من إنفاق حكومي تمارسه دولة «الرعاية» و«الحماية» و«العناية»(مصطلحات «القوات» و«المستقبل» وحزب الله) وبين مديونية لم يعد بوسع احد السيطرة عليها. وهل يمكن ذلك بغير اعلان حالة طواريء اقتصادية اجتماعية والمسّ بمستوى ارباح المصرفيين وكبار التجار والمقاولين وفرض التقشّف ومنع الهدر وبدء المحاسبة على الفساد بديلا عن إضجارنا بالتهديد بفتح ملفاته.
المفردات النيوليبرالية في خطاب «تيار المستقبل» قد لا تثير دهشة كبيرة. يتحدثون عن استقطاب «الاستثمارات الخارجية المنتجة». كأنهم لا يعرفون انه عندما «تُستقطَب» هذه الاستثمارات فهي لا تكون «منتجة» بل تذهب الى حيث اعلى مردود للتوظيف في العقارات وسندات الخزينة او في الإنفاق الباذخ.
بعض الغرابة ان يجاري حزب الله خصمة في ٨ اذار في الانضباط بقوانين النيوليبرالية والمصطلحات، إذ يتحدث عن «رفع الانتاجية التنافسية» بعيدا عن اي مطلب حمائي للقطاعات الانتاجية، والعياذ بالله.
كلمات. كلمات. كلمات.
الوعود الكبيرة تخفي الاستهتار بالقضايا اليومية في معيشة المواطنين: اسعار الخبز والمحروقات، الشح المائي، انقطاع التيار الكهربائي، الخ. بالكاد يرد ذكر مراقبة الاسعار، او ضبطها، او خفضها، وقد إبتلع إرتفاع الاسعار زيادة الاجور الاخيرة في غضون اسابيع، حتى لا نقول ايام. ولا احد مهموم بالربط بين الاجور والاسعار. ينفرد حزب الله في الدعوة الى الحد من احتكار سوق الدواء. لن نكتفي بالسؤال «كيف»؟ ولكن لماذا لا يطالب بالحدّ ايضا من الاحتكار في سوق المواد الغذائية والمحروقات مثلا.
ثمة مقدار من القحة في الدعوة الاجماعية لتوسيع التعليم الرسمي ودعم الجامعة اللبنانية عندما تصدر عن زعماء الطوائف واحزابها وهم انفسهم اصحاب المدارس الدينية والمذهبية الخاصة. اما عن التعليم الجامعي، فيجري الحديث كأن ما احد تقصّد اهمال الجامعة اللبنانية والتقطير عليها خلال سنوات الانماء والاعمار الطويلة. وما احد يتسلطن منذ الطائف على القرار والادارة التوظيف في فروعها الاولى على الاقل؟ وكأن «المعارضة» لم تشارك في الحكومات التي رخّصّت لعشرات الجامعات الخاصة، والكثرة منها إن لم يكن كلها، جامعات دينية ومذهبية.
تذكّرنا هذه البرامج بأن لا صلة للمنافسة الانتخابية بتحقيق مطالب او تلبية حاجات او التعبير عن تطلعات. مثلما لم يغلّب احد نفسه عناء تقديم جردة حساب عما فعله قياسا على برنامجه الانتخابي السابق، ناهيك عن بياناته الوزارية العديدية، لن يغلّب احد نفسه ممارسة مسؤولياته النيابية والوزارية والحكومية قياسا الى ما قد وعد بتنفيذه.
والمعركة حامية وما زالت في اولها!
