العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

كلام الناس للناس

في خضم انشغال السياسة بـ«الأولويات» الكبرى، تُهمل قضايا الناس اليومية من ماء وكهرباء وفقر، وتُعالج بسطحية أو إحسان، بينما تتجاهل الدولة مسؤوليتها الحقيقية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

كلام الناس للناس

فواز طرابلسي

الان وقد احتفلنا بالذكرى الرابعة لحرب تموز. وخاض الجيش معمودية الدم مجددا على الحدود. وتقاربت المواقف من وضع اسرائيل في دائرة الشبهات في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. في وقت تبدو فيه الفتنة نائمة، او في قيلولة، فيما ينخفض صوت المفتونين بالتهويل بالفتنة. ومر الموسم الاصطياف بامان. وفي انتظار ما سوف تسفر عنه جلسة مجلس النواب المخصصة للنفط وحقوق الفلسطينيين، نستطيع ان ننظر في عدد من القضايا «الصغيرة» التي لا تستحق ان تصنّف في باب الاولويات الواردة اعلاه. ومعلوم انالاولويات عموما اخذت تتراتب وقد باتت على طاقين، في اقل تقدير. هناك مرتبة الاولويات العادية – وهي بالمئات – وهناك مقام «صدارة» الاولويات. ومهما يكن، كلها اولويات الا قضايا الناس البديهية ومصالحهم الضرورية.

الماء. يؤكد اللبنانيون يوميا تعطشهم الى الماء، في هذا القيظ المجرم، قدر تعطشهم الى ان يرد جيشهم على الاعتداءات الاسرائيلية على الحدود كما فعل في عديسة. ومع ذلك لن يندرج توفير الماء لكفاية اللبنانيين في عداد الاولويات. سوف يبقى اللبنانيون على عطشهم المائي، في وقت تتلوّث فيه موارد البلد المائية او تهدر مياه انهره في البحر مع انه توجد تصاميم لعشرات السدود لحفظ المياه تنتظر التنفيذ منذ الاستقلال.

الكهرباء. هل من الضروري ان ننتظر ان يهل علينا «نور» الحقيقة من المحكمة الدولية لنخرج من ظلمات التقنين؟ الناس في الشارع من منيارة الى صور ضد تقنين الكهرباء، يقولون «لا»: غاضبين يحرقون الاطارات ويقطعون الطرقات، حتى ان بعض الصحف يتحدث عن «انتفاضة». ومع ذلك، يبلغنا المسؤولون بأن ساعات التقنين سوف تزداد ولكنهم يطمئنوننا انها موزعة على المناطق بالتساوي. وهكذا اذا لم يكن هناك من تمييز مناطقي (او طائفي) في توزيع الحرمان من الكهرباء، علينا ان نطمئن الى العدالة في التوزيع متحققة! وتزوزنا باخرة تركية تنتج من الكهرباء ما يسمح بخفض ساعات قطع التيار. فيتبيّن ان الباخرة في زيارة ودية لمرفأ بيروت اما التعاقد معها فينتظر البدء بتنفيذ هذا الخطة الخماسية.

غلاء المعيشة. هل من مستلزمات الاحتفال بموسم الاصطياف ان ترتفع الاسعار ثلاثة اضعاف في مناطق الاصطياف وان تتضاعف ضعفين في سائر البلاد؟ يبدو انه صار من اصول الضيافة، في هذا البلد المضياف للوافدين الاغنياء والنابذ والطارد والقاتل للوافدين او العاملين الفقراء، صار من اصول الضيافة ان يدفع المواطن من جيبه ومستوى معيشته وعرق جبينه ثمنا لشهوة المستوردين والتجار الى الربح الفاحش السريع عن طريق سلب المصطافين، من لبنانيين مغتربين وعرب، آخر دولار في جيوبهم. وارجو ان لا يحدثنا احد عن موجة غلاء عالمية. فهذا هو الكذب عينه.

زحمة السير. لا بد من الاعتراف بأنه تصعب اقامة الصلة بين زحمة السير والازمات الاقليمية ام المهمات التي تقع في َ « صدارة » الاولويات. ولكن القاء المسؤولية على شرطة السير، او الصراخ باعلى الصوت «ما في دولة » – في وجه حكومة تحالف «الاستقلاليين» و«الوطنيين» المتوافقين على «بناء الدولة» – لم يعد جائزا، ناهيك عن عادة تحميل ازمات السير لحفريات وزارة الاشغال الصيفية. ولكن من يغلب نفسه الدراسة الجادة للموضوضع ليعثر عن حلول تتعدى زيارة عدد المرائب في العاصمة؟ فيدرس مثلا التمركز السكاني في بيروت الكبرى، وارتفاع اسعار الشقق والايجارات داخل العاصمة بسبب المضاربة العقارية ما يطرد اكثرية السكان والشباب خصوصا الى الضواحي بحيث باتت بيروت الكبرى تمتد من صيدا الى جونيه، فيهجم يوميا على مداخل العاصمية لا اقل من ٤٠٠ الف سيارة. ويمكن من يهتم بمعالجة ازمة السير ان يفكر في بشاعة وضرر العادات الاستهلاكية الفاحشة عند قسم كبير من اللبنانيين، خصوصا الاثرياء والطبقات الوسطى والمغتربين ممن يقتني عددا من السيارات للاسرة الواحدة ويتباهى في حيازة السيارات الاغلى كلفة وفي مقدمها الرباعية الدفع، بحيث بات لبنان بين الدول الاولى في استهلاكها عالميا.

الفقر. هذا على الاقل موضوع درس. فقد اعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية عن برنامج ابحاث لقياس الفقر يستغرق ثلاث سنوات ويكلّف ٩ ملايين دولار. ومع ان هذه هي المرة الثالثة او الرابعة نمارس بها هذه الرياضة الفكرية بعد الحرب، الا اننا لن نضطر ان ننتظر كامل مهلة السنوات الثلاث لتؤتي الدراسة ثمارها. ففي النصف الاول من العام ٢٠١١ يكون قد جري تحديد الاسر التي تعاني «الفقر المدقع» فيخصص النصف الثاني من العام لتوزيع «المساعدات والتقديمات العينية» عليها. وهكذا بعد عقد من الزمن من دخولنا عالم «وأد الفقر» العالمي، نعالج الفقر بالاحسان. ولكن ايانا حتى التفكير في معالجة «البيئة الحاضنة » للفوارق الطبقية التي تنتج الفقر!

لماذا لا نقيس «الغنى الفاحش» بديلا عن «الفقر المدقع»؟ فنكتشف كيف جمع رجال المال والاعمال والسياسيين وزعماء الحروب اموالهم والثروات، في الداخل والخارج، بالسياسة او بالوسائط الاخرى، الشرعية منها وغير الشرعية. ولهذا المسح قيمة تتعلق ببناء «الدولة العادلة» اضافة الى قيمته المعرفية، فتتعرف وزارة المالية مثلا بدقة اكبر على الطاقات المالية للمكلفين الاغنياء ما يعزز الجباية والواردات الضريبية للخزينة.

الحقيقة ان الدراسة عن قياس الفقر لا تختلف كثيرا عن حملة التبرع لتسليح الجيش. كلاهما يلتزم التحريم والتحليل المفروضين دوليا. ممنوع دوليا دراسة الفوارق الاجتماعية. ومفروض قياس الفقر بما هو آفة تستدعي الاحسان. كذلك الامر، ممنوع تزويد الجيش اللبناني باسلحة دفاعية وخصوصا اسلحة الدفاع الجوي. لأن الدول المانحة ملتزمة بالتحريم الاميركي الاسرائيلي. ولم يعد مؤكدا ما اذا كان التسلح بالذخائر والاسلحة العادية في نطاق التحليل. هل المسموح التبرع للجيش؟

لماذا التبرع للجيش؟ لم نسمع ان ميزانة الدفاع مقصرة عن حاجات المؤسسة العسكرية. ولو انها كذلك، لوجب تغذيتها. ثم ان المقاومة تملك لا اقل من ٤٠ الف صاروخ كفيلة بأن تشكل قوة ردع فعلية في توازن قوى اقليمي جديد مع اسرائيل. فما يحتاجه الجيش اللبناني ليس تسليحه عموما وانما بالدفاعات الارضية للرد على خرق الطيران الاسرائيلي اجواء لبنان عدة مرات في اليوم في نقض سافر للقرار الاممي ١٧٠١ ! هذا هو التعبير العيني عن معادلة الشعب-الجيش-المقاومة. اما التسليح الخارج عن اولوية الدفاعات الارضية فلا غرض له الا القمع الداخلي.

التبرع للجيش مثل التبرع للفقراء. ثمة دائما امر مشبوه في إحسان الاغنياء: التهرّب من الحقوق التي للفقراء. وثمة امر مشبوه في تبرعات السياسيين: التستير على الاموال والارباح والمداخيل المكتسبة من خلال السلطة السياسية. والتهرب من قانون من اين لك هذا؟

مولوا حاجات الجيش الى منظومات دفاع ارضية من موازنة الدولة ولو للتأكيد على ان الدفاع الوطني لا يزال شأنا من شؤون الدولة ولم يتم خصخصته مثل كل شيء آخر في هذه الجمهورية.

مولوا تسليح الجيش بقروض من البنك المركزي الذي فاقت موجوداته هذا الشهر ٣١ مليار من الدولارات.

مولوا تسليح الجيش بفرض ضريبة خاصة للدفاع.

لا نقول تسولوا للتسلّح مثلما تتسولون لكل شيء من ايفاء البنوك اكلاف خدمة الدين الى اعمار الجنوب. ولكن الذين رفعوا اليافطات يعمّدون فيها امير قطر شريكا في انتصار تموز، والذين اعلنوا ان البيت الذي دمر في الجنوب وإعيد بناءه باموال دولة قطر هو «بيت» الامير، فليطالبوا حمد بن خليفة آل ثاني بقرض ميسّر لاغراض الدفاع، لكي يستطيع الجيش اللبناني ان يدافع عن «بيوته» ضد غارات الطيران الاسرائيلي.

المواضيع
سياسة علاقات دولية
البلدان
فلسطين لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
إسرائيل السياسة اللبنانية الصراع العربي الإسرائيلي المقاومة اللبنانية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.