العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

قضية سلمان رشدي: اللعبة الشيطانية

فتوى الخميني سياسة قبل أن تكون إيماناً؛ والغرب يزايد على دم رشدي لينسى دم الفلسطينيين.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

في «الآيات الشيطانية»، كتب سلمان رشدي ــ المسلم الهندي البريطاني الجنسية ــ رواية رفيعة القيمة فنياً وأدبياً من حيث البناء والخيال والأسلوب. وربما تكن دوافع رشدي للكتابة بالانكليزية، إلا أنه يقتحم اللغة اقتحاماً بحرية وجسارة الشرقي الذي يرى في مستعمره السابق في قدس أقداسه وستودع في حضارته. وتروّج الرواية عملين سابقين هما «أطفال منتصف الليل»، و«العار» تناولان تجربة جيل الاستقلال الهندي وانقلاب ضياء الحق في الباكستان، على التوالي.

في واقعتها التخييلية المشبكة بالسياسية والتاريخ، يجمع سلمان رشدي مهارة الراوي الشرقي وخياله إلى سبر أعمق إمكانات الرواية الحديثية، أي تعبيراته عن عالم متعدد، مسرور، يضع بالخيارات المتحولين الصعبة. يرفض تكلية الكاتب مهمة نيسمه وترك منهة «بناء صور عن العالم» للسياسيين، ويدعو للخروج من «بطن الحوت»: «خارج بطن الحوت يتجمد الحوت لسانه، خارج بطن الحوت توجد الحاجة الملحة لتخدير السياسي، ولابتكار لغات جديدة تمكننا من فهم العالم، ولابتكار قصص جديدة نكتشف فيها من نحن».

وبكل هذا الالتزام يحتفي حسناً حتى منبر اليسار، عبر سلمان رشدي عن مواقف جريئة من الإمبريالية والعنصرية، من التضامن ونضالات شعوب العالم الثالث وبخاصة منها الشعب الفلسطيني. وهو صاحب تحقيق النمر من زيارة إلى نيكاراغوا بعنوان «إبتسامة النمر» يدافع فيه دفاعاً ذكياً عن تجربة الديمقراطية اليسارية التي يحاولها الثوار الساندينيون.

ثارت الضجة على «الآيات الشيطانية» بسبب ما تضمنته من فصول حكمية عن نشأة الإسلام والسيرة النبوية. ومن هذه الفصول: أزمة مكة الاقتصادية مستفية النظام البطركي الجديدة (متنافسة الشعاء ديني مع بتدئي شقائل الجاهلية)؛ صراع الإسلام مثلاً للماء ومرتكزاً إلى سقاة الرأسمال والاحتكار والاغتراف ضد مدينية أريستقراطية فاسدة مبنية على الرمل؛ الدعوة الجديدة والأصنام والشعراء؛ حادثة الغرانيق ومشروع التسوية بين الرسول وقريش، النبوة والمرأة، إلخ.

صحيح أن معظم هذه الأحداث هي مما تلقاها في التاريخ الطبري معرفياً لنا. فمسؤولية في الرواية كلها ليست مسؤولاً أيضاً أنه من كل ما وقع بها شخصياته. لكن لنفي ذلك يفترض في الروائي رشدي حضوراً مباشراً في جملة من التصورات والآراء المذكورة فيها بتصديرها عن شخصية الرسول وزوجته عائشة والصحابة.

ثم أن رشدي يكتب عن الإسلام في الغرب وللغرب، فما له أن «يمارس مثل هذا الاستشراق الجذري الظالم» في نظر الإسلام، حسب السؤال الذي طرحه الروائي إدوارد سعيد في تعليقه على القضية. فكأنها لا أدوار أسمى في ابهار الغرب، وكأنها لا الاستفزاز سعياً لابهار الغرب، وكأنها لا سعيد أن أنسمه دليناً!

وليس ما آلبار بحساني في عالم رسمالي بشكل الكتاب فيه سلعة من السلع، والكتاب الم مثل للفضيحة والزواج سلعة ثمينة. أما أن تكون مشاعر المسلمين عبر العالم، على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والسياسية والعرفية، قد جُرحت بما تضمنته الرواية من إساءة ومس مسلموا أوروبا الذين يدفعون يومياً ثمن «إختلافاتهم» الديني والثقافي إستقلالاً استحساناً من قبل مواطنيهم الأوروبيين وأذلاء لا عنصرياً، فأمر لا شك فيه.

وقد اعترف أرشدي نفسه، واعتذر عن أنها شيء من الذي لم تفهم منه منهم أخطاء، ووجدت حقهم في التعبير عن غضبهم، وتقدموا عن بعض إجراءاتهم وتظاهراتهم، بمقدار ما يعتقد أن حرق الكتب والفاتوى الإعدامية والتحريضات على لوائحه، تسليماً بمثل هذا السلاح، فيه من الدفاع عن إيمانه ومعتقداته ما تكرره أكثر من مرة من مقلدي مفهوم ذي تحكيم العقل في هذه المسالة الثلاثة، ومن بينهم الروائي الكبير نجيب محفوظ.

فتوى الخميني واعتباراتها السياسية

إتخذت قضية سلمان رشدي بعداً مختلفاً تمام الاختلاف عندما أفتى الإمام الخميني في شباط / فبراير الماضي بقتله. ودعت وبسرعة إحدى الهيئات الإيرانية إلى وضع ملايين الدولارات لرأسه. أنطوت الفتوى على اعتبارات سياسية أكثر منها إيمانية. واضح في الفتوى إرادة الخميني لوقف حربه مع العراق ــ بعد تحقيق الحد الأدنى المعلن من شروطها أفتوها لإطلاق النار ــ وتصميمه إلى الرئيس العراقي، وكبح تيار داخلي في القيادة الإيرانية يدعو لإنهاء الحرب ويقرن ذلك بالانفتاح على الغرب وبالتراجع عن إجراءات اقتصادية دولانية اتخذتها القيادة الإيرانية خلال الحرب.

وتكتمل النكهة إذا أدرجنا لها بداية الانتقاضات السوفياتية العسكري من أفغانستان وسعي القيادة الإيرانية لزيادة نفوذها في أوساط «المجاهدين»، بالتقدم من حصة الشركاء الأكثر ترفاً ــ العربية السعودية والباكستان.

اللعبة الشيطانية

ليس ثمة إسلام واحد يدين الخميني. لا من جوهري إسلامي باسم آية الخميني، حسب ردة فعل عدد من المثقفين المسلمين والعرب في الخارج الذين أرادوا التنصل الخجول من الفتوى القاتلة. في الإسلام، كما في أي ديانة أخرى، إسلامات من الاجتهاد والتأويل، تتعدد وتعين في التاريخ لا خارجه، حسبنا ذكر عزيز العظمة في مقالة «الناقد» وهو جمال عبد الناصر الذي قال ذات مرة رداً على سؤال من «الحلف الإسلامي» الذي نظمته العربية السعودية بأشرف أمريكي ضد وضد حركة التحرر العربية: «ليس يوجد إسلام واحد. يوجد مسلمون. والمسلمون مختلفون».

على أن الأنثى من فتوى الإعدام في حق سلمان رشدي هو حقيقة أن الكاتب الآن رهينة السلطات الإيرانية ـ مثله مثل أية رهينة أوروبية أو أمريكية أخرى في لبنان مثلاً ــ مع فارق أنه محتجز في منزل سري يكاد لم يكن به في «سكتلاندباردو» في مكان ما من بريطانيا. نرفع الاستحسان وندين بالشدة اللازمة، ولست نحسب لأي لحظة أن سلمان رشدي بمارسته يوماً ما من قبل التيار القاتل.

إضافة إلى أن المدير للكتب الذي طغى على وسائل الإعلام الغربية في قضية رشدي، وما أستنفرنا من مركبات تاريخية مشوشاً وجاهزة تجاه المسلمين والإسلام وقتما نضجت به أحياناً من قوة ثقافية وقية وعجز عن فهم «الآخر». تحيل القارئ إلى مكان آخر من هذه المجلة حيث يشهد واحد من أهل البيت ــ الكاتب والمفكر الفرنسي ريجيس دبريه ــ على ازدواجية المقاييس بصدد «حقوق الإنسان»، ويكشف عن بعض جوانب المسخرة والتضليل والنفاق في نظرة وسائل الإعلام الغربية لما في العالم الثالث، معتقداته، عذاباته، وقضاياه.

على أن الذي لم يعد يحتمل كشف عناصر لعبة شيطانية تجري بين أنظمة في بلادنا مع «الغرب» ووسائل إعلامه، هي أخرى تجر إلى حلقاتها أحياناً عدداً لا بأس به من مثقفينا وكتابنا. تتواطأ الاقامة منا أن تقال تلك الألوان «غرباً»، وتستدعي ما مثلها بل يستعلى عميقاً.

— ف.ط.

[ملاحظة المؤرشف: مقتبس بتنقيح أولي من صورة ضوئية. الأصل في مجلة «زوايا»، العدد الأول، تموز ــ آب ١٩٨٩، ص. ٣٠ ـ ٣١.]

المواضيع
أدب وفن سياسة علاقات دولية
البلدان
إيران
نُشر في
زوايا
المؤلف
فواز طرابلسي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.