العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

في ذكرى ثورة ١٤ تموز الفرنسية: بلى، نستطيع!

الديمقراطية لم تقم مرة بالوسائل الديمقراطية — وُلدت في مخاض عنف، والعنف قابلة لا أكثر. هل نستطيع؟ بلى، نستطيع.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

في ذكرى ثورة ١٤ تموز الفرنسية: بلى، نستطيع!

فواّز طرابلسي

في الذكرى العشرين بعد المائتين للثورة الفرنسية الكبرى، هل الحدث لا يزال يستحق ان نحتفل به؟ يستحق ولو على سبيل استلهامه لوضع بعض النقاط على حروف مسألة الديمقراطية ومساراتها الراهنية في منطقتنا العربية.

اكتسبت الثورة الفرنسية الكبرى (١٧٨٩-١٧٩٤) صفة رمزية بما هي افتتاح لعصر عالمي جديد وحاضنة نظام سياسي-اجتماعي يعرف بالنظام الجمهوري الديمقراطي. والسؤال الذي اثارته وتثيره عندنا كان ولا يزال: هل لها ولنظامها ادعاء الكونية؟ طرفان، يكادان يختزلان الوضع العربي تجاه هذه المسألة، يلتقيان على تغريب الديمقراطية وخارجيتها. طرف يطالب بأن يأتيه هذا الخارج بالديمقراطية. وقد برز بحدّة لدى ليبراليين وحداثيين في الحقبة البوشية واحتلال العراق ممن انتظر الديمقراطية محمولة على دبابات الغزو الاميركي للعراق تنداح على المنطقة كلها. فيما الطرف الآخر، ويضم الخصوصيين من اسلامويين وقوميين وعدد كبير من اليساريين، فيرفض الديمقراطية إما بإسم الخصوصية القومية والدينية والثقافية، وإما لأنها مفروضة علينا فرضا من قبل «الغرب».

الغريب في الموقفين قبولهما الضمني بالخارج يملي علينا مشيئتنا والاهداف. لعل السؤال الابسط هنا هو: هل ان اختيار الناس لحكامهم وحقهم في مساءلتهم ومحاسبتهم وتغييرهم اذا لزم الامر- وهذا هو معنى الديمقراطية- حق كوني ام محلي؟ هل ثمة شعب او حضارة تخلو من تقاليد ونزعات ودعوات وتيارات وممارسات تطالب بهذا الحق؟ بل هل توجد ديانة تخلو، في تطبيقها الزمني، من اجتهادات وممارسات تدعو للمساواة بين المؤمنين من حيث حقوقهم في السلطة والثروة؟

هذا على افتراض ان ثمة قوى غربية ارادت ان «تفرض علينا» الديمقراطية.

للتذكير فقط: كان التقليد الامبريالي الاورو-اميركي ينطوى دوما على تيارين اثنين في التعاطي مع العالم الآخر. واحد يرغب في فرض التماثل، بحجة ان مهمة الحضارة الغربية في «تحضير» سائر العالم يمليه عليها «عبء الرجل الابيض» تجاه اخوته في البشرية. تلك هي السياسة التي مثّلتها سياسات أدارتي بوش الاب والابن في ظل المحافظين الجدد. اما التيار التاريخي الاخر فيشدد على الاختلاف، سيان اكان يستنتج منه التفوّق والعنصرية او احترام الاختلاف. وهذا هو التيار الذي يرهص به الرئيس اوباما في خطابه الثقافوي-الديني الموجه للمنطقة: احترام الاختلاف والخصوصية والاعلان عن عدم الرغبة في فرض الديمقراطية او اي من «القيم» الغربية الاخرى، عليها. التيار الاول أورث المنطقة تدمير الدولة وتمزيق المجتمع في العراق واخضاع الرطانة الديمقراطية للمصالح القومية والجيو-استرايجية الاميركية وفق منطق «الديمقراطية لاعداء اميركا والاستبداد لاصدقائها». والثاني يبشّرنا بتعايش مع أنظمة الاستبداد والتوريث على شكليها: الانظمة النفطية السلالية من جهة والانظمة الجمهورية التوريثية من جهة ثانية. يكفيه مقدار من التعددية الحزبية والإعلامية في ظل حكم الحزب الواحد والفرد الواحد، واعتقال المعارضين وزجهم في السجون طالما انهم يقدّمون للمحاكمة ولو في ظل قوانين الاحكام العرفية.

تعيدنا هذه النظرة الى الديمقراطية التي تختزلها بوجه واحد منها هو تعددية الى الثورة الفرنسية وشعاراتها الثلاثة: حرية-مساواة-اخوّة. تجدر مقارنة سريعة بين تلك المثل الثلاثة والسائد حاليا في الخطاب الديمقراطي المعاصر. في هذا الاخير، تحلّ مقولة حقوق الانسان بديلا من العدالة، وتختزل الحرية بحرية التملّك وحرية السوق والربح. وتوضع حقوق الافراد في مواجهة حقوق الجماعات- بما فيها حق تقرير المصير للشعوب مثلا- والكل على حساب الحقوق الاجتماعية، من سكن، وعمل، ودواء، وضمانات اجتماعية، الخ.

في المقابل، طرحت الثورة الفرنسية المساواة بما هو المضمون للحرية ذاتها. والديمقراطية هي ابنة فكرة المساواة في الحرية. وابانت ان المساواة لن تصدر تلقائيا ولا طبيعيا عن الحريات السياسية، وانه لا يكفي الاقرار بالمساواة بين المواطنين، بل ينبغي تحقيق ومأسسة المساواة بينهم. وقد تبيّن ان هذا مسار تاريخي متعرّج وشاق وزمني لتجاوز كافة انواع التمييز بين المواطنين من حيث الجنس والعرقي والاثنية والاقوام والمذهب والدين وما الى ذلك.

أضف الى هذا كله ان ربط الحرية بالمساواة فتح الآفاق الواسعة امام ربط المساواة القانونية والسياسية بالمساواة الاقتصادية والاجتماعية. حيث تقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين البشر والجماعات من شأنه ان يحمي الحريات الفردية والمساواة القانونية والسياسية بين المواطنين في مواهة سلطان المال خصوصا.

بهذا المعنى، الديمقراطية ثورة. اي أنها عملية تحويل جذرية للعلاقات السياسية في المجتمع، تستأصل جذور الاستبداد بواسطة قوى مادية، على قاعدة اقتصادية واجتماعية معيّنة. لم تأتِ الديمقراطية مرة من خارج ولا فرضتها جيوش واحتلالات ولا تحققت في لحظة خلاصية. والثورة الفرنسية تؤكد ذلك ولا تنفيه. فقد إضطرت فرنسا الى ثلاث ثورات شعبية بعد إخفاق الثورة الكبري (١٧٨٩-١٧٩٤)- الثورة جمهورية عام ١٨٣٠ والثورة الشعبية ١٨٤٨ والثورة العمالية عام ١٨٧٠ (كميونة باريس)- من اجل استيلاد الجمهورية الديمقراطية اخيراً مطلع القرن العشرين! حتى في الحالات الاوروبية الاخرى تولدت الديمقراطية عن سلسلة متصلة من الصراعات والنضالات الشعبية: فقد إستغرق فرض حق الاقتراع العام لجميع المواطنين، خارج نطاق قيود التملك والتمييز بين الرجال والنساء، في العالم الاورو-اميركي، قرابة قرن على الاقل.

ليس الغرض من هذا التذكير الادعاء بأن المسارات الديمقراطية في بلادنا تستوجب مثل هذا المدى الزمني، بل هو الردّ على الرطانة الديمقراطية السائدة في عالم الجمعيات غير الحكومية والاهلية حيث يحلّ التبشير بالديمقراطية محل تشخيص طبائع الاستبداد وآلياتها وحيث يكاد يختزل مسار الانتقال الديمقراطي الى ورشات اعمال تربوية او تثقيفية لبشر، وشباب خصوصا، يعانون نقصاً في «الوعي».

اخيرا، لم تقم الديمقراطية مرة بالوسائل الديمقراطية. ولدت في مخاض من العنف. على ان العنف، بدرجاته المتفاوتة، ليس هو الذي يخصب المجتمع ولا هو الذي يولد، ولا هو ما يعوّض عن ظروف موضوعية وفعل ذاتي. انه فقط القابلة القانونية التي تساعد على الولادة.

بعد هذا كله، هل يبقى غير الاتكال على النفس وتقرير ما الذي نريده نحن لا ما هو مراد لنا؟ وهل مرادنا إنتخاب حكامنا بانفسنا ومسائلتهم ومحاسبتهم وتغييرهم، سلميا اذا امكن، ام لا؟ وهل نستطيع؟

بلى، نستطيع.

ولا نحتاج للتأكد من ذلك الى مثال الثورة الفرنسية.

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
العالم العربي فرنسا
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
التاريخ التاريخ الأوروبي الديمقراطية الربيع العربي النظرية السياسية

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.