العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

فزاعة التوطين - او عودة المكبوت

الكتائب «حطّت نقطة على السطر» عام ١٩٧٥ — فلماذا سقطت واستمرت الحرب ١٥ سنة؟ «التوطين» فزاعة يتداولها من لا يستطيع تقرير شيء.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

فزاعة التوطين

او عودة المكبوت

فواز طرابلسي

من عادات الافراد والجماعات عندما تشتدّ عليهم وطأة العجز عن تقرير اي شيء مهم يتعلّق بمصيرهم ان يتلهّوا بالخرافات والفزاعات.

أما ميدان الخرافات فالاثير فيه عندنا هي الخرافات عن الذات. فيرتفع منسوب العنفوان عن الاستقلال والحرية والسيادة، وشمخات الرأس، بارتفاع نسبة الاستتباع والعجز والاستسلام للخارج.

وأما عالم الفزاعات، فالاثير فيه طبعاً فزاعة «التوطين». ولم يكن مستغرباً ان تعود الى «الساحة»- وقد بات الاسم الحركي للبنان- لتملأ الوقت الفراغ الذي تنتظر فيه الطبقة السياسية نتائج المداولات بين الذين أعفوها من مهمة التقرير في الامور الاساسية المتعلّقة ببلدها.

والميزة الكبرى لفزاعة التوطين انها عابرة للانقسام بين ٨ و١٤ وحمالة أوجه بإمتياز. بل انها تسمح لافرقاء لا يجمع بينهما جامع ان يجتمعوا هكذا لتسجيل انهم… إجتمعوا. لذا تجد بند «التوطين» يعلو جدول اعمال اللقاء الاخير بين منسّق اللجنة المركزية لحزب الكتائب ورئيس تيار «المردة». في الامر بعض الغرابة. لا لشيء الا لأن حزب النائب سامي الجميل أبلغنا انه قد قضى باكراً على «مؤامرة التوطين». فمنذ شهور قليلة طلع علينا بحملة إعلانات شهيرة يعلمنا أحدها:«للتوطين حطّينا نقطة على السطر». ومتى؟ عام ١٩٧٥! منذ ذلك الحين، لم يتبرّع أحد بإعلامنا لماذا سقطت النقطة عن السطر.

مهما يكن، فابرز العاملين على اعادة النقطة الى السطر هو بلا شك رئيس «كتلة التغيير والاصلاح»، النائب الجنرال ميشال عون. وقد ارتفعت وتيرة تنبيه الجنرال لهذا الخطر منذ عودته من فرنسا وتحديدا بعد ان إرتأى ان شعار «تحرير» الوطن من «الاحتلال السوري» قد استنفد أغراضه إثر انسحاب القوات السورية من لبنان عام ٢٠٠٥.

خلال زيارته الاخيرة لدمشق، خصّ الجنرال الموضوع الفلسطيني بالقسط الاوفر من محاضرة القاها في حضرة طلاب كلية الهندسة بجامعة دمشق. قد يعجب المرء لماذا لم يجد الجنرال غير مؤسس علم النفس سيغموند فرويد والمؤرخ الاسرائيلي المنشق ايلان بابيه، يستشهد بهما مثالا عن يهود مناهضين للصهيونة. ولماذا اغفل أعلاما من المفكرين اليهود المناهضين للصهيونية امثال سبينوزا وكارل ماركس وروزا لوكسمبورغ والشاعر هنريش هاينه وليون تروتسكي، وآينشتاين، وغيرهم كثر.

لكن اللافت في رؤية الجنرال للقضية الفلسطينية هو انه صبّ جام غضبه في قصة الاحتلال الصهيوني الاستيطاني لفلسطين على قرار التقسيم لعام ١٩٤٧ الذي حمّله للامم المتحدة حصرا. فكأن لا مسؤولية لبريطانيا او الولايات المتحدة، ولا حتى للاتحاد السوفياتي – الذي أعترف بالدولة اليهودية حتى قبل ان تعترف بها الولايات المتحدة الاميركية!- عما أسماه الجنرال «الاذى الاكبر» الذي لحق بالفلسطينيين. وإذ تشدد الجنرال في مطالبته بالقرار ١٩٤ حول حق العودة للاجئين الفلسطينيين، نصح إسرائيل بأن تستعيد الفلسطينيين… اليها.

في مناسبة تالية، دعا الجنرال الى «تدويل قضية اللاجئين» مطالباً الادارة الاميركية هذه المرة بأن تأخذ لاجئي لبنان الى الولايات المتحدة.

لما كنّا في سيرة فرويد والفرويدية يمكن القول ان الجنرال أفصح هنا عن «عودة المكبوت» إذ باح بما يكبته دعاة رفض «التوطين»: الدعوة الى تهجير ربع مليون فلسطيني على اعتبار ان لبنان لا يتحمل استمرار بقائهم على ارضه.

تأكيدا على ان ليس في الامر اي نزوة من نزوات الجنرال، عاد الى الموضوع ذاته في تصريح خصّ بها الزميلة «الاخبار»(عدد ٧ تموز ٢٠٠٩) وعبّر فيه عن خوفه على مصير لبنان. مما يخاف الجنرال؟ وعلام يخاف؟ يخاف على السيادة:«ضاعت السيادة ما دام قرار تأليف الحكومة لم يعد على الارض اللبنانية، وضاع الاستقلال وبيع القرار اللبناني الى ممّولي الانتخابات». هكذا، بكل بساطة. وعلى الرغم من ذلك، ليست هذه هي اكبر معضلة تواجه لبنان. ها هو الجنرال يكبّ الماء الباردة على مواطنيه الذين لا يفكرون «صح». ففي وقت يرفض فيه نتنياهو حق العودة ويدعو الى «بقيام الدولة اليهودية العنصرية التي تبشّر بدورها بترحيل الفلسطينيين الباقين علي ارض أسرائيل (كذا!)»، يتلهى اللبنانيون بنتائج الانتخابات وبأخطار مزعومة من مثل التشادور وولاية الفقيه. وهم غافلون عن «اكبر معضلة تواجه لبنان منذ بداية المأساة الفلسطينية وهي التوطين».

ولما كان الإدغام سيّد الاحكام في هذه الديماغوجيا الشعبوية، لا بدّ للمؤامرة ان تكتمل بمشاركة الطرف الذي يحمّله الجنرال كل مصائب البلد: إذ يعلمنا ان مالا سعوديا يُضخّ في لبنان بهدف … توطين الفلسطينيين.

وهكذا لكلٍ فزاعته. والشطارة من يفزع جمهوره أكثر من الآخر. بل من هو الاشطر في «شدّ» جمهور الآخر الى فزاعته هو.

لا يبدو ان الجنرال مهموم الى هذه الدرجة بالسلاح خارج المخيّمات ولا بالسلاح داخل المخيمات. ولو كان مهموما فعلا، فهل يعتقد ان تحريضه هذا يطمئن اي فلسطيني على نفسه في لبنان ليلقي سلاحه؟

الجنرال عون مشغول بالوزن السكاني لربع المليون مدني فلسطيني يتواجد معظمهم على أرض لبنان منذ بداية «المأساة الفلسطينية» عام ١٩٤٨. والحل الذي يقترحه حلّ استباقي: التهجير قبل ان يقطع سيف حلّ للنزاع العربي الاسرائيلي إمكانية عودة فلسطينيي الشتات الى وطنهم.

بناء عليه، لا معني لنقاش عقلاني يذكّر بأن فلسطينيي لبنان، شأنهم شأن سائر الفلسطينيين، لا يبحثون عن وطن بديل. ولا معنى للتمييز بين إقامة الفلسطينيين في لبنان وبين «التوطين» و«التجنيس». ولا معنى الحجة التي تقول بأن المسيحيين هم أصلا اقلية سكانية من اقل من ٣٨٪ فلن يغيّر شيء وجود ربع مليون مسلم اضافي لا حقوق مواطنة لهم اصلا. طالما ان نسبة التمثيل الطوائفي بالمناصفة ليست مبنيّة على الوزن العددي.

يجهر الجنرال برغبة اكيدة في اعادة موقع رئاسة الجمهورية الى ما كان عليه قبل اتفاق الطائف على اعتبار ان الاتفاق فُرِض على لبنان بالطيران والدبابات، على ما ذهب الجنرال أبو جمرا، دون ان يفيدنا طبعا عن هوية الطرف الذي فرض الاتفاق بواسطة الطيران والدبابات! فما موقع هذه الرغبة-البرنامجية من رفض «التوطين»؟

لا نريد ان نصدّق ان الجنرال عون العلماني يقصد ان خطر الوجود السكاني الفلسطيني يزيد من وزن موقع رئاسة الحكومة في وجه رئيس الجمهورية العتيد؟! هذا اذا كنا نريد ان نكون مهذّبين!

مطلع السبعينات، خيّل لطرف سياسي ان حلا للنزاع العربي-الاسرائيلي بات وشيكا وانه يوجد «شعب زائد» في المنطقة لا مكان له في الحل هو الشعب الفلسطيني. فكان لا بد من اقتلاعه بالسلاح بإسم «مؤامرة التوطين». يتكرر التصوّر ذاته الان.

للتذكير: أسهم ذلك التصوّر وما استتبعه من سياسة في إشعال حرب إستغرقت ١٥ عاما. إستدرجت عددا من الاطراف الخارجية لقطع دابر «التوطين». ناهيك عن المجازر. ولم توضع النقطة على السطر.

فهل من طريقة اخرى لإنهاء السطر او على الاقل لتكملة النص؟!

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
فلسطين لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
السياسة اللبنانية الطائفية فلسطين لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.