العودة إلى المحاضرات والمقابلات
محاضرات ومقابلات محاضرات ومؤتمرات

غيرنيكا بيكاسو: قراءة عربية

لبنانيٌّ أمام الإسبان يقرّب غيرنيكا من بيروت: مدينةٌ تشبّهت باللوحة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

أن يتحدث عربي أمام جمهور اسباني عن بابلو بيكاسو وعن أشهر لوحة فنية في عصرنا، هي لوحة وُضعت أصلاً تحت تأثير حدث اسباني وفاجع، مهمة ليست تخلو من المفارقات اذا لم نقل انها تنطوي على قَدْر من التطاول. عُذري ان مُشاهد الحرب الاهلية في بلدي لبنان قادتني إلى «غيرنيكا» وهذه ردتني بدورها إلى الحرب الأهلية الأسبانية. ومن العلاقات المتبادلة داخل هذا المثلث الغريب: حرب – لوحة فنية – حرب، وُلدت دراسة تسعى إلى إقامة الصلة بين اللوحة الاسبانية عن الحرب وبين مدينة عربية في الحرب. وهذه المدينة هي بيروت. وهكذا اجدني على تماس مباشر بموضوع هذه الندوة عن الحوار الثقافي الأسباني – العربي. وسوف أتحدث في مداخلتي هذه عن تجربة مزدوجة: النظر إلى لوحة بيكاسو من منظار الحرب الأهلية اللبنانية (المضاعفة بالغزو والاحتلال الاسرائيليين والمقاومة الوطنية ضدهما) من جهة، ومن جهة ثانية: النظر إلى مدينة أخذت تتشبه بلوحة – الحياة تقلّد الفن (أوسكار وايلد).

ولكن اسمحوا لي أن ابدأ بملاحظة تستدعيها المناسبة والموضوع في آن معاً، وتتعلق بالعلاقة بين العرب واسبانيا. في العادة يرتحل المثقفون العرب إلى أوروبا الغربية (أو الولايات المتحدة) طلباً للعلم وانجذاباً نحو قيم التنوير والديمقراطية والتقدم. إلى اسبانيا يرتحلون بحثاً عن أندلس. عن آثار أمجاد سالفة تعوّض عن الأمجاد الراهنة الضائعة أو المضيّعة. إنها استعادة رمزية لأندلس تعوّض عن الأندلسات المفقودة على أرض الوطن ذاتها. في أحسن الأحوال، نمضي إلى اسبانيا منقّبين في الماضي عن أحلام لغدٍ مُرتجى. خلال ذلك، نلتقي أسبانيا/الشعب واسبانيا/الحاضر عَرَضاً أو بالصدفة، وقد لا نلتقيهما على الاطلاق. فإذا صروح الماضي تحجب قضايا وهموم ومشكلات الحاضر. هذا إذا سلّمنا ان نظرتنا إلى الأندلس العربية دقيقة وحية بالقدر الكافي. وهذا أمر يحتمل الأخذ والرد. بهذا المعنى، يتعين علينا الاعتراف بأنه توجد نظرة عربية سائدة إلى اسبانيا مثلما توجد نظرة أسبانية سائدة إلى العرب وبتحديد أكثر إلى «العربي». في هذه النظرة العربية السائدة، ينظر العربي إلى اسبانيا كأنها هو ينظر في مرآة تعكس له صورته مُجيدة ومُجسَّمة، صورة ماضيه التليد. أكتفي منها الآن بهذا القدر.

من جهة ثانية، قدّم لنا خوان غويتيسولو في «حوليات عربية» وفي روايات وأعمال أخرى، توصيفاً ونقداً واضحين لصورة «العربي» في الوعي الثقافي والاجتماعي الأسباني (والغربي). ولم يقتصر الأمر على نقد نمط معين من الاستشراق أو الاستعراب بل تعداه إلى ما هو أهم بكثير، اذ عيّن غويتيسولو الحقبة العربية في أسبانيا – التي يسميها «فترة الثقافات الثلاث» (المسيحية والاسلامية/العربية واليهودية) بصفتها واسطة العقد في الصراعات الفكرية والثقافية على إمتداد التاريخ الاسباني منذ سقوط غرناطة إلى أيامنا هذه. والأكثر إثارة للاعجاب في هذه المعركة التاريخية – الثقافية تأكيد غويتيسولو على أن عدداً من كبار المبدعين في الثقافة الأسبانية (والعالمية) إذ حددوا موقعهم في حقل الصراعات الاجتماعية والفكرية في موقع المناهضة للايديولوجيا السائدة – ايديولوجيا «الصليب والسيف» – مالبثوا أن عادوا إلى فترة «الثقافات الثلاث» تلك كسلاح لكسر إحتكار الايديولوجيا السائدة والمهيمنة وكمرجع حضاري وكمصدر استلهام في آن معاً. وفي مقدمة هؤلاء المبدعين الاسبان هامات جبارة من مثل سرفانتس وغويا ولوركا (واسمح لنفسي بأن أضيف اليهم بيكاسو أيضاً لأسباب سوف تظهر في سياق هذا البحث) وأي دليل أوضح على استمرار وحيوية الحضارة العربية الأندلسية من أن تمثل هذا الموقع في الحياة الاسبانية – موقع عنصر الشَّعْب الديمقراطي ضد الوحدانية الفكرية والأيديولوجية المتزمتة وموقع الحافز الحضاري على الابداع المتجدد؟؟

إن أفضل تكريم عربي ممكن لهذا الجهد الأسباني النقدي هو المعاملة بالمثل أي تحديد المسافة النقدية اللازمة تجاه النظرة العربية السائدة إلى اسبانيا بنرجسيتها ونظرتها العوراء الوحيدة الجانب وبخاصة تحوّلها، إلى نزعة استعادة اندلسية سياحية. وفي ظني ان إعادة الاعتبار لكل ما هو حي وخصب من الماضي المشترك واستكشاف حقول التفاعل المشتركة حول هموم الحاضر ومشكلاته مهمة حضارية عربية قبل أن تكون مهمة اسبانية. ذلك انها تساهم إسهاماً مباشراً في كسر الحلقة المفرغة لعلاقة التبعية العربية – الغربية. وإذا كنت أكتفي بإثارة الموضوع فسوف أختم هذا التقديم بإشارتين اثنتين. تتعلق الأولى بالعرب والحرب الأهلية الاسبانية. في عام الذكرى الخمسين لتلك الحرب، فإن من المهمات الممكنة والواجبة لندوة مثل ندوتنا هو إعادة الاعتبار لدور أولئك المثقفين والمناضلين العرب، من أبناء المشرق والمغرب معاً، الذين دعموا الجمهورية الأسبانية بالقلم والممارسة وحتى بالقتال في صفوف «الألوية الدولية» ومنهم من سقط شهيداً. ينبغي تبديد الصمت الذي يلف دور هؤلاء الديمقراطيين العرب الذين تشكل نضالاتهم وتضحياتهم الجواب الفعال على تصوير الدور العربي في الحرب الأهلية الأسبانية مُختزَلاً بدور بضعة الألوف من الجنود المغاربة في جيش فرانكو الانقلابي الفاشي. فقد كان هؤلاء ضحية التضليل الكولونيالي عندما ساقهم الضباط أنفسهم الذين أعملوا السيف والنار في قرى الريف المغربي إبان قمع إنتفاضة عبد الكريم الخطابي ليجعلوا منهم وقوداً للصليبية الفرانكوية الجديدة ضد حرية اسبانيا وشعب اسبانيا.

أما الاشارة الثانية فتخص «عرب ماربييا» Marbello، مبتكري سياحة استعادة الأندلس الوهمية هذه التي تريد التعويض عن النكسات الوطنية والقومية العربية، التي يتحمل هؤلاء المسؤولية الأساسية عنها، بشراء الأراضي والعقارات والمرابع الليلية في البلدة الأندلسية. وإذ تتساءل: لماذا اختاروا ماربييا، ثمة من يتبرع لابلاغك بأن مناظرها والمناخ إنما تذكر بجبال لبنان.

وهنا كل الفاجعة. يأتون إلى موطن أندلس القرن الخامس عشر ليتذكروا غرناطة العربية المعاصرة التي أسهموا في وأدها في القرن العشرين! ثم أي فخر إسلامي أو قومي في أن نعلم أن ماربييا باتت تضم الآن مسجداً هو الأول الذي بُني على الأرض الاسبانية منذ سقوط غرناطة فيما المسجد الأقصى في القدس تحت الاحتلال الاسرائيلي؟ وهل من وصف لهذه المهزلة السياحية أبلغ من قول شاعرنا العربي الكبير محمود درويش في هذا النفاق: «في كل مئذنة/حاوٍ ومُغتصبٌ/يدعو لأندلس/ان حوصرت حلب»! وكان لابد لهذه المهزلة – المأساة من أن تكتمل باختراع عرب ماربييا لتوريادور (مصارع ثيران) عربي نزل إلى الساحة الصيف الماضي ليعيد الاعتبار – كما قيل – لدور العرب في إطلاق الرياضة الطقوسية الاسبانية في القرن… الثاني عشر. وهل أن الصدفة وحدها شاءت أن يكون هذا التوريادور العربي فلسطينياً؟ هي في كل الأحوال صدفة حبلى بالرموز والدلالات. لأن الرجل – مع احترامنا لفنه ونواياه – يؤكد وظيفة الفلسطيني في نظر عرب ماربيا: إنه الرجل الذي يجب أن يموت.

ويجب أن يموت الفلسطيني أبعد ما يمكن عن أرضه، يجب أن يموت مصارعاً كل أنواع الثيران إلا الثور المعادي. يجب أن يموت في كل الحلبات إلا الحلبة التي تقربه من استعادة وطنه وإنتزاع حقوقه من الاحتلال الصهيوني!

بعد هذا نستطيع أن نعود إلى «غيرنيكا» وبيروت.

في البدء، كان الضوء. إنه وهج الضوء المتدفق من فجوة فاغرة وسط حطام أسواق بيروت. يخترق اللوحة البيكاسية، مثل كَفَن، صابغاً كل شيء بلون معدني شاحب، فيحيل المشهد إلى كابوس مُرعب.

في البدء كان الضوء. وأخذت بيروت تتشكل تدريجياً كلوحة. أخذت مُشاهد بيروت «الغيرنيكانية» تتولى شرح لوحة المعلم الأسباني: أشلاء جثث المخطوفين الملقاة تحت الجسور. مشهد الحطام المختلط بأجساد الضحايا بعد انفجار السيارة المفخخة الأولى وافتتاح عصر «الهيكسوجين» Hexagone إلى ما هنالك. ولما استيقظت المدينة المفجوعة في تلك الأيام من أيلول ١٩٨٢، أيام الاحتلال الاسرائيلي لأول عاصمة عربية والمجازر، بات كل شيء واضحاً، انطلقت شخصيات «غيرنيكا» من إسار اللوحة وأخذت تمثل أدوارها في شوارع المدينة الجريحة والمقاومة. كان ذلك يوم الأحد في ١٨ أيلول عندما نشرت الصحف لأول مرة صُوَر مجزرة صبرا وشاتيلا ومن بينها صورة جوادين نافقين على مقربة من جثث شبان ثلاثة. أخذت الحياة – بل قل الموت – تشرح ألغاز اللوحة. انهم يقتلون الجياد كذلك. وكان حصان صبرا يحمل الجرح نفسه الذي يحمله حصان «غيرنيكا». إنهم يقتلون الجياد كذلك. في حلبات مصارعة الثيران كما في المخيمات الفلسطينية. والمشهد الواقعي صار رمزياً. صار الحصان هو الجرح. لكن الرواية العربية تقول ان الله لما أراد خلق الخيل قبض قبضة من ريح الجنوب وخلق منها فَرَساً وجعلها تطير بلا جناح. قد يستطيعون قتل الخيل. ولكن من ذا يقوى على حبس ريح الجنوب؟

وكانت إمرأة من «غيرنيكا» تركض مذعورة في شارع الفاكهاني ببيروت بعدما سرت شائعة تقول أن ميليشيات حزب الكتائب قد عادت إلى المخيم: حافية القدمين، مادّةً ذراعيها أمامها وثلاثة أطفال يتشبثون بثوبها والذراعين، النساء يركضن حافيات في اللوحة كما على أسفلت بيروت. أنه السباق القديم بين الأقدام الحافية والإشاعة. المجزرة تطارد أجسادها، والأجساد تهرب أمام الحقيقة – حقيقة أن «الاشاعة» صحيحة.

ولكم تساءلتُ لماذا صَوَّر بيكاسو نساء «غيرنيكا» عاريات الصدور حتى ذكّرتني الأمهات في الجنوب اللبناني، خلال انتفاضات القرى، كم هي فعّالة هذه العادة المتوسطية في مواجهة الدبابات الاسرائيلية! وأخذت الحياة (اقرأ: الألم. الموت. المقاومة) تؤكد الفن، وتضاعف من مصداقيته. المرأة – الحطبة المحترقة إلى يمين اللوحة، كثّف فيها بيكاسو عدداً لامتناهياً من الدلالات: إنها الصليب والمصلوب. الطيران الحربي وضحية القصف الجوي. تتحول في دلالاتها والرموز لتبلغ الأسطورة. إنها طائر العنقاء الحديثة تولد جهيضة في خارق الحروب الحديثة، ابنة المسافحة بين الجسد البشري والأسلحة الحديثة. في بيروت، سقطت المرأة – الحطبة المشتعلة أرضاً على مصطبة منزل متواضع من منازل شاتيلا، تَلبّست جثةَ صِبيّة مُلقاة على ظهرها مصلوبة بعد أن إغتصبوها وحرقوا وجهها وجذعها حتى لا ترى فعلتهم: لكن عينيها تحدقان شاخصتين، وأصابعها مخالب متحفزة: إنها سوف تنتقم!

يد خارجة من مقبرة جماعية كأنها لا زالت تمسك بالبندقية. دوماً ينسى الجزارون أن المقابر الجماعية يكاد يستحيل إخفاؤها. فخلال الأيام الأولى، تنتفخ الجثث، فتخرج الأطراف من تحت التراب. هذه ذراع المقاتل الغيرنيكاني الشهيد المبتورة لا تزال متشبثة بالسيف المكسور ومن قبضته تولد زهرة الأمل. إنها وشم زهرة الدم يتناقلها المقاتلون عندما يسقطون.

إن «غيرنيكا» شراحة دقيقة للألم. والألم واحد أينما كان. ولقد وضع جون برجر يده على الجرح – كما يقال – عندما عرّف الألم هذا التعريف: «ما الألم الا إحتجاج الجسد». فهذه الأجساد تحتج وتقاوم.

* * *

من المدينة – اللوحة إلى… اللوحة. والقراءة العربية لـ «غيرنيكا» هي أولاً وقبل أي شيء آخر قراءة… اسبانية. وليس في الأمر أية مفارقة على الاطلاق. لقد عوّدونا النظر إلى بيكاسو وكأنه الكوزموبوليتي الذي لا وطن له أو أنه ابن الحضارة الفرنسية. من خلال هذه القراءة لـ «غيرنيكا» سوف نكتشف عمق أسبانيولية الفنان.

لا يمكن للأدب ولا للفن الاستغناء عن الاسطورة. وغالباً ما تنمو الاسطورة حول «مشهد أصلي»، بحسب المصطلح العِلمنفسوي. إن «غيرنيكا» رواية إسطورية تعيد تذكيرنا بأن مُبدعها فنان يحكمه «مشهد أصلي» هو مصارعة الثيران. لقد بدأ بيكاسو حياته الفنية برسم لمصارعة الثيران وظلّ يصور هذا المشهد حتى آخر أيامه. وإذا كان زملاؤه فنانو وأدباء اسبانيا قد لقبوه «التوريادور في فن الرسم»، فإن الأصح أن بيكاسو إلى شخصية الثور مُنجذب. فالثور هو «إيماغو» Imago الفنان، أي تصوره المثالي عن ذاته. وسوف يلعب بيكاسو، على إمتداد حياته الفنية بمهارة نادرة على كافة الالتباسات التي توحي بها شخصية الثور بين قوة وتوحش، وشهوة وألوهة، وفحولة وشر.

إن «سلسلة فولار» La suite Vollard من أبرز أعمال بيكاسو بين قيام الجمهورية الاسبانية عام ١٩٣١ واندلاع الحرب الأهلية عام ١٩٣٦: مئة محفورة يرقى بها المعلم إلى قمم متصاعدة من المهارة والحذاقة في الصنعة والاسلوب، مُفتتحاً ما سُمّي «المرحلة الاسطورية» في فنه التي سوف تستمر إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. والكلمة – المفتاح لتلك الأعمال هي الصراع. صراع متداخل متعدّد على مستويين: الصراعات الداخلية في نفس الفنان المُمزّق بين نوازع وأهواء متضاربة ومتناقضة من جهة، والصراعات المحتدمة والمتصاعدة في وطنه من جهة ثانية. ذلك ان الأحداث الأسبانية تقتحم حياة الفنان الحميمة إقتحاماً وهو المنصرف إلى حياته الغرامية وفنه. والمحفورات بهذا المعنى أعمال فنية سياسية لأنه «الفن يكون سياسياً – حسب تعبير ريجيس دوبريه – عندما يأتي التعبير السياسي رغماً عنه وعن غير سابق تصوّر وتصميم».

في مطلع عام ١٩٣٧، وفيما مدريد تقاوم ببسالة أعنف هجوم للقوات الفرانكوية ومصير الجمهورية والثورة تحيق به أفدح الأخطار، ينفث بيكاسو كل غيظه ضد فرخ الدكتاتور في كرّاس من الشعر الهجائي المُقذع بعنوان «حلم وأكذوبة فرانكو» تزيّنه ١٨ محفورة بالغة السخرية والعنف. لقد اختار بيكاسو، في أول رد فعل له على الانقلاب واندلاع الحرب الأهلية، أن يخوض المعركة في الميدان الايديولوجي. فتصدّى مباشرة للقيم والشعارات التي أطلقها الانقلابيون مُجسِّداً في شخص فرانكو كل شخوص ورموز اسبانيا الرجعية على مرّ التاريخ. والثور هنا أيضاً هو بطل هذا الشريط المصور، يبرز مُحاطاً بهالة من شمس مثل آلة الأقدمين ليخلّص اسبانيا من الفارس المسخ.

نبحث عن نَسَب لبيكاسو في العادة عند التكعيبيين أو السورياليين، والأصح ان غويا هو «الأب الفني» الشرعي لصاحب «غيرنيكا»، باعترافه هو ذاته لاندريه مالرو. وكمثل غويا، استحضر بيكاسو الأشباح والمسوخ والفزاعات من أعماق التاريخ وزواياه المعتمة كما من ساحات الحروب الحديثة، استحضرها ليطردها. لقد قال بودلير عن غويا أنه الفنان الذي جعل المسوخ قابلة للتصديق. والقول نفسه ينسحب على بيكاسو الذي وضع يده على الفاعلية السحرية للتمائم Fétiches: أن تُحرِّر نفسه. أسمعه يقول لمالرو: «كل التمائم أسلحة… إنها أسلحة لمساعدة البشر كي لا يظلوا ضحايا الأرواح والأشباح، كي ينتزعوا استقلالهم. إنها التمائم أدوات. وإذا ما اعطينا الأرواح أشكالاً مُجسَّدة، فإننا ننال بذلك الحرية والاستقلال معاً».

ولكن قبل أن نغادر بيكاسو الأسبانيولي، يبقى علينا أن نحاول إجابة هذا السؤال: لماذا حجب بيكاسو العدو/الجزار في «غيرنيكا»؟ حظي هذا السؤال بإهتمام العديد من شُرّاح ونقاد الجدارية. اعتبر البعض أن العدو ليس محتجباً وإنما هو متجسد في الثور. مع أن هذا القول يتنافى مع كل تناول الفنان لشخص الثور ودلالاته. والبعض الآخر قارب التفسير الأرجح صحة بالإشارة إلى الوقع المميز لتغييب العدو الذي لا يظهر إلا من خلال ضحاياه. ومما لا شك فيه أن أبرز سمات الإبتكار الابداعي في «غيرنيكا» هو أسلوب الجلو والتقطير والتكثيف الذي استخدمه الفنان ليرقى إلى أوج البلاغة التعبيرية، فجعل من كائنات «غيرنيكا» ليس مجرد ضحايا وإنما مسوخاً تدل أيضاً على وحشية وبشاعة القَتَلة. وهو إذ أدغم في شخصية واحدة الضحية والقاتل معاً، استظهر حقيقة الحرب على البشر. على أن الحرب الأهلية كانت حرباً أهلية مضاعفة بغزو خارجي. فهل كان للبُعد الأهلي للحرب الأسبانية من أثر على اعتماد الفنان لهذا الخيار الأسلوبي، خيار تغييب العدو والإدغام بين القاتل والضحية؟ نرجّح الجواب الايجابي على هذا السؤال. فقد غيّب بيكاسو العدو، لأن «العدو» هو في الداخل أيضاً. ولعل مثل هذا الجواب يسمح بإعطاء التفسير الملائم لشخصية الثور القابع في الركن الأيسر من الجدارية، فيما سائر شخوص المشهد مندفعة إليه مستغيثة به. في «غيرنيكا» يستعيد الثور رمزه الوثني الأصلي (كما في «حلم وأكذوبة فرانكو»): إنه إله الشمس والقوة والخصوبة كما كان عند الأقدمين، يشخص متعالياً على المجزرة الزائلة مُمثّلاً أسبانيا الخالدة. إنه المخلّص الذي سوف يعيد لمّ شتات العشيرة الاسبانية المنكوبة والمتقاتلة.

* * *

مدهشة سيرة تلك اللوحة. فبين عَرْضها في جناح الجمهورية الاسبانية في معرض باريس الدولي عام ١٩٣٧ وعودتها أخيراً إلى بلادها في خريف عام ١٩٨١، وقائع القصة المثيرة لأشهر لوحة فنية في عصرنا، تشهد على الفاعلية الجبارة للفن وأثره النافذ عندما يُرقى إلى مستوى موضوعه فيمس حقيقة العصر ويستحوذ على عقول الناس وأحاسيسهم. ومن أسف أن سيرة «غيرنيكا» وقد نفثها الفنان بحياة خاصة، لم تُكتب بعد بكامل وقائعها ومراحلها: صمودها أمام إمتحان الحرب العالمية الثانية بل وتحوّلها بعد تلك الحرب إلى أبرز شاهد فني عليها بحيث أضحت اللوحة – المرجع عن الحرب وكل حرب، اصرار الفنان على ربط مصير عودتها إلى اسبانيا بعودة الديمقراطية إليها، عشرات الملايين الذين شاهدوها وتحوّلها إلى صرح عالمي لإدانة الفاشية والحرب.

وإليك آخر أخبار الرائعة البيكاسية. في اذار من العام الماضي، تقرر تعليق نسخة منسوجة عن الجدارية في رواق الأمم المتحدة المفضي إلى قاعة مجلس الأمن بعد أن تبرّعت أرملة نلسون روكفلر، نائب الرئيس الأميركي الأسبق، بإعارة المنسوجة إلى الأمم المتحدة. قطعاً إن رواق المؤسسة الدولية أكثر إستحقاقاً لاحتضان «غيرنيكا» من قصر أسرة عريقة من أسر المجمع الصناعي – العسكري الأميركي. فها إن اللوحة سوف تحتل أخيراً المكان اللائق بها حيث ستظل مُسلّطة كسيف ديمقليس Damocles فوق رؤوس الذين يمسكون بمصير الحرب والسلام في العالم. وإنحيازها قاطع كمثل ذلك السيف إلى جانب السلام العالمي.

* * *

لقد دخلت «غيرنيكا» الاسطورة بصفتها اسطورة سياسية عن عصرنا. ولعلنا نستطيع أن نعدد هنا طبقات الدلالة التي تنطوي عليها في تحوّلها من منظر واقعي إلى مشهد رمزي فرواية اسطورية، وهي تجمع تصوير مجزرة حربية (قصف الطيران الألماني لبلدة غيرنيكا الباسكية) إلى التعبير عن الحرب الأهلية الأسبانية كصرخة ادانة ضد الفاشية، إلى قول حقيقة الحرب، كل حرب، وصولاً إلى تحوّلها الأخير إلى اسطورة فنية عن عصرنا هذا. وهكذا تستكمل «غيرنيكا» ارتقاءها من الحدث المخصوص إلى الشمول الكوني. فإذا بها في الأخير تعود إلى «المشهد الأصلي» إذ يندغم فيها مشهد الصلب (المُتَعلمن والمتجرد من موحياته الدينية) بطقس مصارعة الثيران. ولكي نستبين هذه الدلالة الأخيرة للوحة، يكفي أن نضعها بين لوحتين جداريتين رسمهما بيكاسو عام ١٩٥١ بعنوان «الحرب والسلم». والحقيقة إنه في لوحة «الحرب» صوّر بيكاسو إنتكاس العالم نحو الهمجية. وفي لوحة «السلم» صوّر يوتوبيا Utopia الحياة الجديدة. ضَعْ «غيرنيكا» بينهما، تلقاها مشهد صلب. إنه إنساننا المعاصر المصلوب بين خطر الابادة والانتكاس نحو الهمجية بفعل ما ابتكره من قوى تدميرية، وبين الأمل غير المتحقق بعد في بلوغ الحياة الجديدة. و«غيرنيكا»، في تحوّلها الأخير، ما هي إلا هذا الحاضر الموزّع الممزّق. هذا «المَطهر» Purgatoire الذي لاينتهي بين جحيم الحرب وجنة الحياة الجديدة.

هذا بعض مما قالته «غيرنيكا» لمواطن في بيروت خلال صيف وخريف العام ١٩٨٢. وبعدُ فأية جمالية في هذه اللوحة؟ لقد أراد بيكاسو للوحته أن تقول الحقيقة التي تهزّ وتُحرِّر لا الجمال الذي يبهر ويريح. ولست أجد من وصف لوقعها المؤرّق إلا هذا التعبير من لغتنا العربية – الروعة – مُلتبسةٌ بين رَوْع ورَوْعة، لتقول هذه المعاني المتداخلة: الهَوْل. الحرب والجمال.

مداخلة في اللقاء الثاني للحوار العربي – الاسباني – المارية (اسبانية)/ أيلول ١٩٨٦

المواضيع
أدب وفن تاريخ سياسة
البلدان
إسبانيا لبنان
نُشر في
كلمات
المؤلف
فواز طرابلسي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.