العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

عدالة الانقلابات

تلبننت المحكمة الدولية: الاتهام قطع طريق التحقيق والهدف كان الانقلاب — والحروب الأهلية تورث المنطق الانقلابي لأبنائها.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

عدالة الانقلابات

فواّز طرابلسي

لم يلفَت النظر بما فيه الكفاية الى مدى الشبه بين التعاطي السائد مع المحكمة ذات الطابع الدولي وبين التعاطي التقليدي مع القضاء والقانون والمحاكم في لبنان. بمعنى اخر، لقد تلبننت المحكمة ذات الطابع الدولي اكثر بكثير مما يبدو علي السطح.

في العادات السائدة ان المثول امام المحكمة اهانة بحد ذاته، حتى ولو ان المستدعى اليها استدعي بصفة شاهد. ومحاولات التأثير في المحكمة والحكم تمضي على درجات متصاعدة: بالواسطة والنفوذ ثم بالمال. وليس دوما بهذا الترتيب. واذا لم ينفع المال فبالتهديد. والمخالف الصغير يتذرع بالمخالف الكبير والكبير بالاكبر منه. والاخيران لا يطالهما القضاء عادة (ماذا حلّ بفضيحة بنك المدينة مثلا؟). الى هذا، اذا رضينا بالمحكمة، نريدها ان تصدر الاتهام والحكم والعقوبة سلفا على هوانا. وعندما يجدّ الجدّ، لا بأس من تهديد القضاة وصولا الى الاغتيال. واذا مرّ الاغتيال دون إكتشاف الجناة، كما هو حال قضاة محكمة صيدا، او دون معاقبتهم، فخير على خير: هذا درس يردع القضاة عن الحكم بمقتضى القانون والضمير ومقاومة الضغوط والصمود امام التهديدات.

اما عندما يتعلق الامر بجرائم القتل فيكون اللعب على قانونين: القانون الوضعي والقانون العرفي. وعندما يندغم القانونان، تشهد مأساة «العدالة المباشرة»، كما في طقس القتل الجمعي في كترمايا. وفي التعاطي مع القضاء، ولو كان دوليا، بالمنطق العرفي، تعطى الاولوية لـ «ولي الدم» فيصير حجر الرحى في القضية، له القول الفصل فيها – لا للمحقق ولا للمحامين ولا حتى للقاضي. لولي الدم ان يسقط حقه، فيسقط معه الحق العام، او هكذا يراد لنا ان نصدّق. سيان اكان اسقاط الحق بواسطة الصلحة او بقبض الديّة. وما ادراك ما الديات السياسية؟

في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، قطع الاتهام الطريق على التحقيق منذ البداية. عندما يطالبنا «اولياء الدم» الآن انتظار كل مراحل المحاكمة، لا يجيبوننا لماذا سارعوا اصلا الى «الاتهام السياسي»، الذي تراجعوا عنه مؤخرا، ولم يتركوا للتحقيق والمحكمة ان يأخذا مجراهما القانوني؟ وعلى فرض انهم لم يستطيعوا كتمان الاتهام السياسي ضد دمشق في العام ٢٠٠٥ امام هول الجريمة والجرائم التي اعقبتها، لماذا لجأوا الى شهود الزور؟ ولماذا قدموا العام ٢٠١٠ اتهاما بحق عناصر من حزب الله كان معروفا لديهم منذ العام ٢٠٠٦؟ للسؤال جواب : كان المطلوب تحويل اغتيال الرئيس رفيق الحريري الى مناسبة ليس لاخراج الجيش السوري من لبنان وحسب وانما لاسقاط النظام في دمشق لوهم يقول انه لن يستطيع البقاء دون ولايته اللبنانية. اما على الصعيد المحلي، فكان المتوقع لتلك التوقعات ان تحسم امر الغلبة الداخلية لمعسكر ١٤ اذار دون منازع. وهنا محاولة الانقلاب.

صدّت المعارضة المحاولةبتضافر عوامل داخلية (من التظاهرات والاعتصام المديد في وسط المدينية وصولا الى ايام ايار ٢٠٠٨ الدامية) وتحولات ااقليمية (التقارب بين سين وسين) ومتغيرات دولية (ابرزها فشل المغامرة العسكرية الاميركية المدمرة في العراق).

كالعادة لم ينطبق حساب حقل سياسيي الداخل على حساب بيدر القوى الاقليمية والدولية.

في المقابل، لم ينجح الانقلاب المضاد الا جزئيا. لم تستطع المعارضة فرض نفسها اكثرية في الانتخابات النيابية ولا فرض مرشحها للرئاسة الاولى رئيسا. ولكن تمخضت تسوية الدوحة عن حضور المعارضة الحكمي في السلطة التنفيذية وعن تعطيل منطق الاكثرية النيابية بواسطة الثلث الالزامي في تشكيل الحكومة. ومثلما ان نقيضين لا يبنيان وطنا، فإن معسكرين انقلابيين لا يصنعان حكومة – ولو اسموها ائتلافية – ولا يحققان السلم الاهلي. والمؤكد انهما باتا يهددانه تهديدا.

فيما كانت المحكمة اداة انقلاب، ها هي الآن تنقلب علي انقلابييها وتطلق محاولة انقلاب جديدة، هي الانقلاب علي المحكمة. فمرة اخرى لم ينطبق حساب حقل السياسيين اللبنانيين علي حساب البيدر الاقليمي. ساد الظن ان اتفاق سين سين سوف يعني انفكاك دمشق عن طهران وإمكان تحميل حزب الله – برضاه!- اتهام عناصره «غير المنضبطة» باغتيال الرئيس رفيق الحريري. بل ساد اعتقاد وجيز انه يمكن الاكتفاء بالاعتذار عن الاتهام السياسي لتحقيق الصلحة بين «تيار المستقبل» ودمشق. لم يستوِ الامر محليا ولا اقليميا، ناهيك عن الضغوط الدولية، اميركية منها واسرائيلية. فرطت مصالحة سين وسين في بغداد، وإن تكن صمدت بما فيه الكفاية لتغطية البدء بالمفاوضات الفلسطينية دون النجاح في التغطية علي استمرارها.

حتى ان معادلة «المحكمة مقابل الحكومة» لم تعد كافية. لم يعد رافضو التسييس يكتفون بالمطالبة بمحكمة غير مسيسة. ولم يعد حزب الله يصرّ علي تسييسها اسرائيليا. بل انتقل، على لسان بعض نوابه، الىتخوين من لا يزال ينادي بالمحكمة الدولية اصلا. ويبدو ان الاوان قد فات حتى على التضحية بمحاكمة شهود الزور بما هم اكباش محرقة لانهاء قضية المحكمة. تسارعت مطالب معسكر ٨ آذار الى المطالبة برأس المحكمة الدولية ذاتها، واالتهديد بمعادلة ان التمسك بالمحكمة يعني الاقتتال الاهلي. رد الضابط المخابراتي الذي اجتمع بآرييل شارون ٥٢ مرة خلال الغزو الاسرائيلي للبنان العام ١٩٨٢، بدعوة معسكر ١٤ آذار الى التزود بالادوات ذاتها التي يملكها حزب الله لتحقيق توازن ارهاب بين المعسكرين.

في التباهي اللبناني حول ميّزات نظام الطوائفيات والمذهبيات المسيّسة ان البلد يملك من تقاليد «العيش الواحد» والحريات ما حمى لبنان من الانقلابات العسكرية التي عصفت بالمنطقة في الخمسينيات والستينات واورثتها انظمة دكتاتورية السائدة. بعض نقاد هذا التبجح كان يقول: يا جماعة، صحيح، يتمتع لبنان بقدر من الحريات، لكنها ليست ممأسسة ولا هي مشرعنة كليا ولا تعادل النظام الديمقراطي بالمعنى الفعلي للكلمة. ثم يضيفون على شيء من الاستحياء: ان الحروب الاهلية ليست اقل ضررا من الانقلابات العسكرية. اقل ما يقال الآن اننا، في اعقاب خمس عشرة سنة من اهوال الحروب الاهلية، لم نفلت من محاولات الانقلابات الامنية-العسكرية- السياسية. فات النقاد ان الحروب الاهلية تورث قواها، خصوصا وقد ارتقت الي سدة الحكم، المنطق الانقلابي الذي هو التعبير «السلمي» عن المنطق العسكري-الميليشياوي زمن الحرب.

وكأنما هذه العدالة الانقلابية اللبنانية ليست كافية. كان لا بد ان تضاف اليها عدالة انقلابية سورية اطول باعا بكثير، اطلقت مذكرات جلب لثلاثة وثلاثين مواطنا لبنانيا بناء على لائحة استنسابية لمدير سابق للامن العام. وعززها تصريح للسفير السوري يذكّر بالايام الخوالي في قوله ان «الرئيس الحريري يعرف واجبه». والسؤال: من يحدد واجبات رئيس وزراء لبنان؟!!

قد تكون اصدار دمشق مذكرات الجلب من قبيل التصعيد في شد الحبال حول مصير المحكمة. وفي انتظار البازار الذي سوف يعقب ذلك، فالمؤكد ان عددا كبيرا من اللبنانيين، خصوصا من الجيل الجديد، قد فوجيء بحق محكمة في دمشق باصدار استنابات لمواطنين لبنانيين بالمثول امامها. كائنا ما كانت الدقة القانونية في هذا الاستنساب السياسي بامتياز، يصح ان يقال لهؤلاء الشباب ان الاستنابات تسعى لمرتكز قانوني في «معاهدة الدفاع والامن» اللبنانية السورية، وهي تحتاج الى التعديل حكما. وهي مناسبة، لمطالبة هؤلاء الشباب باحصاء عدد الذين صوتوا على هذه المعاهدة من زعماء ونواب وسياسيين ووزراء ينتمون الآن الى معسكر١٤ اذار. فإذا قالوا لكم ان غازي كنعان اجبرهم على التصويت، اسألوهم: لماذا لم يرفضوا. واذا قالوا انهم تعرضوا للتهديد، إسألوا المجيب: لماذا لم تستقل من النيابة او الوزارة؟ الا تستحق السيادة والحرية والاستقلال مثل هذه «التضحية»؟

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
العالم العربي العراق فلسطين لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
السياسة اللبنانية الطائفية الفساد لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.