العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

عدالة الامم المتحدة في تقرير امينها العام

كيلة تجعل سلاح المستوطنين شأناً داخلياً وسلاح المقاومين خطراً على المنطقة — وهذا كله لا علاقة له بالمحكمة الدولية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

عدالة الامم المتحدة في تقرير امينها العام

فواّز طرابلسي

تصعب قرأة التقرير الاخير للامين العام للامم المتحدة عن الوضع في لبنان دون الشعور بمقدار لا بأس به من الاستفزاز. فمع انه تقرير «دولي»، تجده يركز تركيزا مبالغا فيه على الاوضاع الداخلية اللبنانية، الامنية خصوصا، وعلى العلاقات السورية اللبنانية، فيما تحضر اسرائيل على نحو هامشي. بل يصعب تصوّر مناسبة اسوأ من هذه المناسبة للإدلاء بخطاب يغلف الانحياز والكيل بمكيالين والانصياع للارادة الامبراطورية بالتورية والباطنية والتدليس.

يدور القسم الاكبر من التقرير مدار ثلاث قضايا: اهمية تنفيذ ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان (حسب قرار مجلس الامن لعام ٢٠٠٦) ووقف تدفق السلاح عبر الحدود بين البلدين وضرورة سيطرة الدولة على الميليشيات المسلحة. وهي ثلاثة قضايا تنعقد في قضية واحدة هي سلاح حزب الله. لكن منوعات التبرير لضرورة ترسيم الحدود ووقف تدفق السلاح ولنزع سلاح حزب الله، ولو بايثار الوسائل السياسية لذلك، تستدعي التفافات وحيل وتبريرات مدهشة حقا.

بيت القصيد في التقرير ان اسرائيل تواصل خرق سيادة لبنان القرارات الدولية ١٥٥٩ و١٧٠١ لاستمرارها في «احتلال الجزء الشمالي من قرية الغجر ولمنطقة محاذية شمال الخط الازرق» ولطلعات الطيران الاسرائيلي شبه اليومية في الاجواء اللبنانية. ولكن لا يبدو ان اسرائيل تهدد أمن اللبنانيين بشيء. وهي قطعا ليست تهدد امن المنطقة من قريب او بعيد.

في المقابل، ثمة طرف واحا يهدد امن اللبنانين وامن المنطقة هو سلاح حزب الله. يقول التقرير ان ترسيم حدود لبنان «عنصرٌ حرِج لضمان وحدة اراضي البلاد والسماح بسيطرة حدودية ملائمة» وهو من جهة اخرى «خطوة جوهرية في اتجاه تثبيت سيادة لبنان ووحدة اراضيه». يصعب تصوّر كيف ان الحدود الدولية بين سوريا ولبنان، الموضوعة عام ١٩٢٠ والتي لم يطعن بها طرف، باتت مسألة دولية مرتبطة بسيادة لبنان والافدح «وحدة اراضيه»، فجأة بعد حرب ٢٠٠٦. بل يتمنى المرء لو يشرح له الوزير المختص ما هي تلك الانتهاكات على الحدود السورية اللبنانية التي تعرّض وحدة الاراضي والسيادة. فاذا كان الامر يتعلق بالتهريب، فاي انسان يمكن اقناعه بأن مجرد ترسيم الحدود سوف يمنع تدفق السلاح وتهريب الحليب والمازوت والبضائع المتسوردة والمخدرات واللاجئين العراقيين والسودانيين، ناهيك عن مقاتلي «القاعدة» ذهابا وايابا عبر الحدود؟

على سبيل المقارنة والالحاح الزمني: يوجد في المنطقة دولة رسمتْ الامُم المتحدة حدودها منذ العام ١٩٤٧ وهي منذ ذلك الحين تتوسع حدودا وتخرق حدود الدول الاخري وتكاد تنفرد في العالم لكونها الدولة الوحيدة التي لا حدود دستورية ثابتة ونهائية لها. فكم مرة طالبت الامم المتحدة اسرائيل بترسيم حدودها؟ وكم مرة طالب السيد بان كي مون بذلك في تقاريره؟ ولا يفيد هنا التذرع بالقول ان الامم المتحدة تدعو باستمرار الى العودة الى حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧. وذلك لسببن. الاول لأن القرار ٢٤٢ لا ينص صراحة على ذلك عندما يتحدث عن «اراض» محتلة عام ١٩٦٧ وليس عن «الاراضي» المحتلة. والثانية لأن اسرائيل لم تعترف بحدود ٤ حزيران ١٩٦٧ اصلا ولأن هذه الحدود ليست في كل الاحوال الحدود التي رسمتها لها الامم المتحدة وفق قرار التقسيم.

يشير تقرير الامين العام الى «وجود ميليشيات خارج سيطرة الدولة» داعيا الدولة الي «احتكار استخدام القوة في كل انحاء لبنان». ويطالب حزب الله بنزع سلاحه والتحول الى حزب سياسي. إذ يرى التقرير الى سلاح المقاومة على انه «ظاهرة خطرة» لها ثلاثة انعكاسات اقلا: انها تناهض «التطلعات الديمقراطية للبنان» و«تهدد السلم الاهلي … وامن المواطنين» بل تهدد امن المنطقة كلها.

الاشارة الاخيرة عن تهديد أمن المنطقة تثير التساؤل. لفهمها يجب العودة الى نص القرار ١٧٠١ وتعريفه الاصلي لحرب تموز ٢٠٠٦. وخصوصا التعابير المنحازة المستخدمة بصدد طرفي القتال في تلك الحرب. في بنده المتعلق بوقف العمليات العسكرية، يدعو القرار الدولي في عبارة واحدة الى «الوقف الفوري من قبل حزب الله لكل الهجمات والوقف الفوري من اسرائيل لكل عملياتها العسكرية الهجومية». ولا حاجة لكبير تفكّر لاكتشاف الاختلال الفادح بين الطرفين: يرد ذكر حزب الله في مطلع الجملة، ما يوحي انه الباديء بالهجوم. وهو الى ذلك مطالبٌ بوقف كل عملياته، بغض النظر عما اذا كانت هجومية او دفاعية. اما اسرائيل فمطالبة بوقف عملياتها العسكرية الهجومية فقط، ما يعني ان عمليات العسكرية الدفاعية ليس ممنوعة. يوجد جيش مطالب بوقف عملياته الهجومية لا الدفاعية رغم وجوده على ارض الغير! ما يعني انه مهدد وهو على ارض الغير!

فهل نستغرب والحالة هذه ان يكون تهديد امن المنطقة الاسم السري لتهديد امن اسرائيل؟

يتفتق التقرير عن تهمة اضافية لا بد من الاعتراف بأنها تحوي مقدارا من الطرافة المدلّة على حالة ادارة العلاقات الدولية من طرف الامم المتحدة وصلاحيات تلك المنظمة وحدود دورها داخل البلدان ذوات السيادة.

الى كل التهم التي يكيلها تقرير الامين العام للامم المتحدة لحزب الله تهمة اضافية هي التكتم على تفاصيل قدراته العسكرية. وهي سابقة تقتضي التوضيح: هل ان القوى المسلحة الحكومية وغير الحكومية في العالم تمارس الشفافية على قدراتها العسكرية ونوعية اسلحتها، بما فيها الاسلحة المحرّمة دوليا، فلم يبقَ في ميدان الشفافية العسكرية غير المقاومة اللبنانية لم تصرّح عن سلاحها؟ ولمن يجب ان يجري التصريح اصلا؟

وكل هذا والحديث عن تكتّم حزب الله على سلاحه يجري قاب صاروخين او ادنى من حدود دولة تمارس علنا «الغموض النووي» على قدراتها الحربية بل ترفض حتى التوقيع على اتفاقية وقف انتشار السلاح النووي… الدولية!

في تلك الدولة الوف مؤلفة من المستوطنين المسلحين لا يشكلون خطرا افتراضيا او محتملا على السكان المدنيين، بل يمارسون خطرا يوميا على حرية وسلامة وامن وحياة مليون ونصف من السكان الفلسطينيين العرب. بل هم يشكلون، وفق مقاييس اللامم المتحدة اقلا، «خطرا حرجا» على أمن المواطنين الاسرائيليين اليهود وعلى «سيادة» اسرائيل ذاتها طالما انهم اغتالوا احد رؤساء الوزارة فيها! كثيرون لا يستسيغون اقامة المقارنة بين عصابات من القتلة وبين مقاومين وطنين. ليس هذا هو الموضوع. الموضوع هو كشف مبلغ الكيل بمكيالين من قبل مؤسسة دولية تقدم نفسها على انها الملجأ الاخير للعدالة الدولية: كيلة تجعل السلاح القاتل الذي يبد المستوطنين شأنا داخليا، لا يستحق حتى ان يرد في تقارير وبيانات وقرارات الامم المتحدة، وكيلة تجعل من سلاح المقاومين المقاتل ضد الاحتلال خطرا لا على مواطنيهم وحسب وانما على دولتهم وامن المنطقة!

وهذا كله لا علاقة له بموضوع المحكمة الدولية.

المواضيع
علاقات دولية
البلدان
العالم العربي العراق سوريا فلسطين لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
إسرائيل الإمبريالية السياسة اللبنانية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.