العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

صنع في لبنان

«صنع في لبنان» عنوان ساخر لنظام سياسي يُجمّع وفق مواصفات خارجية، تشكيلُه رهنُ التقارب الإقليمي لا الإرادة المحلية، فيما تُهمل قضايا الاقتصاد الحقيقية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

«ُصنع في لبنان»

فواّز طرابلسي

كان يكفي ان يشدّ الرئيس الاسد الرحال الى مناسبة اكاديمية في العربية السعودية وترجيح ان يزور العاهل السعودي دمشق قريبا، لكي يدبّ النشاط والتفاؤل لدى فريقي الحكم – السيادي والوطني، الاكثري والاقلي- وتعود الحياة الى اوصال تشكيل الحكومة. فكيف اذا اضيف دعم رئيس وزراء فرنسي وتأييد نائب رئيس اميركي لتأليف الحكومة الى نسمة التقارب بين سين وسين!

ومع ان التنسيم الاقليمي لا يزال في اوّله، وتتضارب مؤشرات نجاح التقارب بين سين وسين، واثر ذلك في كل الاحوال على فريقي المعادلة اللبنانية، فكأنما بسحر ساحر، ثمة من ينبئنا بالعودة الى معادلة ١٥+١٠+٥ وسحب الاعتراض على توزير مرشح ساقط في الانتخابات وانتقال المشاورات حول تشكيل الحكومة من التطاحن حول ما يسمّي مَن في الوزارة وحول توازع الحقائب السيادية والخدمية الى التداول في السياسات. ويسجّل للتيار الوطني الحرّ انه تقدّم بمشروع سياسي للبحث هو دعوته الى تطبيق اللامركزية الادارية التي نص عليها اتفاق الطائف والدستور. قد يقول بعض الخبثاء ان الدعوة تأتي كأنما لدعم مطالبة التيار بوزارة الداخلية. مهما يكن من امر، فتطبيق اللامركزية الادارية يأتي ضمن مهمات تطبيق البنود غير المطبقة من إتفاق الطائف. وهو يفتح المجال للبحث في تطبيق البنود الاخرى المتعلقة بالغاء الطائفية واستحداث مجلس شيوخ.

في مقابل التفاؤل السائد، ثمة من يعترض تحديدا بإسم «صنع في لبنان». يدعو الدكتور سمير جعجع الى ان تشكّل الاكثرية حكومتها وان تختار هي ممثلي الاقلية علي اعتبار ذلك مطابقا للدستور. ولما كان كل ما في السياسة المصنوعة في لبنان يندرج تحت عنوان الشيفرات، يريد البعض ان يقرأ في شعار الدكتور جعجع «صنع في لبنان» التعبير عن التصلّب الاميركي والمصري، علي افتراض انهما الطرفان المتضرران من الاتفاق بين سين وسين.

الغريب في امر المنطق الاكثري الذي يدعو اليه الدكتور جعجع امران. الاول ان الرجل سليل المدرسة الكتائبية التي وضعت التشاركية مبدأ اساسا للنظام اللبناني وناهضت العددية ولا تزال ودافعت عن الغاء الطائفية، بالسلاح والقول والقلم، بإسم خصوصية لبنان الذي هو في تعريفه ذاته «بلد الاقليات الدينية المتشاركة». اضف الى هذا ان الدكتور جعجع هو نفسه صاحب مشروع اعتماد نظام فيدرالي للبنان، لم يتراجع عنه علناً على ما نعلم، وهو مشروع قائم على تعريف حصري للبنانيين بمن هم جماعات طائفية. اي ان المشروع الفيدرالي يناقض كل العناصر والمباديء الجمهورية والديمقراطية والاكثرية في الدستور.

والامر الثاني والاغرب عند الدكتور جعجع انه يتجاهل ان المبدأ الاكثري هو شطر من الدستور لا الدستور كله. صحيح ان الدستور يقول بحكم الاكثرية البرلمانية الصادرة عن الاكثرية العددية في مجلس النواب وانه يعتمد آليات التصويت في مؤسسات الحكم. على ان الدستور ذاته يواجه هذا المبدأ الجمهوري الديمقراطي القائم على حقوق الافراد والمواطنة، بتشريعه حقوق الجماعات. فيدعو الى «التوزيع العادل» لمناصب الحكم بين الطوائف، ويحمي التعليم الديني الخاص، اي الطائقي، ويتخلّي للطوائف والمذاهب عن التشريع في الاحوال الشخصية، ويقول، ولو مؤقتا، بمبدأ المناصفة في مقاعد مجلس النواب ومجلس الوزراء والادارة بين المسيحيين والمسلمين، الخ.

وللاقتصاد ايضا حصته من «صنع في لبنان». فمنذ ايام، أعلن احد مصانع السيراميك اللبنانية إفلاسه. وهذه ضحية جديدة، صنعت في لبنان، لسيطرة المستوردين على السوق الداخلية ولنهج يعلن الرئيس المكلّف الالتزام به هو نهج الانصياع لأوامر صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية في الغاء الحمايات عن الزراعة والصناعة المحليتين بإسم «تنمية القدرات التنافسية للصناعة الوطنية في الاسواق الخارجية». وهكذا، في هذه البدعة المصنوعة هي ايضا في لبنان، يحق للولايات المتحدة ان تحمي اسواقها، وتنمّي «قدرات صناعتها التنافسية في الاسواق الخارجية» بفرض الرسوم الجمركية المرتفعة على الصلب الاوروبي وعلى الاقمشة الواردة من بنغلادش، ناهيك عن السيارات اليابانية. ولا يحق للبنان فرض روزنامة زراعية او رسوم حمائية دعما لصناعته الوطنية بل انه الغى رسومه الجمركية سلفا منذ مطلع مهلة السنوات العشر التي تسمح بها منظمة التجارة العالمية!

والذي «صنع (حقاً) في لبنان» في هذه الاونة الاخيرة هو هذا الخبر. خلال الاشهر الثمانية الاولى من هذا العام، دخل الى المصارف اللبنانية ودائع بقيمة ١٤ مليار من الدولارات يقال لنا انها تنتظر الانفراج السياسي للبدء بالاستمثار في المجالات الاقتصادية.

ما دامت هذه الودائع قد تدفقت الى لبنان بالرغم من ازمة تشكيل الحكومة، فما الحكمة من الانتظار الى ما بعد تشكيل الحكومة لكي تبحث لها عن مجالات للاستثمار؟ ازاء هذا الفيض من الاموال، وما سوف تولده من فوائد وأرباح، تستطيع المصارف منذ الآن المبادرة الى الغاء قسم من ديونها على الدولة. او هي تستطيع التوظيف في القطاعات الانتاجية او زيادة نسبة تسليفاتها للقطاع الزارعي بحيث تتجاوز الواحد او الاثنين في المئة من مجموع تسليفاتها. او ان تخصص قسما من التوظيفات للقطاع الصناعي من اجل تعزيز «قدرته التنافسية» على ما يرغب رئيس حكومة تصريف الاعمال بعد ان تسلّم الامانة في مضمار السياسة الاقتصادية من الرئيس المكلّف.

هل يدخل هذا الهمّ مثلا في المشاورات لتشكيل حكومة «صنع في لبنان»؟

المواضيع
إقتصاد سياسي سياسة
البلدان
لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
السياسة اللبنانية الطائفية سوريا لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.