يتعرض بول ايلوار لما يتعرض له عادة سائر الادباء والفنانين الكبار ذوي الالتزام الفكري – السياسي اليساري من محاولات للفصل بين حياة الشاعر وشعره، وبين القيمة الابداعية لشعره والتزامه النضالي. ولما كان موقع ايلوار في الادب الفرنسي، والعالمي، راسخاً كل الرسوخ، تمثلت مثل هذه المحاولات على ابراز جانب من شعره على حساب اخرى، او على تهميش اثر التزامه الثقافي – النضالي الشيوعي في ادبه. مثال واحد عن مثل هذه المحاولات وقع في آخر ايام عهد جيسكار ديستان عندما عبّأ اليمين الفرنسي طاقاته لتنظيم عيد لـ «الحرية» اريد منه منافسة العيد السنوي الذي تنظمه صحيفة «الاومانيتيه» الشيوعية والذي يشكل اكبر تظاهرة شعبية وثقافية في فرنسا. عيد «الحرية» اليميني، الذي لم يتكرر والذي اجمع المراقبون على فشله، اعلن عن نفسه بواسطة ملصق لبعت عليه اشهر قصائد بول ايلوار – قصيدة «حرية» طبعاً. اتسرى العديد من اصدقاء ايلوار للرد على هذا الاستغلال الرخيص للقصيدة لاغراض الدعاية السياسية اليمينية. ولكن بقدر ما اكدت هذه الحادثة مدى افلاس الفكر والادب اليمينيين واضطرارهم للجوء الى شعر الشيوعيين لمحاربة الشيوعية، فانها، في الوقت ذاته، شكلت تكريماً إستثنائياً لابن الضاحية العمالية الفرنسية، لانها اثبتت مدى إنغراس شعر بول ايلوار في اعمق أعماق الشعب الفرنسي والثقافة الفرنسية.
«مغني الحب والحرية» – هكذا سمي ايلوار. يمكن قول الكثير الكثير عن هذا العاشق الذي يستحضر كل غنى ومأسوية العلاقات الاجتماعية في حبه: «احبك عن كل اللواتي لم احب … »، والذي رفع شعر الحب الى مصاف الانسانية الجامعة حيث يتحد العاشق والمعشوق: «انا المشاهد والمؤلف والممثل/ انا المرأة وزوجها وطفلها»، هذه الانسانية الجامعة التي يتجرأ عليها الصوفيون والشيوعيون وحدهم. الاولون لانهم يمنحون الألوهة الصفة الحبية. والثانون لانهم يرفعون الانسان الى مستوى الألوهة. والحرية لدى ايلوار بريئة كل البراءة من دم «حرية» البرجوازيين في «المركز» كما في المستعمرات. حرية هي صنو التقدم والمساواة: «ان الحرية ولادة متجددة للفكر…». يقول ايلوار. «والمساواة لا توجد إلا في الرغبة المشتركة في الحرية».
قد يقال الكثير الكثير في الحب والحرية عند ايلوار. لكنه الاقدر على الدفاع عن نفسه. وهو الذي ترك لنا في «الشاعر وظله» سجلاً نضالياً ثقافياً وعملياً حافلاً، وسيرة ذاتية تروي الصلة بين الشعر والثورة. كتابات متنوعة على امتداد اكثر من ثلاثة عقود (١٩٢٠-١٩٥٢) تضم مقالات سياسية وبرامج اذاعية وسيناريو افلام ومقابلات وافكاراً نقدية في الادب والرسم والموسيقى والشعر، تروي قصة الانسان والشاعر: حبه وصداقته للناس، براءته التي تتألق ذكاء وعبقرية، شفافية شخصه وشعره، موهبته الكبيرة، ثقافته الموسوعية وكل جمال لغته الطاهرة الراقية. وقد اراد ايلوار للعنوان ان يقول كل مضمونه: الالتزام الثقافي – النضالي للشاعر يلازمه كظله. بل ان «الشاعر وظله» يحتوي على ما يمكن اعتباره «شاعرية بول ايلوار»: لانه يضم عناصر رؤية متكاملة الى دور الشاعر وصلته بمادة الشعر ووسائله الابداعية من جهة، وصلته بالجمهور من جهة ثانية. والمحور، يستعيد ايلوار اصفى تعبير عن مقومات جمالية ماركسية خلاقة، تقطع، بلا تردد، مع «الجماليات» المبتذلة التي غالباً ماتروّج باسم «الواقعية الاشتراكية» او هي، اقلاء، تساهم في حل عدد من معضلاتها.
المخيّلة التي تغيّر العالم
الشعر والثورة. اية علاقة بديعة تربط بينهما!! ايلوار يعرّف الشعر: «[الشعر] يبتكر ويبدع. الشعر يدمّر. يبتكر نفسه، ويبدع نفسه، ويدمر نفسه باستمرار. انه يفكر بلا كلال، في مرايا الزمن، صورة جديدة عن ذاته، بطريقة هي الاقل توقعاً والاقل تقبلاً لدى اغلبية الناس». فاذا بالشاعر، في ضربة واحدة، يعرّف الثورة ايضاً.
في مدرسة السوريالية نشأ ايلوار وترعرع، تلك السوريالية التي شكلت إنفجاراً تاريخياً حرّر الرغبات والمخيلة واللغة. في مطلع «الشاعر وظله» اعلان الطلاق مع السوريالية بشكل عام، او بالاحرى، عقد القران بين الماركسية والسوريالية، بين الثورة في الادب والآدب الهادف الى الثورة. والشاعر ليس مع كل الرغبات. هناك رغبات تقيّد وتستعبد ورغبات تحرّر:
«ان الرغبة الاساسية المستحوذة على الناس في مجتمعي هي الرغبة في التملّك. وانا إذ اعلن استخفافي الشديد بالذين يسعون نحو الفقر سعياً، اجدني متضامناً مع تلك الفئة من الناس التي تهدف الى إلغاء الملكية الفردية، لأني اجدهم وحدهم القادرين على منح رغباتي السامية كامل قيمتها.
«ان أنبل الرغبات هي الرغبة في النضال ضد كافة العقبات التي يضعها المجتمع البرجوازي امام تحقيق رغبات الانسان الحيوية ورغبات جسده ورغبات مخيّلته في أن معاً.
وانبل الرغبات هذه تقود مباشرة الى الطفولة. لذلك كان شعر ايلوار هو تحريض للانسان ان «يدمر الجدران المرتفعة على طريق طفولته»، ويعيد «الطفولة المستعادة»، «الطفولة السيّدة» (حسب تعبيره) هي هي الرغبة في تغيير العالم والحياة، كما يعلّمنا باشلار. وطموح ايلوار عادي وخارق مثل عملية التغيير هذه:
«اريدني طفلاً كبيراً
اقوى من رجل واعدل
واوضح من طفل».
والرغبات موصولة بالتطور الاجتماعي. ومثلها المخيلة. وهكذا يؤسس شاعرنا للعلاقة الجدلية بين تطور المخيلة وبين التطور الاجتماعي. لا يفهم تطابقاً، او تصويراً احادي الجانب، بل علاقة متعددة التحديدات: «ان تطور المخيلة مرتبط بالتطور الاجتماعي. والواحد منهما يحكم الآخر. ولكن المخيلة تغير العالم. ان ملكة الدنيا هذه هي أمّ التقدم!» واذا كان ايلوار يستعيد صوتاً من صوت ماياكوفسكي في قوله ان «توجد معضلات في المجتمع لا يمكن ان تُصوّر حلها إلا بواسطة العمل الشعري»، فهو يضيف انه على العمل الشعري ان يحل معضلاته من اجل ان يساهم في حل معضلات المجتمع.
الثورة في الشعر
تثوير الشعر، ذلك هو حل معضلاته. وتثوير الشعر من اجل ان يساهم الشعر في تثوير وتغيير الحياة. وتثوير الشعر هو هذا الشغل الثوري على مادة الشعر ووسائله الابداعية وعلاقة الشاعر بالناس.
ولا بد، اولاً، من تصفية الحساب مع ميتافيزيقيا الشعر وسحره. وهذا ما يفعله ايلوار بالضربة الوحيدة القاضية: «ان الشاعر هو الذي يوحي اكثر من الذي يستوحي». فلا وحياً ولا ربّات شعر وشياطين شعر. وبهذه العبارة يقلب ايلوار المعادلة الشعرية التقليدية رأساً على عقب. فلا عجب اذا كان يصب جام غضبه على «النظم» و«القريض»، فكلاهما لا يدير عنصر المفاجأة، يُميت وقاحة البساطة، وقاحة الرؤية الفجة المباشرة لواقع ملهم (بفتح الهاء) ومُلهِم (بكسر الهاء) وبدائي».
وعلى مستوى اللغة، بالطبع، تتعقد عملية التثوير هذه. فتحرير الشعر من طقوسه وقدسيته ونخبويته وسحره ليعود «مألوفاً وعامياً»، برنكز الى الايمان الراسخ بأن «المعجزات الخارقة ستمرّ حكماً من خلال اللغة المادية».
بديلاً عن الشاعر – الساحر، الشاعر – المتنبئ، الشاعر – المعجِز، يرى ايلوار الى الشاعر حاملاً رسالة من نمط آخر:
«… سيأتي زمن يستيقظ فيه كل الذكاء البشري، ليجد في تصرّفه لغته الطبيعية التي غذاها نفر قليل من الرجال، عبر القرون، بفكرهم، وحافظوا عليها في نضارتها. إذذاك، سوف يستخدم كل الناس لغة عفوية، وسهلة، ويستعيدون ملكة الابداع».
وبعيداً عن التعالي النخبوي، وتجاوزاً لمعضلات «الغموض» و«الايصال»، هذا الشاعر الكبير مدرك للدَين العظيم الذي للشعب في ذمته، الشعب ذلك الشاعر الاكبر. لذا، ينضوي ايلوار طوعاً في ذلك النفر القليل الذين إئتمنوا على «اللغة الطبيعية» ليعيدها للناس، ومعها ملكة الابداع. وفي انتظار ذلك الزمن، فان شغلهم لا يتوقف على بلورة لغة شعرية تلغي الفواصل بين العامي والخارق، بين السهل والبديع، لغة طبيعية وعامية، مكثفة، بل مقطّرة تقطيراً، كما في هذا الشعر الى «نوش»، ذاك الطيف الابيض الذي راوده معظم حياته، الذي قال فيه ايلوار اجمل الاشعار، حباً ورثاءً، التي يمكن لشاعر ان يقولها في أي عصر:
غمامة كسل
وحصاد من اللمسات
الظهيرة متفرجة كمين
للذات الارض
للحرارة المثلى
ولامرأة من حليب وقمر وليلك
فائرة من حليب نضرة من قمر
ولسانها معسول من ليلك.
ولان ايلوار يتذكر زمناً لم يكن فيه الشعر، «او سواه من الآداب والفنون»، اختصاصاً او امتيازاً اجتماعياً، فانه يعمل من اجل ان يعود الشعر كالخبز اليومي في متناول الجميع، ان يحقق وصية لوتريامون في ان يكون الشعر «انتاج الجميع». الثورة في الشعر من اجل ان يستعيد الشعب حقه في ابداع الشعر وفي تداوله.
التواصل الديمقراطي والثوري
ان مثل هذه الرؤية للشعر، والممارسة له، منفتحة سلفاً على كل المحاولات الثورية والتجديدية في الادب، مثلما هي قادرة على التواصل مع كل المضامين الثورية في نتاجات ادبية لا تقدم نفسها سلفاً على انها ثورية او انها معبّرة عن الطبقة العاملة على الجبهة الثقافية. ولأن ايلوار عاش ومارس هذه العملية الجدلية بكل ابعادها – شعر الثورة والثورة في الشعر – يستطيع ان يتمثل كل التراث الديمقراطي والثوري في الادب والشعر والفن: بوديل، هيغو، زولا، دي ساد، لوتريامون، بودلير، رمبو، جيرار دي نيرفال، في الفن، بيكاسو، دالي، ميرو، إرنست، دومينغيز، في الفن.
فجدل الرغبة – المخيلة، تحرير الرغبات والمخيلة وتحريرهما للعالم، هو المدخل الى ثورية «الماركي دي ساد»، الذي قضى معظم سني حياته في السجن لانه اراد ان يعيد للانسان المتحضّر زخم غرائزه البدائية، لانه اراد تحرير المخيلة الغرائبية، ولانه ناضل بعنف من اجل العدالة والمساواة المطلقتين. وبهذه الاسباب بالذات، جرى تشويه ادبه وفلسفته وتحويله الى رمز للفساوة والاجرام. الا ان دي ساد، «كان وسيبقى الفيلسوف الاكثر اثارة للرعب، لانه لم يكن ليعترف مطلقاً بأي قيد على هذيانه للحرية»، لان عبقريته عرّت، بلا خجل، كل الغرائز البشرية، ولانه ادان علاقات النفاق القائمة بين الانسان واخيه الانسان. وفي مقاطع مؤثرة، يستعيد ايلوار تنبؤ دي ساد بالثورة الفرنسية الكبرى وهو الذي كتب عام ١٧٨٨: «ان وطننا يتمخض عن ثورة جبارة. لقد ضاقت فرنسا ذرعاً بجرائم ملوكها واعمالهم الهمجية، وتهتكهم ومجونهم. ضاقت ذرعاً بالاستبداد، وانها لمحطمة قيودها!». ولما حطمت فرنسا قيودها، بعد اقل من عام، كان دي ساد في خضم الثورة، يدعم بحماس جناحها اليعقوبي بقيادة مارا وروبسبيير. لكنه يتعرّض مجدداً للاعتقال. ولما اطلق سراحه، رفض تأييد دكتاتورية نابليون بونابارت. ومات دي ساد وهو بكامل وعيه وملكاته العقلية في مصح عقلي، ذاك السجن الذي يسجن فيه المجتمع اولئك الذين تنفلت منهم الغرائز والمخيّلة بحيث يهددون «السلامة العامة»، اي الجنون الاكبر، جنون الرضوخ لأمن النظام القائم وقيمه السائدة.
ان ايلوار لا يحاكم نتاج دي ساد بانتمائه الى انتمائه الطبقي. بل هو يقوّم ذاك النتاج انطلاقاً من يقين الموقع الذي احتله دي ساد في الصراع الطبقي والفكري لعصره. وهذا التمييز بين الانتماء الطبقي وبين الموقع في الصراع الطبقي هو الخط الفاصل بين تيار الجمود والابتذال في الماركسية وبين التيار الخلاق. ولعل ايلوار يتذكر ان لينين درس تراث تولستوي وقوّم انتاجه واثره انطلاقاً من مقارنة ان الروائي الارستقراطي – البطريرك احتل في الحياة والصراع الفكريين والادبيين، كما في الصراع الاجتماعي نفسه، موقع الفلاح الروسي («الموجيك»)!
وعلى هذا المنوال ينسج ايلوار في استيعابه النقدي كل ما هو حي وخلّاق في الثقافة الفرنسية، كل ما يندرج، بشكل او بآخر، في «منحى التقدم». يتوقف عند الرومنطيقيين، اولئك الادباء والشعراء الفقراء والمكابرين الذين يكنّون حقداً لا يحد للقيم البرجوازية، للسلطة القائمة والمال. وكان بيتروس بوريل واحداً من هؤلاء، وصاحب اروع وصف لسقوط سجن الباستيل على يد جماهير باريس الثائرة. يقول بوريل على لسان احد البرجوازيين: «ليتمجّد الخالق… وحوانيتي كذلك!» (وعندنا يقال: «الملك لله… والايجارات لفلان»!). اعتقل بوريل العام ١٨٣٢ لا لسبب سوى «سحنته الجمهورية». وعاش كل حياته في الحرمان والعوز. اختتم كتابه «رابسودي» بهذه العبارة: انا جوعان. وقضى منفياً في الجزائر.
جيرار دي نيرفال، ذلك الرومنطيقي المتلبّس للحزن الابدي، يسأل احدى البرجوازيات: «وكيف تريدينه هذا الذهب، آنستي؟ ملطّخاً بالدم ام بالدموع؟ وهل تحب سرقته بالجملة بواسطة خنجر؟ ام بالتجزئة بواسطة الضريبة والسوق والدكان؟».
ببساطة تستحضر كل غنى وخصوبة وتعقيد التحليل الماركسي، يقبض ايلوار مباشرة على الحلقة المركزية في استيعاب الظاهرة الرومنطيقية. لا يبحث عند الرومنطيقيين عن مواقف سياسية الى جانب البروليتاريا، ولا هو يحاكم شعرهم فلسفياً من منظار قديم او ابتعادهم من المادية، الجدلية او التاريخية. ولا يكتفي قطعاً بالحكم انطلاقاً من الانتماء الاجتماعي. يستوعبهم نقدياً على مستوى آخر، مستوى ادراك النمط المميّز لموقف هؤلاء المجتمع البرجوازي وقيمه. فيرى الى أمرين. الاول، احتجاج افراد «حرّرهم التطور البرجوازي من القيود والعلاقات الاقطاعية، ضد الكبت الذي اخذ النظام البرجوازي يفرضه على الافراد الاحرار»، كبت رغباتهم وكبت مخيلتهم في منظومة قهر وقمع باتت اقسى من المنظومة الاقطاعية. واما الامر الثاني، فهو ردّ هؤلاء الافراد – الاحرار والمهمّشين في آن معاً – ضد القيم الجديدة للمجتمع البرجوازي، وعلى الاخص إحلاله القيمة السلعية – النقدية واسطة شاملة للعلاقات بين الاشياء، وبين البشر، على علاقات التبعية الشخصية للمجتمع الاقطاعي.
الشعر في الثورة
ان شعراً كهذا، حقق ثورته، يستطيع ان ينخرط في تحقيق الثورة في المجتمع. «نحو الممارسة يتجه الشعراء ذوو الرؤية الشاملة، عاجلاً ام آجلاً. ولما كانت سلطتهم مطلقة على الكلمات، فالاتصال الفعلي بالعالم الخارجي لا ينتقص بشيء من شعرهم. والنضال يزيدهم قوة». ونحو الممارسة اتجه الشاعر بول ايلوار. كانت مجزرة الحرب العالمية الاولى منعطفاً في حياته وشعره، رفض الحرب الامبريالية ولبّى نداء لينين لتحويلها الى حرب اهلية. وها هو يسخر من دين جديد هو «عبادة الموتى»: «ان اعبد الموتى يظلون عبيداً»، مؤكداً ان الشجاعة الحقيقية هي في تحديد الاعداء الحقيقيين: «ان احترام الموتى خوف من الموت. انه اجلال للجبن امام الموت. مع أن الشجاعة كانت سهلة. كان يقتضي الامر ان يتعرف المرء على اعدائه، ان يقصيهم، ان يتذكرهم. لكن الاوامر صدرت اليهم بان يتقدموا دون ان يلتفتوا الى الخلف. كان عدوهم وراءهم». لأنما كان هذا الشفاف الطيب في وصفه لرئيس الجمهورية الفرنسي – بول دومير – يسهر في احد المرابع الليلية في باريس برفقة مدير الشرطة: «بينما ملايين العمال يموتون من الجوع، وبينما الذين يدافعون عنهم قابعون في غياهب السجون، وجيوش الجمهورية تضطهد وتذبح شعوب المستعمرات، الاسياد يعربدون!».
وهكذا، فعندما جمع ايلوار اغلى كتبه ومقتنياته وانتقل للعمل السري ايام الاحتلال النازي لفرنسا، كان يمارس شعره بكل بساطة. فها هو يوقع العرائض، ويكتب المناشير، ويصدر النشرات والصحف والمجلات السرية، بل ويساهم حتى في طبعها، ويحمي ادباء وشعراء وفنانين تعذّبوا من اجل فرنسا او سجنوا او تشردوا. كان – على حد تعبيره – يلحق بفكرته، وفكرة الشاعر تقود دوماً الى «الانخراط في منحى التقدم البشري».
وبعد التحرير، يضع قلمه وشعره في خدمة كل الشعوب المناضلة من اجل تحررها، تحررها من الاسياد الاجانب والمحليين على السواء: «ان الشعوب التي تناضل من اجل استقلالها، من اجل انقاذ ترابها الوطني وتقاليدها وعاداتها ودينها، سوف تكتشف انها قادرة ايضاً على التخلص من جميع اسيادها، الاجانب والمحليين». يكتب تضامناً مع الشعب اليوناني، ذلك «الشعب الملك» الذي يقاوم بالسلاح الاحتلال النازي. ويروي للشعب الفرنسي، في سيناريو لفيلم هي («لوي مال») عن جدرانية، او غرنيكا، لبيكاسو، «معلّم الحرية الحقيقي»، الذي يمنح الناس «اسلحة يومية على رفض الانصياع للمظاهر القاتلة». ومن خلال غرنيكا هذه الرؤية القادرة بالثقة في انتصار الشعوب:
«الى خرائب غرنيكا: تحت سماء غرنيكا الصافية، عاد رجل يحمل على ذراعيه وفي قلبه حمامة. انه يغني لسائر الرجال اغنية التمرد الصافية التي تقول نعم للحب وتقول لا للاضطهاد.
«رجل رجل يغني، رجل يأمل. وتبتعد زنابير عذابه في الزرقة المتصلبة، ومع ذلك، فان نحل اغنياته يضع عسله في قلوب كل الناس.
«غرنيكا، ان البراءة سوف تنتصر على الجريمة!»
آلى ايلوار على نفسه ان تكون الحقيقة العملية هي هدف الشعر. فصمم على ان يمحو الفواصل بين المعرفة والجمال، بين العقل والمشاعر في هذه المعادلة التي تلخص شاعريته:
«حقيقة الجمال وجمال الحقيقة من اجل اللذة الكبرى للعقل».
