العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

شارع الذين لا شارع لهم!

بين شارعَي ٨ و١٤ آذار — هل ثمة فسحة لشارع الذين لا شارع لهم؟ كفى ١٥ سنة اقتتال — وكفى ١٥ سنة تمهيد للاقتتال.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

شارع الذين لا شارع لهم!

فواّز طرابلسي

يقول مثل شائع، كثر استهلاكه: إن كنت تعلم فتلك مصيبة وإن كنت لا تعلم فالمصيبة اعظم.

لكن الاعظم من المصيبة الاعظم هو ان عندنا من يعلم ولا يقدم على عمل.

زعماءنا الـ١٤ يعلمون.

كلّهم «قرّاء» للاوضاع الاقليمية والدولية، او لهم من «يقرأ» لهم ويتابع. والـ١٤ يعلمون ان هذه الاوضاع تمرّ الآن في مرحلة انتقالية من شد الحبال من اجل اعادة ترتيب للتوازنات قد يصعب التكهّن بنتائجها وإن تكن ترتسم في افقها ملامح تسوية بين المحورين الذين يتبارى كل من الفريقين اللبنانيين في التعصّب له واستدراجه الى جانبه. ونحن نعلم ايضا منذ ايام «فرنسا ام الدنيا عموم/إعتزّوا يا لبنانيي» ان لبنان ينعم بفائض في المحسوبية تجاه الافرقاء الخارجيين واننا قلّما نتعلّم ان الذي نحن محسوبون عليهم غالبا ما يتصالحون على حسابنا.

لنأخذ المحكمة ذات الطابع الدولي مثالا واحداعلى القضايا المتنازع عليها. زعماءنا الـ١٤ يعلمون ان للمحكمة وظيفتين اثنتين لا وظيفة واحدة. الوجه الاول هو وجه الحق: كشف مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، منفذّيها والمحرّضين، ومعاقبتهم امام القانون. واما الوجه الآخر فهو الاستخدام الاميركي للشبهات التي اظهرها التحقيق من اجل القاء القبض على القرار السوري ومحاصرته في دوائر ثلاثة من دوائر فعله: التحالف مع ايران، العراق، فلسطين.

وتزداد اهمية هذه الوظيفة الثانية بسبب التطورات الاخيرة تحديدا. ذلك ان تفاقم ورطة الاحتلال الاميركي في العراق وحدها كفيلة بأن تؤدي الى اثرين متناقضين، ينعكسان مباشرة على لبنان والمحكمة ذات الطابع الدولي. فمن جهة، تنتظر دمشق ان تقدم الادارة الاميركية على طرق بابها، إذ يتأهب جيمس بيكر لاصدار تقريره المنتظر الذي قد يقترح فيه اشراك ايران وسورية في دور ما لتأمين الانسحاب الاميركي من العراق ووقف دورة العنف المجنونة فيه. وقد طال الانتظار في عرف دمشق، خصوصا ان الباب لم يطرق بعيد هزيمة اسرائيل في حربها الاخيرة على لبنان، ولا يبدو انه يطرق بنقرات مسموعة فيما يتعلّق بلعب دمشق دورا ما في الازمة الفلسطينية.

في المقابل، وللاسباب ذاتها، تزداد الحاجة لدى ادارة الرئيس بوش الى التعويض عن نقاط الضعف الناجمة عن الانهيار العراقي، بالتمسك بالمحكمة ذات الطابع الدولي في استخدامات متفاوتة تتراوح بين ان تكون ورقة مقايضة على تنازلات سورية في العراق وفلسطين، وبين ان تكون وسيلة لفرض تسوية حاسمة على الطريقة التي تمت بها تسوية النزاع مع ليبيا الرئيس القذافي. هذا في حال توافرت ادلة حاسمة على ضلوع افراد سوريين او مراجع سورية في جريمة الاغتيال.

في حالة كهذه، هل يملك فريق الاكثرية ما يقودنا الى حل الاحجية: كيف تغليب وظيفة كشف الحقيقة وإحقاق الحق ومعاقبة المجرمين والمحرضّين وتجنيب لبنان ان يتحوّل الى ساحة لمعارك ربع الساعة الاخيرة بين الفريقين وصولا الى التسوية؟ وعكسا، هل يملك انصار استخدام الثلث المعطّل من اجل تعطيل المحكمة الدولية ما يقنعنا بأن تعطيل الاستخدام الاميركي للمحكمة ذات الطابع الدولي لن يكون مجرد تعطيل للمحكمة بذاتها؟ اي التخلي حق لبنان في كشف الذين اغتالوا الرئيس الحريري وسوقهم الى القضاء ومعاقبتهم حسب القانون؟ وبعبارة، اخرى، كيف لهؤلاء ان يقنوعنا ان صيغتهم في تعطيل المحكمة الدولية لا توازي تضييع الفرصة لتسجيل سابقة ديمقراطية تاريخية تلجم الذين استمرأوا العبوة الناسفة وكاتم الصوت سلاحا في النزاعات الساسية على امتداد العالم العربي؟

ويعلم الزعماء الـ١٤ ايضا وايضا ان اية تسوية في مثل هذه الظروف لن تحتوي على «النصر» لاي فريق، بل على تنازلات تفرض عليهما معا. حتى لا نقول انها سوف تتم على حساب لبنان بالتأكيد. فلماذا يصرّ هذا الفريق وذاك على مجافاة ما يمليه العقل والمصلحة الوطنية من هدنة وتجديد للحوار؟

قلنا سابقا ان للزعماء الـ١٤ مشكلة مع الوقت. تجدهم، في همومهم التعطيلية، متأخرين، معظم الاحيان. ولكنهم هذه المرة متسّرعون. يحدوهم واحد من وهمين. وهمُ يشبه اوهام انصار فرق كرة القدم الذي يظنون ان التحميس كفيل وحده بفوز فريقهم. ووهمٌ ثان هو امكان استباق التسوية الاقليمية-الدولية المرتقبة بتغيير موازين القوى الداخلية وفرضها امرا واقعا على التسوية المرتقبة.

وهنا دور الشارع. ينزل دعاة التوافقية الى الشارع من اجل فرض التوافق بوسائل يسمّونها ديمقراطية يلوح فيما يلوح وراءها شبح السلاح الافتراضي. ودعاة الاكثرية يعتصمون باكثرية الصوت الواحد في حكومة لم يعد مبرر لبقائها فيسعون الى تدعيمها بتسخيف الاكثرية العددية بالاكثرية البرلمانية.

بين لغة الشارعين، هل ثمة فسحة لشارع آخر؟ شارع الذين لا شارع لهم. الا يستحق هذا الشارع ان يكون في مستوى «الجهوزية» هو ايضا ترتفع فيه شعارات الذين دفعوا ثمن الحرب وثمن الحرب الباردة المستمرة والمهددين بتحوّل هذه الاخيرة الى حرب ساخنة:

كفى ١٥ سنة من الاقتتال!

كفى ١٥ سنة قد لا تثمر على ايدي الـ١٤ غير التمهيد للاقتتال!

المواضيع
سياسة علاقات دولية
البلدان
سوريا لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
السياسة اللبنانية الطائفية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.