محمد نورالدين : ماذا تسمي الذي حصل في بعض البلدان العربية ثورات أم انتفاضات؟
فواز طرابلسي : يمكن أن نسميها ثورات من ناحية بعض الأحداث بمعنى أن القاسم المشترك بين كل هذه الإنتفاضات هو إحداث تغييرات جذرية على الأقل في البنية السياسية للبلاد. ليس من قبيل التجاوز أن تسمى ثورات، إنما أنا أفضل تسميتها “إنتفاضات” ريثما يكتمل الحد الأدنى منها، عندما يتحول النظام المصري من رئاسي شبه مطلق الصلاحية الى نظام رئاسي برلماني على الأقل. نحن لا نزال في طور الإنتفاضة إنما لا أتردد في القول بأننا نشهد على امتداد الوطن العربي عمليات ثورية طابعها الرئيسي التحول الى الديموقراطية ليس فقط بأنظمتها السياسية بل بمجتمعاتها ايضا.
محمد نورالدين : في ندوة مؤخراً استهليت كلامك حول أن المثقف العربي قد فوجىء بالثورات التي قامت في بعض البلدان العربية بتقديرك لماذا؟
فواز طرابلسي : أولاً قلت أكثر من ذلك، أن أحد الفلاسفة السوفياتيين الماركسيين سلافوي جوزيك، سمّى ما يجري في المنطقة معجزة ولما سئل لماذا، قال: لأن لا أحد تنبأ بما يجري، السؤال جداً شرعي لماذا لا؟ أولاً ربما في تفسير بسيط وهو أن الثورات عمليات فجائية يصعب التنبؤ فيها إنما، يصعب أن يكون لا أحد قد تنبأ بها. الثورة الفرنسية تنبأ بها البعض، الثورة الروسية تنبأ بها البعض، نحن في حالة لم يتنبأ بها أحد، تفسير أعمق لهذا العجز عن هذا التنبؤ أو عدم التنبؤ، باعتقادي أن الجهد الفكري كان يخضع لأجندة فرضتها بالدرجة الأولى الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، على الأقل تدمج النيوليبرالية مع تفسير الإستثناء الإسلامي، وعنوان لماذا يكرهوننا، والنقص الديموقراطي .هذا المثلث، الأجندة من ثلاثة بنود دفعت بالجهد الفكري من الجهتين، جهة الفكر عن المنطقة وجهة فكر من المنطقة إلى الإجابة على سؤال لماذا لا يوجد ديموقراطية في المنطقة إلى الجواب على هذا السؤال وتربية الناس والتبشير عليهم بالديموقراطية. والأهم من ذلك هو التفسير لماذا هناك عنف أصولي ولماذا هناك حركات أصولية إسلامية، هذا هو الجهد الرئيسي. سأعطي مثالاً لو كنا نتعاطى بالإحصائيات المعبرة التي قام بها بعض علماء الديموغرافيا، لنقلنا مصطلح القنبلة الديموغرافية التي تنبأ بها عدد من البحاثة بأننا في منطقة يزداد عدد سكانها بطريقة واسعة وتزداد نسبة الشباب فيها عن 50 في المئة، جرى تفسيرها، وبالتالي هذا النمو السكاني السريع هو أيضاً نمو من الهجرة الريفية نحو المدن. كان وضوح كامل إحصائي بأننا أمام اتجاهات من هذا النوع، سميت قنبلة ديموغرافية، إنما جرى تفسيرها، تفسيرا آخر وهو أن الإكتظاظ السكاني والعشوائيات يفسّر العنف الأصولي وهذه الجموع الريفية المفقرة هي جمهور خدمات التنظيمات الإسلامية بشكل خاص. إذا أخذت النموذج المصري، قد تبين أن هذا التفسير، رغم أن الإحصاء التقط عنصر الشباب، وأيضاً عنصر الشباب المتعلم، وبالتالي هذا المزيج من شباب متعلم وعاطل عن العمل هو أحد العناصر الرئيسية التي أطلقت الإنتفاضات، لا شك بهذا، هذا نموذج عن كيف يمكن لظاهرة أن يجري تفسيرها باتجاهٍ واحد هو إتجاه هذه الأجندة النيوليبرالية، تفسير الاستثناء الإسلامي، في حين أن الظاهرة نفسها تسمح بتوقع آخر لم يجر الإهتمام به لأننا قابلون لتفسير هذه الظاهرة. بالتالي إذا أخذنا موضوع النقص الديموقراطي، المنطقة تعيش حالةً عمرُها على الأقل عشر سنوات، حتى لا نقول أكثر، محاولات الإجابة على سؤال لماذا لا يوجد ديموقراطية في العالم العربي كانت دائماً تحوم حول موضوع دور الدين الإسلامي ودور الثقافة في هذا الأمر. برأيي التجربة نسفت هذا الموضوع ، كانت تمنع البحث في الأنظمة. الذي يريد تفسير نقص ليس معداً لأن يفسّر ما هو موجود، كنا نفسّر غيابات لماذا لا يوجد ديموقراطية، لا أحد يمّول لها مشروعا بحثيا إسمه ما هي آليات تشغيل النظام الاستبدادي العربي أو النظام السكان العربي في بلد معين ومعبّر جداً مدى جهلنا لطبيعة تشغيل هذه الأنظمة والسؤال الكبير لماذا هي مستمرة؟ ما الذي يفسّر وجود أنظمة عمرها ثلاثة أو أربعة عقود من الإلتزام، وبالتالي الجواب على سؤالك باعتقادي فرض علينا أجندة. أنا أعطي مثلاً واحداً هو موضوع الفساد، مُلئت المنطقة بورش وأدبيات حول أهمية مكافحة الفساد. تعريف الفساد هو الموظف الذي يتلقى الرشوة في حين أنه تبين أن لدينا نوعين من الفساد، تبين ضخامتهما
هما: فساد الحكام، لديك الحاكم السارق، عن طريق فرض الخوة على الصفقات. السارق عن طريق تناول مبالغ من المال العام والسيطرة عليه، السيطرة على الأراضي وبيعها، السيطرة على القطاعات المؤممة وبيعها، الحاكم الذي يتعاطى التهريب، والذي يتعاطى تبيض الأموال، هذا تم ليس فقط على مرأى الحكومات الدولية، هذا تم بالشراكة مع شركات غربية، لا تقدر على السرقة. هناك شبكة من الأفكار قائمة كلها على ضرورة تفسير هذا الاستثناء وتربيتنا بواسطة الخبراء لأن فيها أشياء ناقصة لن يفسّر كثيراً لماذا لم يجر التكهن، لم يجري معرفة هذا الواقع الذي اسمه النظام الإستبدادي العربي وركائزه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
محمد نورالدين : إذا عدنا لتحليل العوامل التي أدت إلى قيام هذه الإنتفاضات والثورات، أكيد لا يوجد ثورة في العالم فيها عامل واحد أو حتى مجموعة عوامل متداخلة، قد يتقدم الواحد على الآخر، إذا أخذنا مجمل ما جرى ويجري في الشارع العربي وبمعزل عن بعض الفروقات بين دولة وأخرى، بين ليبيا ومصر، بين تونس وبين اليمن، لكن بالنهاية ان التزامن في الانتفاضات في هذه المجتمعات يعكس وحدة هذا المجتمع ووحدة التحديات التي يواجهها و المشكلات التي يعيشها وبالتالي هل يمكن التعميم في القول ان العوامل التي أفضت الى هذه الانتفاضات واحدة او شبه واحدة او على درجة عالية من المشتركات؟.
فواز طرابلسي : أعتقد بأنه مهمة المؤرخ عادة تأتي بعد اكتمال العملية. نحن نحكم على بدايات ، وبالتالي هناك مجازفة دائماً في محاولة تفسير العوامل، إنما نخشى بأنه يوجد عنوانان لا مفر منهما: لماذا هذا التزامن؟ أعتقد ان المدخل ربما كان هذا الشعار: الشعب يريد إسقاط النظام. الذي يثيرني ويدهشني هو لماذا نجح هذا الشعار بأن يستقطب الملايين؟باعتقادي أن من طرح هذا الشعار أبناء جيل جديد، ليسوا قدماء بالحياة السياسية. لا شك أن قسماً كبيراً منهم يتعاطى وسائل الاتصال الاجتماعية وبالتالي متحررون أولاً: من كل عبء الثقافة السياسية للأحزاب المعارضة وثانياً: أعتقد على شيء من الطيش له علاقة بالعالم الافتراضي للإنترنت، تقدر على القول بأشياء، بغض النظر عن نتائجها. أنا دليلي على ذلك شخص مثل وائل غنيم الذي بكى بعد خروجه من السجن واعتذر. السؤال لماذا؟ وائل غنيم كان يدعو للتظاهر فإذا هذه المظاهرة تصبح ثورة وإذا سقط شهداء بالتالي تتم أشياء هو لم يتوقعها. اعتذاره ناتج عن الفارق بين نمط الاحتجاج الذي جرى التعود عليه حول موضوع الحريات خاصة كما يجري تداوله عبر وسائل الاتصال الاجتماعية وبين ما يجري عندما تتلقف الناس وتصطدم بأجهزة الدولة. فالمدهش فيما جرى هو أن هذا الشعار البالغ التطرف والجدلية سقط على أوضاع مهيأة من ناحية الكبت والقهر والصعوبات المعيشية وضيق الصدر بنمط الأنظمة الذي غلب عليها الوجه الأمني. عادة النظام السياسي أن يكذب، يدجّل، يخلق لك وهما، يقول لك أنا أعدك بشيء.اليوم لم يعد بمقدورك القول أنا أحارب إسرائيل فاسكتوا، وانتهى الموضوع، كل العوامل متداخلة في حلقات مختلفة من الحلول السلمية للنزاع العربي، فلم يبقى منا غير الوجه العاري الأمني وهو وجه أمني قمعي في معاني عدة : هذه أنظمة تحفظ أمن إسرائيل، تحفظ الامن الامبريالي، تحفظ أمن النفط، تحفظ أمن القواعد العسكرية، تحفظ أمن الاستثمارات، تؤمن بأن جزءا من الثروة النفطية يعود فيوظف في الحواضر الغربية، هذه أنظمة إسراف وهدر، تشتري بـعشرات المليارات من الدولار صفقات طائرات لن تستعملها، هذا كله إسمه أمن، وتتعاطى هذه الانظمة مع شعوبها بوسائل غير مريحة. المواطن العربي يكشف الآن إلى أي مدى كانت هذه الأنظمة لعجزها عن كسب شرعية داخلية تحتقر شعوبها. كل شرعيتها قائمة على الخونة، أقسى تعبير هو معمر القذافي، جاء إلى الغرب 2005 أو 2004، انتهى. يهدد بأنه يحفظ أمن العالم الغربي من القاعدة: إذا لا تريدوني آتي لكم بالقاعدة، أنا أحفظ أمن النفط وانا احفظ امن اسرائيل وأنا أحفظ أمن أوروبا من هجوم الفقراء من القارات الأفريقية.
أعتقد أن هذه النقطة مهمة جداً في فهم ما يحصل: كثرة من الشباب العاطل عن العمل متعلم وهذه طاقة جداً متفجرة تفتقد العمل، وبالتالي لا جواب إطلاقاً عليها، يعني هذا نظام تعليمي كيفما كان رأينا جيداً أو غير جيد ينتج نسبة ضخمة من الشباب المتعلمين على غير وعد حتى بوجود عمل لهم، بقولنا في كل المجتمعات النيوليبرالية من غير تحفظ، نحن المنطقة الوحيدة في العالم التي قبلت بإطلاق الأسواق التي يغلب عليها الطابع الريعي حتى لو لم تكن نفطية. هذا الانفجار السكاني. مغادرة الأرياف ومغادرة الإنتاج الزراعي نحو المدن، نحو البطالة، نحو العشوائيات، أعتقد هذه العناصر مجتمعة تلقي الضوء على أسباب البطالة.
لماذا هي انتفاضات مشتركة ومتزامنة؟ أعتقد انه يعاد التأكيد على وحدة هذه المنطقة من مدخل مختلف تماماً، ليس مدخل الهوية ولا من مدخل القيمية، برأيي من مدخل فكرة الشعب، يعني تفشي هذا الشعار والتقاطه من المحيط إلى الخليج له علاقة برصد كافة أشكال تجزئة الناس على أسس لم تعد تتلاءم مع مصالحها. عندما يقول “الشعب يريد”، معناه أن الشعب إرادته فوق إرادة القبيلة والطائفة والمذهب والمنطقة وقطعاً فوق إرادة الحكام. وهو ظاهرة جداً مشتركة بين كافة الأمة، خاصة وقد فرض عليها أجندات اخرى .الأجندة الأميركية تعرف المنطقة كلها على أساس ديني وإثني، خذ مثالاً تعريف العراق 1991، تقرر أن العراق هو أكراد، شيعة، وسنة، في وقت الآن توجد تظاهرات من السليمانية إلى البصرة تقول الشعب يريد، تقول نحن ممكن أن نكون عربا واكرادا، لكننا نحن شعب واحد، يعادل الإعتراف بفكرة الشعب بوجه تحويل الناس إلى مجتمع مدني ودولي ، والنظام مقابل مجتمع مدني ودولي، فوحدة المنطقة، هي وحدة مشكلاتها، هي وحدة وقع النيوليبرالية عليها، هي وحدة النظام الإستبدادي المشترك، وهي وحدة خصائص النظام الاستبدادي، فبهذا المعنى أمكن لكل حدث بأن يغذي الحدث الآخر، طبعاً هذا تفاوت لازم القول، حيث هناك دولة ومجتمع شبه متجانس العملية أسهل، حيث هناك مجتمع قابل للدفاع، هناك أنظمة قابلة لإستخدام العنف، ولو أدى بها، مثل اليمن وليبيا. هناك مشكلات أخرى، أيضاً لديك أنظمة تلقت الضغط وطاوعته مثل النظام المغربي، الذي سمح بأن تضغط بمزيد من المكاسب، وليس بإطلاق النار على المتظاهرين.
محمد نورالدين : كان مطلب إسقاط النظام شعار الثورات.لكن بناء نظام جديد غير ممكن إلا عبر هدم النظام القديم. بتقديرك ما هو المدى التي ستذهب إليه هذه الاحتجاجات في هدم النظام القديم وبناء نظام جديد على انقاض النظام السابق؟ هل هذا مرتبط بالواقع الاجتماعي والبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الموجودة في المجتمعات العربية؟ أم أنه مرتبط أيضاً بمدى تقبل هذه الثورات بكل واقعها المتقلب لمفاهيم جديدة مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات؟
فواز طرابلسي : هذه العملية هي إكتشاف ما فرض علينا من نضالات جزئية. جرى تجزئة قضايا المنطقة إلى سبعة أو ثمانية عناوين، تنمية، تمكين المرأة، حقوق إنسان، الشباب أضاعوا الموضوع تماماً، ما أمليَ علينا أنه يجب علينا أن نعلم الشباب الريادة في الاقتصاد، قسم من الشباب الذين انتقلوا من هذا النوع من العمل مثل في اليمن يطالبون بعدم تزويج القاصرات ويطالبون بإطلاق سراح معتقلين، هذا الشعور بهذه المطالب الجزئية لن يتحقق أي منها إذا لم نجد تغيير نظام بأكمله وهنا شيء مبتكر وخاص بنا ولا أحد قال لك أنك شعب ولا أحد قال هذا اسمه نظام، أنت تصيغ ثورتك من الثورة الفرنسية، ان تعود إلى عمل عميق وجواباً على الذي تقول، مؤكدً أنه ليس هناك عملية جذرية من دون أن تستدعي قوى الردة عليها. لست مضطراً لإنتظار محاولات الاحتواء ومحاولات تحجيم ما جرى حسب ما هو مطلوب أو ما ينتقي الأمن الإمبريالي. الصراع في مصر هو مع محاولة اعادة إنتاج نظام سياسي رئاسي على قاعدة بقايا الحزب الوطني والأخوان المسلمين مثلاً وبجيش هو حارس هذه العملية الإنتقالية، وبنفس الوقت هو حارس اتفاق كامب ديفيد، هذا نوع من الأسئلة التي تكرر نفسها في بلد مثل تونس، باليمن. لم يعد الجنوبيون يتكلمون بالانفصال ولم يعد الموضوع شمالي جنوبي، بلد مقسوم طائفياً، أصبح الحوثيون جزء من العملية السلمية وأصبحت صعدة تنزل إلى عدن لتواسيها. هذه الكيمياء المدهشة باعتقادي يوجد وراءها إنهيار قسم كبير من المرتكزات الاجتماعية لجيل الثورة المضادة. الآن إلى أي مدى تنجح العملية السياسية؟ برأيي لها حظوظ كبيرة، إذا لم تتعقد بتدخل أجنبي غربي. السؤال الكبير هو أنه حدث مفاجىء وغير متوقع لكنه ليس حدثا من التاريخ عكس ما يجري تغشيمنا بأن الديموقراطية هي الوعي. هذه المنطقة تنتفض لقضايا حق الناس أن يحكموا أنفسهم من 1988 عندما يسقط النظام الجزائري، لا يوجد إنجاز له علاقة بالتعددية السياسية وتحكيم الدستور وبتوسيع صلاحيات الأجهزة التشريعية إلا ما تم بالنضال عكس ما هو شائع. الفارق هو أن قسماً كبيراً من هذه التحركات كانت تحركات للخبز. أُخذت المطالب الى مجال الحرية، لم يجر الأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية والاقتصادية وراء هذا الاحتقان. لا تقدر على الإجابة عن موضوع السكن في مصر، لا يمكنك الإجابة على موضوع الخدمات في العراق لا تقدر على الإجابة على موضوع الفقر.برأيي أكثر من وفقوا بهذا الشعار هم التونسيونز قبل أن يقولوا السلطة، طرحوا الخبز، العمل، الحرية، . نحن أمام ظاهرة معقدة وظاهرة غير محسومة، وظاهرة تفاوتت فيها ردود الفعل الغربية، في مكان استعداد للتدخل وفي مكان آخر التدخل يتم بإتجاه آخر . فضائح هذه الأنظمة بدأت مع الغرب وهي ستواجه حالة من التفاوت وبالتالي تدخل في عملية يصعب التكهن بنتائجها.
محمد نورالدين : غالباً في الثورات الحديثة الكبرى، من الثورة الروسية، الى الانقلاب الناصري الذي أصبح ثورة ، كان يوجد مشروع مسبق له اسس وقيادة.في الإنتفاضات التي يشهدها الشارع العربي نلاحظ بأنه أبداً لا يوجد مشروع متبلور لا يوجد قيادة وهذا واضح من مصر وتونس. بتقديرك، كمؤرخ ولا سيما في التاريخ الاجتماعي هل توجد سوابق لثورات مفصلية قامت من دون مشروع مسبق، لكنها نجحت فيما بعد؟
فواز طرابلسي : أكاديمياً يجري تشبيهها بحالات الانتفاضة في أوروبا الشرقية والوسطى. هي عملية سياسية ديموقراطية أكثر من أي شيء آخر. أنا لا أقر بأن أي انقلاب يتحول إلى ثورة، وطبعاً التجربة الروسية لا تغير. نحن أمام أولاً ظاهرة جديدة لأن ظاهرة القرن الواحد والعشرين هي عفوية ولكنها ليست بدون مؤشرات، درجة العفوية لا تمنع أن لها هدف. لها هدف مشترك أولاً سلبي، إسقاط أنظمة الاستبداد بأجهزتها المعلنة. وزارات الاعلام وزارات الثقافة، ماذا تفعل بالاقتصاد. هذه العملية بالدرجة الأولى الجانب السلبي منها هو الأوضح، الجانب الأقل وضوحاً هو طبعاً استبدال هذه الأنظمة بأنظمة ديموقراطية، أنظمة تقوم على المساواة السياسية والقانونية والمواطنية، إذا قدرت، وتسمح بحد أدنى باختيار الناس لمن يحكمها، هذا يجعلها أقرب إلى ثورة فرنسية. لماذا أنا أشدد على مقولة الشعب يريد إسقاط النظام؟ لمضمونه أن هناك تكوين شعب، وهناك تثبيت إرادة شعبية، هو مبدأ الديموقراطية الرئيسي، لا إرادة الفئة ولا الطبقة ولا الإرادة الربانية، فبهذا المعنى له علاقة بنوع ردود الفعل عليها أن تتجذر أو لا تتجذر. لا تنسى حركة مصر بدأت برقم 10 أو 15 ألفا فقط، يوم الجمعة، تحول الى شيء ثانٍ. تماما مثل ما حصل في اليمن، نزلت القبائل إلى الشارع . بدأ باليمن بنفس الطريقة. الجامعيون والمثقفون، تكلموا عن أبسط الحريات. لن تقدر أن تطالها إلا إذا تواجهت مع السلطة السياسية، اليوم قبائل الوفود ستنضم إلى المتظاهرين من مبدأ مختلف. هي ثورات سلبية أكثر ما هي ثورات مشروع المجتمع، برأيي لا يمكن الاستخفاف بها. نحن هنا في مرحلة ما بعد أحزاب المعارضة، أحزاب المعارضة تدخل، أو تعود إلى الطريقة القديمة: أعطونا حصة. في السلطة. هنا يقولون نريد تغيير السلطة، معبّر جداً، اللقاء المشترك في اليمن ينزل بيان إننا سننضم إلى التظاهرات، دخلوا إلى التظاهرات وهم لم يقرروا، الطلاب هم أجبروهم على دخول التظاهرات، هذه الظاهرات، من المبكر من منظار المناضل أو الباحث أن نحيط بأبعادها.
محمد نورالدين : إذا وقفنا عند مصر، ما مؤشرات مستقبل العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية في ضوء التطورات التي حصلت في مصر؟المجلس العسكري الأعلى اعلن التزامه بالاتفاقيات الاقليمية اي كامب دايفيد.هل هذا تكتكة لحين الموعد الكبير للتغيير أم انها مجرد احلام؟
فواز طرابلسي : هناك حاجة لتأمل دقيق وإعادة نظر في عدد من الأمور. باعتقادي أعادت هذه الإنتفاضات الاعتبار وفضحت حقيقة أن السيطرة الإمبريالية ووجود إسرائيل رهن بالدعم الأميركي لوجود هكذا أنظمة. بالتالي هذا الذي نسميه الأمن الإمبريالي هو جزء من الأمن الإسرائيلي.والبعض ينال الشرعية من الاسرائيليين اولا ليأخذ الشرعية من الأميركيين لاحقا. انهم يختزلون الصراع العربي ـ الإسرائيلي إلى صراع فلسطيني ـ إسرائيلي والعرب الداعمون في لوادي عربة وكامب دايفيد هم الداعمون لإسرائيليجب اعادة الإعتبار إلى أولوية الصراع العربي الإسرائيلي وليس فلسطين وإسرائيل. الصراع العربي ـ الإسرائيلي هو جزء من صراع الجيوبوليتيك، بمعنى أنت مع الأمن الإمبريالي، الواحد. سقطت فكرة أن ترضي الأميركيين يحلوا قضية فلسطين، هذه فكرة الأربعينيات وفكرة الرجعيات العربية وفكرة بعض الأنظمة التقدمية، هذا باعتقادي قد انتهى، جواباً على سؤالك، نملك نقاط النوايا، نملك بالدرجة الأولى أن نعاين ماذا خسرت إسرائيل. نتنياهو يقول ما جرى هو زلزال. باعتقادي يعبّر أولاً عن النظرة الأمنية الإسرائيلية لما يجري. هي نظرية من يحافظ على الأمر الواقع، لا أحد يحافظ على الأمر الواقع وليس بيد أحد أن يحافظ على نظرية الأمر الواقع، بالتالي النظرية السائدة في إسرائيل والتي هي تبحث للعرب عن بدائل، عن أعداء آخرين. العرب يعتبرون أنظمتهم هي العدو الرئيسي، فكرة أن تقنع العرب أن الخطر الرئيسي هو إيران، لم تعد مقبولة، الخسارة الصافية فيما يتعلق بمصر هي أولاً أن كامب ديفيد إتفاق إنما مضمونه الإنحياز المصري لإسرائيل وفي أحسن الأحوال تحول نظام حسني مبارك إلى وسيط بين الفلسطينيين .بينما الموقف الإسرائيلي اليوم من عصام شرف أن هذا الشخص ضدنا، وهم لا يعرفون عنه شيئاً، ما يؤكد لك أن الأساس ليس النص طبعاً، هذا لا يعني ان الحكم العسكري نتاج انور السادات ومبارك. الحكومة تبدأ ببحث بأننا بحاجة لإعادة النظر بأسعار الغاز خلافا للإتفاق على تثبيت سعر الغاز، أقل من السعر الدولي لمدة عشرين عاماً. اتفاق سلام بين دولتين لا يفترض التخلي عن مصالحك السيادية والوطنية من موقع الخسارة الصافية. الجيش الإسرائيلي لم يعد يستطيع أن يتصرف على أنه لا يوجد جبهة جنوبية، يوجد جبهة جنوبية. النظام الديموقراطي نظام يسمح للمواطن، أو لأي نائب مستقل أنه يقول انه يوجد اتفاقية أنا أريد البحث فيها، من يخطر بباله أن يتكلم عن الاتفاقية. البيان ضد التطبيع يوصلك إلى هذا الحدث، ترك في ساحة التحرير شعار ذاهبون إلى القدس بالملايين، ملايين من الحناجر كانت تهتف بهذا. أغاني الشيخ إمام كانت تصدح أنت أمام جيل جديد، وليس جيل كامب ديفيد، جيل كامب ديفيد فوق الستين.
محمد نورالدين : توجد معضلة سيواجهها النظام أو ستواجهها أي محاولة لتركيب نظام جديد حديث، يؤمن بالحرية للناس والمساواة بين الناس وهي معضلة العلاقة بين التيار الإسلامي ومبدأ الديموقراطية وتداول السلطة، الغرب دائماً كان يخوف الناس من الاسلاميين لتبرير استمرار استبداد السلطة وقمعها؟
فواز طرابلسي : أولاً لا يوجد معضلة، بين الإسلام والديموقراطية لا يوجد معضلة لأنه لا يوجد شيء إسمه إسلام يوجد اسلامات؟. ما حدث وضع الحركات الإسلامية في موضعها الحقيقي من الرأي العام العربي، بالتركيز على الأجندة الغربية أن هذه المنطقة فيها معارضات إسلامية في حين تبين أن هذا البلد، أو هذه المنطقة فيها شعب متعدد الإنتماءات من ضمنه 20، 25 أو 30 في المئة هي التنظيمات الإسلامية. هذه الحرب الثورية تجاوزت أولاً التنظيمات الإسلامية كما تجاوزت باقي الأحزاب الأخوان المسلمين. ذهبوا ليقدموا لعمر سليمان عريضة بمطالب الشعب، الشعب كان في مكان آخر، بالتالي لا يوجد فرق بين حزب التجمع والأخوان المسلمين على الأقل من حيث أنهم ينتمون إلى نمط من المعارضة جرى تجاوزها. أيضاً باعتقادي أن الحركات الإسلامية هي جزء من هذا الشعب ولها الحق أن تعرض برنامجها على الناس وتحكم مثل أي مواطن. أنا معارض لهذه الحركات من منطلق أن لا جدول أعمال لها في القضايا الرئيسية للشعب. تقدم خدمات لقسم من جمهورها، لكن ما موقفها من القضايا الاجتماعية؟. هذه الحركات مثلاً في مصر وقفت مع مبارك ومع السادات ضد قانون الإصلاح الزراعي، ساهموا بالقضاء على الإصلاح الزراعي، ثلاثة ارباعها نيوليبرالية. البنوك الإسلامية، هذه كلها عرضة للإلتحام، أضف إلى ذلك أن حلمها هو أن تكون من النمط التركي. حركة الأخوان المسلمين، قسم يريد إقامة حزب دعوة وقسم يريد إقامة حزب سياسي يخوض المعركة من الداخل. هم حذرون أكثر من اللازم: لن نترشح للإنتخابات، يقولون بنوع من التحايل إنهم سيكسبون الشعب فلا تخافوا منا، من بين كل حركات المعارضة الذي وافق على التعديلات الدستورية هم الأخوان المسلمون، في حين أن باقي الشباب عارضها. إذا أجريت انتخابات سريعة سيتقاسمها الأخوان المسلمون والحزب الوطني، أنا جوابي الدين ليس إشكالية. الإشكالية الغريبة ان هناك حركات سياسية، مثل الحركات الباقية تريد إمتحان الديموقراطية. لا شك لديك بأنها ستفشل كثيراً عندما تكون في السلطة وستغيب الآمال لأن حركاتها الفعلية ليست مجهزة، ليس لديها جواب. جيدة بالخدمات والتبشير لكن إنطلاقها ديني والملكية الفردية مقدسة. ستواجه هذه الحركات تحديا لإعطاء رأي بالقضايا الفعلية. أكثر من هذا لا شيء ممكن ولن استغرب أن تصير هذه الحركات من الحركات التي تتوجه لها الإدارات الأميركية لحفظ الإستقرار في هذه المنطقة. أنا اتحمل مسؤولية هذا التوقع وغداً سنرى.
محمد نورالدين : النموذج التركي يجمع بين الإسلام والديموقراطية والإسلام والعلمانية، بتقديرك هل هذا النموذج هو الأمثل للعلاقة بين صيغة نظام سياسي ديموقراطي وحريات وحقوق الإنسان، ومجتمع إسلامي، هل تعتقد ان هذه الصيغة تراعي خصوصيات المجتمعات العربية؟
فواز طرابلسي : أنا معجب بالنموذج التركي بغض النظر عمن يحكم الآن. هو أيضاً يؤكد أن أي مجتمع يمكن أن يكون ديموقراطيا بغض النظر عن هويته. وهو يؤكد أن طرح السؤال حول الإسلام الديموقراطي لا معنى له، مثل طرح سؤال العلاقة بين المسيحية والديموقراطية، لكن في الغرب أنت ليس من أحد يطرح العلاقة بين المسيحية والديموقراطية، أنت في دولة علمانية دستورها يضمن علمانية الدولة.وقد نجحت في دولة اسلامية ليس لأنها اسلامية بل لأنها تطرح موضوعا واحدا إسمه الشرعية للناس، ، لمن يدّعي تفسير الشيء، بالتالي مبدأ السيادة الشعبية هو المبدأ السيادي المحقق وبالتالي الثورة الديموقراطية أقسى ما تستطيعه، أو أقسى ما يجب أن تهدف له هو هذا . الحوار الآن بمصر يتعلق بالدستور، الدستور الذي تديره الشريعة الإسلامية، من أجل أن يضمن الدستور المساواة السياسية والقانونية للمواطنين. وبالتالي سيصبح الخلاف مع الأخوان هل يجوز أو لا يجوز للقبطي أو للمرأة ان تتسلم رئاسة الجمهورية. أتاتورك وضع إسلاما خاصا به، وضع دين دولة، ليس دين علمنة فقط، جوابي بسيط أن القسم الأكبر بما يسمى علمانية هو إجراءات ديموقراطية، هل إن القول بالمساواة السياسية والقانونية للمواطنين قول ديموقراطي أو علماني، قول ديموقراطي ومطلب ديموقراطي إلغاء الطائفية السياسية، وإلغاء حقوق الجماعات المتراكمة وبالتالي إعادة الإعتبار للمواطن المتساوي بالقانون والسياسة. في لبنان الناس غير متساوين، ليس كل لبناني يقدر أن يكون رئيسا للجمهورية، تماما مثل مصر، فمعظم ما يسمى علمانية في بلادنا الآن هو ديموقراطي. المبدأ العلماني هو الوحيد الذي له علاقة بالمدرسة، والتعليم، وله علاقة بالأحوال الشخصية، سؤال المدرسة هو عما اذا كانت الدولة تنحاز إلى التعليم الرسمي أو التعليم الخاص. في الأحوال الشخصية هل يتاح لمن لا يريد أن يتبع الشريعة أو الدين المسيحي أن يكون عنده قانون مدني. طبعاً هذا مختلف عن النظام التركي حيث العلمانية فرض، أنا ضد فرض العلمانية ، أنا مع حق الاختيار أن تتحجب المرأة أو لا تضع الحجاب لا إلزام بالجهتين لا إلزام بلبسه ولا إلزام بخلعه وفي ما يتعلق بالأحوال الشخصية وجود قانون مدني.
أنا أعتقد بأن هناك حدثا تاريخيا. أنا سعيد انني عشت لأراه وبالتالي يختصر المراحل ويسمح للفكر والإرادة أن يؤثروا، أنا لست من جماعة التفاؤل والتشاؤم، أنا مع الأمل. هذه الحركات تبعث بالأمل، وفي المستقبل نستطيع أن نطمح إلى حاضر أفضل ومستقبل أفضل، هذا أهم شيء. لدينا التفاؤل والتشاؤم ولا علاقة لذلك بالتوقعات، ليس لدي توقع. برأيي توجد حالة. المهم مواكبتها بالكلام والإرادة والمشاعر والفعل.
