خطاب نتنياهو: برسم التاريخ والنفط!
فواّز طرابلسي
حَسَم خطاب نتنياهو الاخير في حقيقة أنه لا يوجد شريك إسرائيلي للسلام بواسطة لاءآته الثلاث: لا دولة، لا عودة، لا قدس. واكّدت استطلاعات الرأي الاخيرة ان هذا الخيار يحظى بتأييد أعلى نسبة ممكنة من الاسرائيليين (٧١٪).
ولم يقتصر خطاب نتنياهو على تثبيت امن اسرائيل بما هو الشرط الاوحد في اية تسوية. بل كرّر ايضا الشروط الفلسطينية والعربية المعروفة لحماية امن اسرائيل.
سوف يذكر التاريخ خطاب جامعة بار ايلان، لسببين. الاول، هو النقلة النوعية في الخطاب الاسرائيلي بالعودة الى اصول النزاع من اج للغاء الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني على ارضه. والثاني، هو اكتساب «السلام الاقتصادي» معاني جديدة كل الجدة.
بناء على هذه العودة الى اصل النزاع، يجب ان نصدّق، ويصدّق العالم، ان الوطن التاريخي لليهود (وقد اعاد اليه نتنياهو اليهودية والسامرة) في ارض فلسطين يعود الى ٣٥٠٠ سنة. يجب ان نصدّق ذلك، رغم حقيقة ان القاصي والداني، بما فيه المؤرخون الصهاينة انفسهم، يعرف ان اليهود غادروا ارض فلسطين منذ العام ٧٠ ميلادية. واما العرب الذين إستوطنوا فلسطين على امتداد اربعة عشر قرنا، في منطقة غيّرت لغتها من العبرية الى الأرامية فالعربية، فيجب اقناعهم، ومعهم سائر العالم، بأن هم «الضيوف» الذي يعيشون وسط «الشعب اليهودي» على «ارضه»!
وقد لا يختلف المرء مع نتنياهو في ان مقاومة الشعب الفلسطيني المسلحة للمستوطنين الصهاينة بدأت عام ١٩٢٠. اما الاستيطان بالقوة الذي تكرّس ذلك العام، في ظل حراب المستعمر البريطاني وضد ارادة شعوب المنطقة في الاستقلال والوحدة ورفض المشروع الصهيوني في فلسطين، حسبما اوردها تقرير «لجنة كينغ كراين» الى عصبة الامم، اما هذا الاستيطان الاستعماري فليس بأي حال عملاً عدوانياً يستدعي ان يقابله عنف مقاوم.
كذلك يريدنا نتنياهو ان نصدّق ان الذين بادروا الى الحرب عام ١٩٤٨ كانوا الفلسطينيين لأنهم لم يعترفوا بقرار التقسيم. هل هذا صحيح؟ الصحيح ان الحكام العرب والقيادة الفلسطينية رفضوا قرار التقسيم الذي أقرّته الامم المتحدة عام ١٩٤٧. رفضوه بواسطة الضغط الدبلوماسي والتصريحات العلنية. على ان مَن رفض القرار فعلاً وخطّط عسكريا وسياسيا لمنع قيام الدولة الفلسطينية – منذ ذلك الحين!!- ونفّذ ذلك المنع عمليا فهم الصهاينة انفسهم. وضعت القيادة العسكرية الصهيونية خطة للتطهير والتهجير العرقيين تقتضي توسيع حدود الدولة اليهودية من خلال احتلال الجليل لمنع التواصل بين الدولة العربية ولبنان وسورية. وقضت الخطة ايضا بإجلاء اكبر عدد ممكن من السكان العرب من اراضي الدولة اليهودية (حيث كانوا يشكلون الاكثرية السكانية) بواسطة المجازر النموذجية وقوة السلاح. على ان الذي قضى نهائيا على قيام الدولة الفلسطينية عام ١٩٤٨ هو اتفاق القيادة الصهيونية والملك عبدالله (الاول) في مفاوضات سريه بينهما على استيلاء قوات ملك الاردن على القسم الاكبر من الاراضي المقررة للدولة الفلسطينية وضمّها الى مملكته. وهذه كلها خطط وسياسات ومفاوضات ممارسات باتت حقائق تاريخية اكدّها مؤرخون اسرائيليون بناء على الارشيف العسكري الاسرائيلي.
فلسطين في حدود الكانتونات الثلاثة الواقعة افتراضيا تحت سلطة محمود عباس المنتهية الصلاحيات تهدد امن اسرائيل. يجب ان نصدّق ذلك. ومعنا العالم كله. واسرائيل، ذات رابع اقوى جيوش العالم، بطيرانها وصناعتها الحربية، والمئتي رأس نووي، اسرائيل التي شنّت لم يعد المرء يدري كم حرب على جيرانها الاقربين في الاعوام ١٩٥٦ و١٩٦٧ و١٩٧٨ و١٩٨٢ و١٩٩٦ و٢٠٠٦ و٢٠٠٨، اسرائيل هذه، التي ضربت المفاعل النووي العراقي، وطاولت عمليات ارهاب الدولة التي تمارسها اراضي السودان والقارة الافريقية، ولا تزال تهدد بضرب المفاعلات النووية الايرانية، هذه الاسرائيل لا تهدّد اي جار من جيرانها الاقربين والابعدين!
الامر الثاني الجديد في خطاب نتنياهو هو تحويله «السلام الاقتصادي» مصيدة لاستجلاب الاموال النفطية الخليجية للتوظيف في مشاريع مشتركة تنفذها اسرائيل. قد يظن المرء للوهلة الاولى يبدو كأن نتنياهو يقترح مشاريع تنموية وخدماتيه غرضها تحسين الاوضاع المعيشية لسكان الاراضي الفلسطينية المحتلة. تتغيّر الصورة كليّاً عندما نقرأ الخطاب. نتنياهو المعجب بـ«المشاريع المبهرة … في الخليج الفارسي» يقترح «تحلية المياه» و«استغلال الطاقة الشمسية وإستغلال موقعنا الجغرافي لمد خطوط الغاز والنفط وطرق المواصلات التي تربط افريقيا بآسيا وآسيا باوروبا». والمعروف ان للاسرائيليين خبرات خاصة في تحلية المياه وفي استخدام الطاقة الشمسية لتوليد الطاقة، يعرضها رئيس وزرائها على العربية السعودية والخليج ذوات الشموس الحارقة والمياه الشحيحة. اما «استغلال موقعنا الجغرافي» فالمقصود به، طبعا، موقع اسرائيل. والاقتراح هو نقل النفط والغاز العربيين الى البحر الابيض المتوسط على الساحل الفلسطيني.
يبقى مَن يصدّق ان هذا الزواج بين الخبرات الاسرائيلية والاموال النفطية من شأنه تحسين الاحوال المعيشية لسكان الاراضي الفلسطينية المحتلّة!
السؤال مجددا: ما الذي يسمح بكل هذا الصلف الاسرائيلي؟
في مجال الصلف التاريخي، ليس غريبا ان تواصل الصهيونية محاولاتها محو الذاكرة الفلسطينية وإزالة معالم ومراحل العملية التاريخية لنشأتها بالاعتماد على التاريخ الخرافي وارض الميعاد والحقوق التوراتية. لكن الغريب حقاً ان تستطيع اعمال الاستبدال التاريخية هذه ان تفيد من الاهتراء شبه الكامل للرواية الفلسطينية والعربية عن النزاع العربي الاسرائيلي. فقد تحوّلت تلك الرواية، بعد عقدين من الزمن على الحلول الثنائية واتفاقية اوسلو ومبادرة السلام العربية، الى تأتأة ترتضي بالرواية الاسرائيلية والغربية التي تعيد «اصل» النزاع الى حرب حزيران ١٩٦٧ طالما ان الحل بات يتعلّق بآثار تلك الحرب.
اما الصلف الاقتصادي، فيسمح به تحويل مشروع السلام العربي، الى مبادلة التطبيع العربي بالانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة عام ١٩٦٧ والدولة الفلسطينية. وعندما يصير التطبيع «الورقة الاخيرة» للضغط على اسرائيل، على ما ورد على لسان وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل، فهل من المستغرب ان يدور البحث في بدائل او مداخل «اقتصادية» للتطبيع، بعد ان قدّم غير دولة عربية، من موريتانيا الى مصر فدول الخليج والاردن، ما يكفي من البراهين على استعدادها للفصل بين التطبيع التجاري والاقتصادي غير المشروط باي شرط يخص التقدم في مسار التسوية او الحل وبين التطبيع السياسي والدبلوماسي المسمّى «ورقة الضغط الاخيرة»؟
