العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

جنازة صاروخ

الجنازة ليست للصاروخ بل لوهم الأمن الإسرائيلي — «يدرسون هزيمتهم ليستخلصوا العِبر، أما نحن فلا نعترف بالنصر». والجمل باقٍ وشارون إلى زوال.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

جنازة صاروخ

فواز طرابلسي

[الى ذكرى السيد محمد حسين فضل الله ]

في ٩ كانون الثاني ٢٠٠٦ نشرتُ في «السفير» نصا بعنوان « شارون والجمل » تعليقا على صورة لرئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق آرييل شارون يقف في ازاء جمل عربي في صحراء النقب. المناسبة: دورة تفتيش تتعلق بالتهريب عبر الحدود. بدا شارون في الصورة مهموما، مقطّب الجبين. والجمل باركٌٍ لا يبالي بالمتحلقين حوله من رجال دولة ومسؤولين وعسكريين وامنيين اسرائيليين.

كتبتُ متسائلاً: « لماذا يبدو الصنديد مهموما الى هذا الحد في إزاء الجمل؟ كأنه يتساءل كيف يمكن التخلص من الجمل. وكأن الجمل يبتسم لأنه يعرف ما يدور في خلد شارون. فالجمل خطير لأنه يتذكر كل شيء. مشكلة الجمل انه لا ينسى. والجمل خطير لأنه يتحمّل كثيرا ويصبر. ولكن اخطر ما في الجمل انه لا يرحم عندما يثور.»

مطلع كانون الاول ٢٠٠٥ دخل شارون في غيبوبة لم يفق منها بعد. مرّ العدوان الاسرائيلي على لبنان في صيف ٢٠٠٦ وقائد حملة صيف ١٩٨٢ على لبنان لا يزال غارقا في غيبوبته. لم يبلغه احد ما حلّ بجيشه الذي لا يقهر.

تكررت قصة شارون والجمل في اثناء حرب صيف ٢٠٠٦. وإن اختلف المشهد.

خلال تلك الحرب، نقلت قناة «المنار» عن التلفزيون الاسرائيلي هذه الصورة لبقايا صاروخ من طراز «خيبر ١» ضرب العفولة في فلسطين المحتلة يوم ٢٨ تموز . بتحديد اكبر، هو صاروخ من نحو اربعة آلاف من الصواريخ اطلقها الجهاز العسكري لحزب الله على مواقع ومدن في فلسطين المحتلة في حرب تموز – آب ٢٠٠٦.

في وسط الصورة، يقف ضابط يبدو انه الاعلى رتبة والى يساره بالثياب الزرقاء ما نرجّح انهما خبيرا صواريخ. ولعلنا خارج احدى ورشات الجيش الاسرائيلي خلال مؤتمر صحفي عقد خصيصا لهذه الغاية. الى اليسار، مسؤولة في الاعلام العسكري تمدّ الميكروفون ليدلي المسؤول بتصريح لن نعرف فحواه، ويجانبها ما يبدو انه مراسل حربي يتأهب بدوره لتسجيل الحديث ولكن على ورق.

المتحلّقون حول الجمل والمتحلقون حول بقايا صاروخ في هذه الصورة يجمع بينهم انهم قوم يشاهدون ويشهدون. اما الجمل والصاروخ فيجمع بينهما ان كلاهما هو «الآخر». واحدهما هو الحيوان-الرمز الابرز لـ «الآخر». والثاني، بدعة عسكرية جديدة وارد «الاخر» عينه. ويصدف ايضا ان الجمل والصاروخ كلاهما عابر للحدود. بعبارة اخرى، كلاهما من الناحية العسكرية منتهِكٌ لحدود دولة اسرائيل، ويشكل خطراً على أمنها.

على ان الفارق بين الصورتين هو في الجو السائد في كل منهما. في صورة شارون والجمل، يسود شيء من المرح وتعلو الوجوه معالم دهشة وإبتسامات، وإن تكن خجولة، عند مرأى الحيوان الغريب. وحده شارون لا يبتسم، كأنه المدرك وحده خطورة الجمل على أمن اسرائيل. ترتسم على محيّا الرجل الذي تُوّج ملكاً على اسرائيل، علامة تفكر.

تستطيع أن تقيم مقارنة بين الصورة الصاروخية وبين لوحة «التشريح» الشهيرة لفيلاسكيز. هذا ما كان ليفعله جون برجر لو وقعت الصورة بين يديه. وهو الذي قارن لوحة المعلّم الاسباني بالصورة الشهيرة لارنستو تشي غيفارا مسجى على مزود وقد قتله الجنود. إستبدل الطبيب الذي يشرح تفاصيل الاعضاء والعضلات والاعصاب في جسد ميت لطلاب الطب، تلقَ خبيري اسلحة يشرحان تفاصيل عملية «تشريح» الصاروخ التي نطالع في الصورة «اشلاءه». حدد الخبيران طراز الصاروخ وطبيعة حشوته، اي نوع المادة المتفجرة التي تحملها، ومداه ومبلغ دقته ووزنه والبلد الذي صنّع فيه وسنة الانتاج وانماط التعديل التي ادخلت عليه في البلدان التي صدر منها والوقت الذي تحتاج عملية تجهيزه والاطلاق للتحري عن امكان اكتشافه، في الوقت المناسب، من الطائرة من غير طيّار وإنذار الطائرة السمتية لتدمير منصة الاطلاق.

قد إستمع الضابط الى نتائج التشريح، وهو يهمّ بأن يلقي بتصريح عن حيثيات الصاروخ العابر للحدود.

يخيّم الوجوم على الصورة. والقوم أشبه بمن هم في حضرة جثة ميت او تابوت، يشاركون في تشييع جنازة. مع ان الجثة جثة صاروخ معادٍ. ولكن، لعل الجنازة ليست تشيّعاً لصاروخ. بل هي تشييع لوهم. وهْم الامن الاسرائيلي يحرسه «الجيش الذي لا يقهر ». وهْم التفوّق المطلق للطيران الحربي الاسرائيلي سيّد السماد وحامي الارض ومن عليها.

اليوم ٢٩ تموز ٢٠١٠. لا يزال شارون في الغيبوبة التي دخلها مطلع كانون الاول من سنة ٢٠٠٥. لم يصحُ منها لكي يبلغه أحدهم بأن الجيش الذي لا يقهر انقهر في لبنان. لم ينهره احد مرددا النكتة التي سادت في اسرائيل بعيد هزيمة ٢٠٠٦: «إصحَ، شارون. أولمرت في غيبوبة »! والآن وقد باتت الهزيمة موثقة في تقرير لجنة فينوغراد، الذي اعترف بالهزيمة ووردت فيه كلمة «فشل» اكثر من مئة مرة، لن يقرأ احدهم على مسمع وزير الدفاع الاسرائيلي السابق التصريح الذي ادلى به السيّد حسن نصرالله تعليقا على تقرير فينوغراد. قال الامين العام لحزب الله (الصحافة، ٣ ايار ٢٠٠٧):

«عندما يتصرّف الكيان المعادي بصدق واخلاص حتى في قضيته غير المحقة، لا تستطيع الا ان تحترمه، وخصوصا عندما تنظر الى الجانب الآخر الذي لا يحقق ولا يدرس ولا يحاسب ولا يسائل، ولا يشكل لجان تحقيق. كأن شيئا لم يحصل، بل اسوأ من ذلك، الى الجانب الآخر الذي يحقق بعض منه نصراً تاريخيا عظيما فيجحد هذا النصر ويتجاهله ويطعنه في الظهر. يدرسون الهزيمة ليستخلصوا العِبر ليستعيدوا قوتهم وهيبتهم. اما نحن فلا نعترف بالنصر لندرس عبره ونقاط قوته لنتمكن من تحقيق نصر آخر وآخر وآخر في المعركة الطويلة المفروضة علينا وعلى امتنا وعلى مقدساتنا ».

إن مقاوِماً يعرف كيف يحترم هزيمة عدوّه لهو مقاوم يستحق الاحترام. وهو جدير بالنصر تلو النصر!

اليوم هو التاسع والعشرون من تموز ٢٠١٠. لا يزال آرييل شارون في غيبوبة. وابناه يحاكمان بتهمة الفساد. وأولمرت سقط في فضيحتين: حرب تموز ٢٠٠٦ وفضائحه المالية. والجمل لا يزال يعبر الحدود. والصواريخ التي تضاعف عددها عشرة اضعاف تنتظر يوما تضطر فيه لعبور الحدود.

والجمل باقٍٍ وشارون الى زوال.

المواضيع
سياسة
البلدان
فلسطين لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
إسرائيل التاريخ اللبناني حرب لبنان 2006 حزب الله لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.