العودة إلى المنشورات
منشورات أبحاث

جبال الصوّان: فلسطين في فنّ فيروز والرحابنة

ما لم يصنعه الفلسطينيّون لأنفسهم صنعه الرحابنة ــ شهادة محمود درويش.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

لم يقدم فنانون لفلسطين، كمّاً ونوعاً، قدر ما قدمه الرحابنة في الأغنية والمسرح الغنائي. بل قدم الرحابنة فنياً للفلسطين ما لم يقدمه الفلسطينيون أنفسهم. والشهادة لمحمود درويش:

«إن الشعب الفلسطيني لم يبدع أغنيته الوطنية كما أبدعها له والرحابنة الظاهرة الرحبانية… لقد أشهر الفلسطيني هويته الجمالية بالأغنية الرحبانية الحديثة… حتى صارت هي إطاره الروحي، في الوطن المستعاد، وحافز السير على طريق القوافل الطويل.»

إن الرحابنة تراث فني متكامل عن فلسطين يجمع بين الأغنية والإسكتش والمسرحية الغنائية والنشيد، ويضم أعمالاً مثل «مشوار بيّاع»، و«خذوني إلى بيسان»، و«أجراس العودة»، و«راجعون»، و«هاب نهار آخر»، و«زهرة المدائن»، و«شوارع القدس العتيقة»، و«جسر العودة»، و«يا جسراً خشبياً وسراها»، و«جسر القمر»، والمؤلف التلفزيوني المتعدد الحلقات «عودة الحراس» [؟].

وليس يقتصر الأمر على كمية الانتاج الرحباني عن فلسطين بل يطاول التنوع. أعني أنه يطاول التجديد والتغيير. يحق لفيروز والرحابنة أن يُخبَروا عن حق أنهم أسهموا في انتشال الشعر والغناء لفلسطين من السائد شعرياً وفنياً. أي ذلك المزيج من الكتابيات والخُطبية. خلال العقدين الأولين أو يزيد على النكبة ليبتدعوا لفلسطين هوية جمالية جديدة. (وأمثّل خذ مثلاً قصيدة «فلسطين»، من شعر علي محمود طه وغناء محمد عبد الوهاب لاستبيان عناصر ذلك الجديد. (وأمثّل جاوز الظالمون المدى/ فحق الجهاد وحق الفدا/ أنتركهم يسلبون العروبة/ مجد الأبوّة والسؤددا)، هنا تستنفر شجرة فلسطين عصبية جمعية مرجعها أمجاد الماضي المشتركة، فتنتفض كرامة قبلية معضّنة «العروبة» تستدعي الفزعة الثأرية من أجل الثأر وقد تحوّل إلى حرب دينية (الجهاد).

بدلاً من الشغل على الفراق والعصبية، يشتغل الرحابنة على الذاكرة والمكان. فالأرض عندهم موضوع الشعر والحنين سواء غنائي فردي، أو جماعي، إلى الأرض. ومهمة الشعر والغناء استحضار المكان المسلوب. وإذ يتجاوزون هجاء العدو والوعيد العشائري بالثأر، ينقلون التعبير إلى حقل فني جديد، ودأبهم في ذلك كان يسير متوازياً على نحو غريب ومغاير مع الإنطلاقة الجديدة للشعر الفلسطيني في الأرض المحتلة، وبخاصة في قصائد محمود درويش الأولى. وهذا الإحساس بالمكان ظاهرة مشتركة في المراحل الأولى من كل أدب مقاوم، حيث تتم استعادة المكان الذي استُلبه واحتله المستعمِر بواسطة المخيلة الشعرية.

وهكذا، أحلّ الرحابنة ثنائي «الحنين/ العودة» إلى الأرض محلّ ثنائي «النخوة/ الثأر»، فأسهموا في إبداع المناخ الثقافي الذي سوف يمهّد لرؤية جديدة ومعارضة جديدة للقضية الفلسطينية في انطلاقاتها المتجددة بعد هزيمة العام ١٩٦٧.

ولم يكن هذا الجديد طارئاً بأي حال على الفن الرحباني. ذلك أن ثنائي «الحنين/ العودة» محور أصلي من محاور الإبداع الرحباني. إن عدداً من الأغاني التي درج المستمعون على اعتبارها جزءاً من نتاجهم الغنائي عن فلسطين، لم تعدُ كونها أغنيات حنين للعودة إلى المكان الأصلي، القرية أو الطفولة. أذكر هنا بأغنيات من مثل «بعدنا، وبلدي»، و«ردّني إلى بلادي»، الخ. عندما كان الرحابنة يخلّون لفلسطين، كانوا أحياناً كثيرة يخلّون للبنان. وعندما كانوا يخلّون للبنان، كانوا في الوقت ذاته يخلّون لفلسطين.

ولكن ما لبث الرحابنة أن تنكّروا عن ذلك الجديد في بعض أعمالهم. في تلك التي انساقوا فيها مع تيار الحماسة العربية السائدة. لعلهم قاموا بذلك بشاعرية أكبر ورمزية غنائية أغنى. ومع ذلك، فقد انساقوا في التيار. عند إعلان إغلاق مختزن تيران، طقّت الإذاعات العربية، كأنها استجابة لتوجيه واحد، ببث شبه رسمي سوف يرتبط يومي العرب ومشاعرهم بحرب السادس من حزيران ١٩٦٧. إنه نشيد «أجراس العودة» الذي سجّله الرحابنة في العام الفائت. كان صوت فيروز مثل «لسان النار» يلحس السائرين إلى المعركة أو الشرفاقين إلى المواجهة الفاصلة:

«الآن الآن وليس غداً
أجراس العودة فلتُقرع
…
سندقّ ندقّ الأسوار
نستلهم ذاك الغار
ونُعيد إلى الدار الدار
فنمحو بالنار العار.»

ومقدار ما كان في الرحابنة جزء أساسي من تلك الحماسة الإذاعية العربية، انسحب عليهم ما استدعته تلك الحماسة من نقد وسخرية بعدما أسفرت حرب الأيام الستة عمّا أسفرت عنه من نتائج.

وكانت «جبال الصوان» التي عُرضت لأول مرة سنة ١٩٦٩ جواب الرحابنة على تلك الهزيمة ونتائجها بلأ رد فعل عليها، المقاومة المسلحة للشعب الفلسطيني. على أن التعبير خضع عندهم لعملية «نقل» بالمعنى المملسن: نقل الرحابنة قصة مقاومة الإحتلال إلى إطار تاريخي آخر هو إطار الإنتفاضات العامية اللبنانية ضد الإحتلال والظلم الإجتماعي. ولعل ذلك «النقل» لم يكن يخلو من التعريض. لم تعبّر المسرحية عن المعنى المتخيّل لحرب أخرى بين العرب وإسرائيل، حرب شعبية. وإنما عبّرت، أيضاً، عمّا كان يتمناه العديد من اللبنانيين آنذاك: المشاركة اللبنانية في الحرب.

لنتذكّر معاً قصة تلك المسرحية.

«جبال الصوان» أو معجزة الشعب المقاوم

تتعرض بلاد «جبال الصوان» لغزو «فاتك» المتسلط. يقاوم شعبها بقيادة «مدلج»، و«قيدوم الجبال» وابن السلالة المنذورة لحراسة بوابة الحمى التي سلّمها جده وأبوه بدمائهما. يأبى «مدلج» الإستسلام على الرغم من رجحان كفة قوى الإحتلال، فيستشهد على البوابة وهو يقاتل. على أن المنتصر ليس مطمئناً إلى انتصاره. يحمل موت «مدلج» السؤال المؤرق الذي يقضّ مضاجع جميع المحتلين:

«رجاله خاتوا
وهو ما خاف
ليقي
ليش
عم يسأل حالي: ليش
كان موت أقوى من السيدانة؟»

قضى عشر سنوات منذ وقع الإحتلال والظلم تقيل الوطأة على أهالي «جبال الصوان». والشعب يحلم بعودة واحد من سلالة «مدلج». لم يبقَ منهم غير «البنت» التي يقال إنها قُتلت. وما أحد يستطيع أن يؤكد أن يَنفي. عشر سنوات وبطول الإنتظار، الفلاحون لا يكونون إلا على بين من الإنتظار في عظمهم الآمن إلى الخلاص:

«ناطر أنا ناطر
بلادنا غزيونا
عن لون السما غزيونا.»

ينتظرون «العلامة»: الغيمة البيضاء فوق شجرة الجوز العتيقة. تظهر العلامة وتختفي. مضى عليها سنتان تظهر وتختفي و«البنت» لا تظهر. أخذ الوهن مأخذه من الساكتين على الغبن. البعض يشكّك في إمكانية تغيّر الأحوال. والبعض الآخر (شهوان) يتعاون مع سلطات الإحتلال ولسان حاله هو لسان حال الجبن المتعاقلين: «وش منعمل؟/ ما فينا نقص له إيده/ نبوس له إياها». لكن الكثرة لا تزال على العهد. تنتظر.

ذات يوم تحمرّ الشمس خلف شجرة الجوز العتيقة فتنتشل الشجرة ويظهر قطل من الرجل. يتقدم الشيخ إلى بلا حدود. وحلمت الحرافة الساحلانية تستطيع أن تحسم في الأمر أنها، تبقّى الناس الناظرين الذين يسكنون تلك البلاد منذ ٧٠٠ سنة. إنقلبت سلالة «مدلج»، وهي كانت مَنِية ومدلج، وكلّ حقّ ماضي جسد «البنت» تتأكد أنها تعمل، والعلامة

فتبتدئ الشكوك:

«والتاج ع رأسها بعيونها
ومكتوب ع جبينها
قصة البوابة

الهويّة خوف وفرقة. تهيب «غريبة» بالقوم أن تركوا المخاوف وأعيدوا الإلفة. فيدور سجال لا ينتهي بين منطقين: منطق المحتلين المتسلطين ومنطق الشعب المقاوم. في مطلع السجال بين «غريبة» و«فاتك»، تراجع البنت المحتلّ بعناصر ذاكرة جماعية وخبرات فلاحية مختزنة:

«راجعة خِلص الأرض
قال لي بيّي قبل ما يموت المحق ما بيموت…
أنا تقطة الشتي
أنا حبّة القمح
حابي أنزرع بأرضي بصدور الناس.»

يذكّرها المحتلّ بأن الورقة لا تقاوم «الريح اللي قصفت كعاب الجوزة»، فتردّ عليه باسم الذاكرة الجماعية والخبرة الفلاحية الأليفة: «بسّ نقطة الشتي بتحمُر خطّ القلعة».

وإن لا يقنع التهديد والعنصريات: يُرزي البلاد بين الأعالي. فيحمل القوقلة، وذلك التشتّت خاتمة عروب و«غريبة». تبتدئاً للشاشات. وتظهر البنت مرة ثانية.

ما في حرس بيتاكل كل الناس
يبعثلوا كتير ييبقى كتير
واللي ببيقوا رح منكتّل.

تدور المواجهة الأولى على تسمية العيد. وليست التسمية بالأمر التافل. التسمية هي الهوية وهي الإرادة. يريد الاحتلال العيد احتفالاً بالقوة يريده الشعب احتفالاً بالإنتاج. يريد «فاتك» تسمية العيد «عيد النصر» وهو «غريبة» تدعو للاحتفال بـ«عيد العنب». هي طقوس الفرح والعمل والخصوبية في مواجهة جبروت الاحتلال الجديب وكلماته القفراوية الفارغة. يقاطع الشعب احتفالات المحتل. وإذا كان الجلاوزة ينجمون في سوق الشاعر رغماً عنه إلى حضرة المتسلط، فلن يستطيعوا إجباره على مدح المحتل. و«حق العودي»: قول غنائي/ «رحنا الأرض تلبن الأشعار».

تعتقل السلطات أبا صقر. يبيع البعض، مثل يوسف الذي علَّقه: «عندي أولاد». يتمسك الأهالي بوجهتهم. وإذ يستجنّ الأهالي بوجهتهم.

تبرز الخلافات في صفوفهم. ترتفع أصوات تدعو لتوجيه النصل الحاد ضد العدو: «مَرْق فرحون إلى بيطلعولهم».

يبدأ الشعب الهجوم المعاكس. يستفزّ الشباب بالجاسوس شهوان ويقلقونه درساً من الضرب لا يُنسى. والحقيقة الريفية مراسم. بعد العيد، يبدأ موسم الأعراس. تنتأ حقة الساحلانية بعرس. لكنه عرس من مثل كل الأعراس/ «فرح مش مثل الأفراح»، عرس من؟ يوجد عرس حقيقي هو زواج ابنة أبي صقر. لكنه حفلة تحدّثت عن عرس آخر، عن «العرس الثاني». هو عرس «غريبة». ترى لمن سوف تُزفّ «غريبة»؟

لم يعد ينفع العسف والتهديد ولا الناسيس والجراسيس. ولا الإنذارات الداّلية بأكياس اللهب نفّذت في شراء صمت الناس والخنوع. و«وِيلِتيراء»، تلك صيحة الحكام المذعورين أمام صحوة الشعب. هي صحوة مقرونة بالأفعال. يخرج السلاح من معاجن الخبز، من الأقبية، من تحت بلاط البيوت.

مزيد من الاعتقالات ويهتز الحكم. صار أشبه بـ«خيالات الكروم» التي ما عادت تخيف العصافير. وأمام الإنتار بالثورة يدور النقاش إياه في أوساط الحكام: نتنازل أو نجابه، نفعل أو نقاتل:

«ديبو: شامِع ريحة ثورة
فاتك: شو بتقول إنتَ؟
ديبو: رأيي نقتل «غريبة»
يا بدنا نفاوضها يا بدنا نقتلها
فاتك: ويلكن ثاروا أكثر؟
منقاتلن ثورتهم
ديبو: ساعتها منقاتل.»

ينسى المتسلطون دوماً البطولة الجماعية للشعب وعبقريته التي تتدفق عند المنعطفات الحاسمة في التاريخ. يتوهمون إن إزاحة الفرد أو الأفراد كفيل بإسكات الجماعة. ومع ذلك فإن خيار التفاوض في المعسكر القائل ليس بالخيار اليسير:

«غريبة: لا حياة للإنسان بلا وطن
أصوات: الوطن. البطولة. الأرض من أغلى من الحياة
غريبة: صحيح. بسّ الشجاعة الرياح من الموت.»

ترتفع أصوات تقترح الاستعانة بالقوى والبلاد المجاورة. الأولية للداخل. تصيح «غريبة»: «والَّلي بيحاربوا من برّا بيضلّوا بَرّا/ المصدر جوّا». الداخل هو المصدر والشعب لا ينقلب إلا إذا خاف: «… تقرّر غوت أوّل/ اللّي ماشيين صَوب الموت/ يخليوا».

ينفكّ البعض من حول «غريبة» شيّوراً والشجاعة الأربع من الموت، على المخاطرة بالحياة. في الوقت اللي يطلق فيه «فاتك» إنذاره الأخير: «وسلّموا غريبة والسلاح. تسلّموا!» يرفض الأهالي. صارت «غريبة» صوتاً للشعب موعد يحاور «فاتك»:

«وفاتك: وحدك؟
غريبة: إي. وحدي
فاتك: يلكي حسبتك؟
– هنّي فالتين
– يلكي قتلتك
– هنّي عايشين

– غريبة: كانوا عايشين قبل ما جيتي. هنّ باكلوا. «بشربوا. ويشوفوا. ليش رجعت؟
– ندعوا لي
– لتقدّميهم للموت؟
– حاتية يموتوا
– اتركيهم وروحي. بعرض عليك تروحي. ولا تجعليهم خبز الأرض. وبرجع شجركم يزهر الطرحات السود.
– فتحوا شبابيكن. شمسن ما عادت تغيب. أنا اللي بعرض عليك تروح.»

ينسحب حوار الصوت أمام حوار السلاح. يلتحم الميشان. جيش «فاتك» يقتل «غريبة» على البوابة. لكن الاحتلال محكوم منذ البداية. كان موت «غريبة» مثل موت أبيها: أقوى من السيف.

«وتعب السيف وما تعب البطل
انكسر السيف انكسر اللي انتصر
انكسر الموت وما انكسر البطل.»

ولأن الأرض لا تسع الناس والظلم، ينسحب «فاتك» أمام قوة الشعب. أمام استعداده لتوليد ألف «مدلج» و«غريبة» من سلبه فيتقهقر الاحتلال.

وكان هذا هو العرس الثاني الذي تبارت به حنّة الساحلانية: عرس تغنية إلى الموت. تختتم المسرحية بنشيد لحم العروس التي هرب الطاغية من صوتها/ العروس التي وزّعت فرح المستقبل/ وأعياد الأيام اللي جاي».

قطيعة في المسرح الرحباني

تشكل «جبال الصوان» قطيعة فعلية في المسرح الرحباني في المضمون والشكل معاً.

هي قطعة أكمل مسرحية للرحابنة من حيث البنية. تنتظمها قصة محكمة قسّكها من أولها للآخر. فقد تخلى الرحابنة أخيراً عن الرواية يا هو العذر لتقديم مجموعة مشاهد ولوحات وإسكتشات غنائية أو راقصة. تنبني المسرحية على واحد من أعمق وأخصب القصص الشعبي: الانتظار الفلاحي المهدوي — الخلاص. ذلك أن «جبال الصوان» مشوّقة للمنحى الفلاحي إلى لحظة الانقلاب الألفية. عندما يغلي العالم عدلاً وسلاماً بعد أن كان عنتاً جوراً وظلماً.

وفي المسرحية قطيعة أخرى هي القطيعة بين الحاكم والشعب. ليلها، كانت مسرحيات الرحابنة تسعى لبلورة المفاكم الفرد من تجاوزاته الخاصية («وهالة والملك» و«الشخص»)، أو هي تدمج أشكالاً مختلفة من النقد السياسي والاجتماعي.

مع إطلاق التحذيرات الأخيرة ضد فساد الحكم وظلمه. في وضع النيرب، قذير للحكومة من التعادي في إغفال قضايا الناس، يتعدى بمصلحة سعيدة الحاكم والشعب. فقد الانقلابات العسكرية هو موضوع ويبحث بعض. والعبرة أن الانقلابات لا تأتي جديداً غير التبديل في أشكال الظلم والاستبداد. يشارك فيها الشعب على أمل التغيير، فيكتشف الذين يجاهدون كثر، ولكن الذي يصل فرد واحد. وأخيراً، كانت «ناطورة المفاتيح» مسرحية لإحتراب شعبي يتحمّل بنصرية يعود فيها الحاكم إلى شعبه، بعد أن يكتشف أنه يفقد مبرر وجوده — يا هو حاكم — إذا لم يكن له … شعب يحكمه.

ودفعت القطيعة في «جبال الصوان»، لم يعد الصراع يُحلّ بالتوفيق بين الحاكم والشعب ولا بالمصلحات المثالية بل بالمقاومات المتخاصمة والحقّ بين «المخابر» [؟]، لا ما من لحن ورضاء وتوافق، بل المقاومة: ثمّة ثورة ضد الفساد السياسي والظلم الاجتماعي في الزمن الحاضر، أي في ثنايا أواخر الستينات.

«جبال الصوان» أيضاً ليست إعلان قطيعة أخرى. هي قطيعة رسّمَا مع المسرح — اللي مقتوح لكل الناس والنقاد وقتها ارتفع أكثر من صوت محتجّاً على الموت في المسرح الرحباني لأنّ الناس والنقاد وقتها والهروب والتسلية.

تحولات الغريب والكنز والأعجوبة

قبل أن الرحابنة يكتبوا دراما واحدة. وإنما كتابوا أكثر من مسرحية. وكلّها حتى متعاقبة حتى محمدة تخلط حيث الموضوع وحسب، بل هي أيضاً من حيث السياق السردي: تطوّر القصة بالعودة تتصل اتصالاً، وليقة طليقة بدلاً من خفّض القمر/ ع جسر القمر»، ثم تظهر ثالثة لتحمل وجود الكنز وتظهر ثالثة لتمنع تطور عقدة سيف ورسن إلى خطفي القمر/ ع جسر القمر»، تم تظهر ثالثة لتحمل اشتباك أهالي القريبة. وتظهر أخيراً لوقف القتال وإحلال السلام وإعادة المياه إلى مجاريها. تتداخل الظهورات تروّض زمن المسرحية وأحداثها وتفصلها إلى أزمنة — زمن الأزمة وزمن الحل والمعجزة.

المعجزة في اللحظة المناسبة عندما يعجز الأهالي. من اكتشاف الكنز بمساعدة ملوك الجان، وعندما يوشك الخلف بينهم أن يتحول إلى «وما لا تُحمد طباعه»، فتنقلب الأحوال إلى تفاقمها: الأهالي متخلّفون/ الأهالي متقاتلون/ الكنز مدفون/ الكنز ظاهر الصبية مرصودة/ الصبية طليقة؛ الماء محبوس/ الماء منطلق.

هكذا، بلا كيف… فالمعجزة معجزة. أي أنها حدث خارق فوق طبيعي لا تفسير له ولا برهان ولا سبب. والتي مترقّبة منذ البداية. هي النهاية التي يريدها وينتظرها المشاهدون.

في «جبال الصوان» تنقلب معادلة الغريب والكنز والأعجوبة رأساً على عقب. في منوعات والتناسيات التي فتح المسرحية غناها وخصوبية.

أول التحول هو شخصية «الغريب»ـه في المسرح الرحباني. الغريب هنا هو المحتلّ. إنه غريب حقيقي. اسمه — «فاتك» — لا يدل على غربته. وهنا التورية. و«غريبة» هي اسم المحرر من الاحتلال. وكل لعبة المسرحية تدور على تبدّل أدوار الاغتراب بين الشعب والمحتل. وهنا غنى جدلية الدلالات. عندما يحلّ الغريب في أرض، يمسي الأهالي هم الغرباء في وطنهم. من هذه الغربة يجب أن يتحرروا. وأنها «غريبة» التي سوف تحرّرهم من تلك الغربة.

«رجعت لمرة اللي رئيبت بالغربة
ت تخلّصنا من هالغربة.»

هكذا تغلب الغريبة على الغريب. وتنتصر. لم تعد فكرة الغريب فزاعة لتخويف الناس في خدمة المتسلطين وركائز الاستقلال. كما في «بياع الخواتم». عندما يقهر الناس الخوف، الخوف من الغريب المحتل، يمسي الغريب فزاعة لا تخيف أحداً.

ويختلف التصرّف بمسرحية «الكنز» المتخيّل. على أن ثالوثة دالة كل الاختلاف في «جبال الصوان». ليس الكنز مطيّة فتنة بين الأهالي. هو ذخيرة مدّخرة حقيقة تجعلهم يستمرون في المقاومة. ليس الكنز هنا فتنة وإغراءات بل محض إرادة وصمود. الكنز في «جبال الصوان» هو مزيج من الشعب الصامد والحامل ومن أرض ضنينة تدفع من أعماقها بقوى التحمّل.

شعب. لكنه غير الوحيد الذي يقود إلى الحياة الكريمة. «غريبة»، المرأة المنذورة لمهمة تخليص شعبها ووطنها من الاحتلال. وهي منذورة لهمة تخليص شعبها ووطنها من الاحتلال.

في «جبال الصوان» مثلها مثل «جسر القمر» هي قصة ظهور، وأعجوبة. «الهلال والأبنوص» رمز الظهور المجاني، وسوف يتضح الكثير من دلالاته لدى المقارنة بين ظهور الصبية المرصودة في «جسر القمر». وهو الظهور المجاني، للولاة الأولى. يبدو شرعي بطلة «جبال الصوان» كأنها تكرر شخصية البنت المرصودة في «جسر القمر». نستطيع القول أن «غريبة» مسرحية، مثلها مثل بطلة «جسر القمر»: غريبتها رصدها، أعني غربتها المزدوجة: نفيها خارج وطنها وغربتها في وطنها المحتل. و«غريبة»، مثل البنت المرصودة في «جسر القمر»، هي واسطة لمعجزة. في «جسر القمر»، ينفك الرصد عن الصبية إذ تتحقق المعجزة التي كانت هي واسطتها. وفي «جبال الصوان»، تتحرر «غريبة» من غربتها في موتها الذي يحرّز الناس والوطن من… الغربة.

كلا البطلتين من نتاج المخيلة والإنتظار الفلاحيين. كلاهما مؤنّث الشرق وقسر الغريبة. على أن البنت المرصودة في «جسر القمر» بطل سلبي. تعلن الحاجة إلى المعجزة الغيبية. تتوسّل المعجزة وتنتحر بها في أن معاً. والمعجزة الغيبية هي التي تضع حداً للصراع بين الأهالي. أما «غريبة» في «جبال الصوان» فهي بطل إيجابي. والمعجزة ليست في الصراع الذي يساهم في صنع البشر لمعجزتهم. ومعجزتهم هي تحرّرهم من خوفهم وضعفهم وتمكّنهم الناطقين من حكمتهم من التحرر نهائياً من الاحتلال.

لم يكن الإنتظار الفلاحي في «جبال الصوان» استكانة أو استنجاداً بقوّة خارجية. عندما ينتظر الشعب أمراً معيناً، فهذا يعني أنه، في قرارة نفسه، قد صمّم عليه بل أكثر. عندما ينتظر الشعب حدثاً ما، يكون في معرض صناعته ما هو منتظره» — على حد قول الرحباني الأقباني إسماعيل قفريه.

إن الفارق بين الظهورين المعجزيين هو الفارق بين القدرة الغيبية والقدرة البشرية. الفارق بين المساواة بين إجراء البشر لمعجزتهم بأنفسهم، بل قل، الفارق بين المفارقة فوق الطبيعية والمفارقة الإنسانية. في «جسر القمر»، نحن في انتظار حدث سماوي يتدخل في حياة البشر دوفقاً مشاركة منهم. في «جبال الصوان»، يصنع البشر معجزتهم بأنفسهم إذ يسيطرون على مصيرهم. المعجزة السماوية تحقق صلحة بين جماعتين متخاصمتين. في المعجزة البشرية، يقوض الشعب ويعتمد على قواه الذاتية — «يالّي بيقاتلوا بَرّا يبقطعوا برّا/ المصدر جوّا» — لينتصر بالسلاح والتضحيات. محقّقاً تلك الكيمياء التاريخية التي تعلن اهتزام المنتصر وانتصار المهزوم.

يحصل الانقلاب حتى في وظيفة الدين ذاته. في «جسر القمر»، يغلّي على تصوير الدين الطابع الكرافي — السحري: استحضار ملوك الجان الذين يحرسون الكنز. وربّ المتدخّل. وما إليهما. إن شارب مدل في هذه المسرحية أقرب إلى المشعوذة. فيما حنّة الساحلانية في «جبال الصوان» رائية للمستقبل. والأهم من هذا كله موقع الصلاة من السرد والرواية في «جبال الصوان». تصلي بطلة المسرحية كمقدمة للفعل. ليست الصلاة نيابة عن الفعل، ولا هي تعويض عنه، ولا استدعاء لمعجزة ربانية، أي لفعل ذي مصدر خارجي. مثلما الانتظار هو ابتداع للنظر، كذلك الصلاة ابتداع للفعل، بل قل ابتداء له:

«خُذني بإيدي وإجعلني
قصة الوعودين. قنديل الضعانين
وفوق البيوت المهدومة
ضوّي فجر الناطرين.»

تحرّض الصلاة هنا مسؤولية ذرية إلهية الأخيرين. والصلاة تستبطن «غريبة» ذريتها الجماعية القائلة. وتنشط إرادتها عن أجل الإقدام على الفعل الحاسم.

والفارق أخم الفارق في قلب الزمن المنشود والنهائي. ينتظم «جسر القمر» بالإحالة إلى الماضي: الحدث البائد قد فارق المألوف إلى الوراء. المعجزة التي تتدخل في حياة البشر تعيد الأمور إلى الحالة الطبيعية. طبيعية يعنى المرأة التي هو تشرب السراج. بالمعجزة يُقفل الزمن إلى ما كان. «إسّا العالية الطبيعية». عقارات القوة: رصد الصبية عند الجسر والسياس [؟]… في معاركها «بين الغريقين» والمسائل. هذا الإبقاء بمعجزة الزقاق والتعايش بين الفصائل المتخاصمين. وفي كل الأحوال، هو الإيمان بالعودة إلى ما كان. في المقابل، فإن الإنتظار في «جبال الصوان» مشدود إلى المستقبل: فعودة غريبة ليست استئنافاً لبدء. بل هي ابتداع لزمن جديد. والزمن الجديد — التحرر من الاحتلال — ليس تكراراً للقديم بل هو انقلاب عليه. هو انقلاب الهزيمة انتصاراً. وموت غريبة ليس إعادة قتيل قول أبيها «مدلج»، وإنّما هو ابتداع: «لقد ذلك أنها في موتها/ عرسها، مزّعت فرح المستقبل/ وأعياد الأيام اللي جاي».

إجماع حول مسرحية

حفلت الحروب الأهلية اللبنانية (١٩٧٥ — ١٩٩٠) مسرحية «جبال الصوان» مضامين وفعاليات جديدة كل الجدّة. نأت بها عن فلسطين وعن الحدث الذي أطلق العمل الفني أصلاً. وألبستها ليبوس الحروب الأهلية ولاأهليّتها. واختال إذا نحن أجبنا إحصاء سريعاً للعمل الفني الأكثر شيوعاً في لبنان خلال تلك الحروب، فما من شك في أن النتيجة تكون لصالح «جبال الصوان». في كل مواجهة من المواجهات الحربية والمعارك الفاصلة في تلك الحروب، كانت المسرحية صورة لهذا الفريق أو ذاك من النزاع. بل أحياناً، كان الفريقان المتحاربان يبثّان المسرحية في إذاعتيهما في وقت واحد. كانت أسباب اللجوء إلى المسرحية متناقضة والاستخدامات متبدّلة بتبدّل الأدوار وانقلاب مواقع الفرقاء في تلك الحروب. ومعها كانت تتبدل وتتقلب هوية «الشعب المقاوم» و«الغريب المحتل».

ومع ذلك، ظلت «جبال الصوان» محطة إجماع استثنائي في ما يخص تلك الاستخدامات المتناقضة. وقيّ ما يتجاوز التنادب والتعاقب عليها، هو إجماع لا يركي كونها الرائعة الفنية للرحابنة وحسب، وإنّما أيضاً في نجاحهم في أن يكونوا عنصراً ثقافياً أساسياً من عناصر الوحدة الوطنية والشعبية اللبنانية، حتى في أحلك أيام الإنقسام والتقاتل الأهليين…

إشارات

(١) محمود درويش، «تلك الأغنية، هذه الأغنية»، اليوم السابع، العدد ١٣٦، السنة الثالثة، ٦ تشرين الأول ١٩٨٦.

(٢) أنظر في هذا الصدد دراسة إدوارد سعيد عن الشاعر الإيرلندي ييتس ولإم يطرح بيتش بعنوان «ييتس ومقاومة الاستعمار» (الكرمل، العدد ٣٠).

(٣) نستعير التعبير من مقالة محمود الزيباوي في مجلة «اليوم السابع». وجدير بالذكر أن التعبير ذاته قد استخدمه بدر شاكر السياب في وصفه صوت أم كلثوم. راجع قصيدته «أم كلثوم والذكرى».

(٤) للشاعر عبد الملك الأمين معارضة لأغنية للشيلة الرحبانية مطلعها:

«عبرنا فيروز ومعبدة… أجراس العودة لتقرع
وخافتها.
«خازوق دق بأسلافنا… من عرم الشيخ إلى سميح»

وتطلق ذلك أخر الإشارات صدد مصمم البلد كلّه.

(٥) تنطوي المسرحية على إشارات عديدة على أن الأمر يدور حول لبنان. فيها تسلّط الأجهزة الأمنية ومسرحياتهم السابقة. التي فوق ما يتسعوا/ العنى. شمّا إلهم ديك/ ها اللي ييقعدوا فوق بيطّرعوا.

بل تطلق المسرحية آخر الإشارات بتحديد مصير البلد كلّه:

«في مثل بيقول:
إن ما كبرنا ما بنصغر، وإنّا ما خربنا ما بنعمر
بسّ بهالبلد بتكبر ما بتعود تزفر
ويتخرّب ما بتعود تتعمّر.»

(٦) أنتج الرحابنة مسرحيات وإسكتشات عدة خلال الحرب. ليس هنا المجال للحديث عنها. وإنّما يجب القول إجمالاً أنه، وقد تبدّل عندهم التركيز في موضوع فلسطين، لم يشتروا من التزامهم بفلسطين. كانوا أكثر ميلاً إلى تحميل إسرائيل المسؤولية عن الانقسام اللبناني والاقتتال، بدلاً، وهذا ميل أقصى ما قدّموا في المبادرة العسكرية والسياسية السورية لاحرب. ولعل أقصى ما قدّموا في موضوع القدرة والمسؤولية الفلسطينية في الحرب اللبنانية. هي إشارتهم اللطيفة في مسرحية «بترا»: «… وكل واحد يحرّز أرضه — أي اللبنانيين يجب أن يحرّزوا وطنهم لبنان (يعني)!» والفلسطينيين يجب أن يحرّزوا وطنهم فلسطين. وكانت تلك المعادلة، على لياناتها، شديدة الالتزام والاحتياط بالخطّ الرسمي الذي انتهجه الإعلام الركبي الرسمي آنذاك.

المواضيع
أدب وفن تاريخ سياسة
البلدان
فلسطين لبنان
نُشر في
الكرمل
المؤلف
فواز طرابلسي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.