العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

تمارين في المنطق

«تمارين في المنطق» تبيّن أن محاكمة «شهود الزور» لا أثر لها على المحكمة الدولية، وأن الضجيج حولها يخفي تسييساً أعمق للمحكمة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

تمارين في المنطق

فّواز طرابلسي

لا بد من محاكمة «شهود الزور». لا لسبب اكثر وجاهة من ان اصول المحاكمات تقضي بمحاكمة من يدلي بشهادة يتبين انها تضليل للقضاء. حتى البطريرك صفير يدعو الي محاكمة من تثبت عليهم التهمة.

لنفترض ان حكومة «الائتلاف الوطني» توافقت على محاكمة «شهود الزور»، في المجلس العدلي او في محكمة عادية. ماذا سيجري؟

لا حاجة لأن يكون المرء بروفيسورا في القانون ليتوقع ان تستغرق المحاكمة شهورا حتى لا نقول سنوات. هكذا تكون لدينا محكمتان تسيران علي نحو متواز، سيان جرت محاكمة «الشهود الزور» قبل القرار الظني او إنعقدت بعده: محكمة دولية تنظر في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وصحبه. ومحكمة محلية تنظر في عدد من المتهمين بتضليل التحقيق.

ولنفترض الان ان احكام محكمة «شهود الزور» صدرت في اقصر مهلة ممكنة، الوجاهية منها والغيابية، بل ان الاحكام طاولت ايضا كل من ثبت انه قد «شغّل» المتهمين ولقّنهم الافادات. وهذا يعني ان «شهود الزور» هؤلاء صدقوا امام المحكمة، هذه المرة، فكشفوا كل الحقيقة عن «مشّغليهم».

ما اثر الاحكام الصادرة بحق «شهود الزور» على سير التحقيق في «المحكمة الدولية الخاصة عن لبنان»؟ لا اثر. ولا تأثير. فهذه المحكمة استبعدت من اعمالها شهادات «شهود الزور» وانتهى الموضوع بالنسبة اليها. واي اثر على القرار الظني؟ لا اثر هنا ايضا. فما يجري تسرّبه او تسريبه عن هذا التقرير يمسّ امورا لا علاقة لها بما ادلى به «شهود الزور» من شهادات. اخيرا ما اثر الاحكام الصادرة على شهود الزور على مجريات«المحكمة الدولية الخاصة بلبنان» بعد صدور قرارها الظني. لا شيء. فهذه لم تعتبر نفسها المرجع الصالح لمحاكمتهم ولا هي مانعت في تسليم شهاداتها الى الذين اتهموا زورا بسبب تلك الشهادات.

هكذا فإن محاكمة «شهود الزور» لا تبريء الضباط الاربعة الا من التهم المنسوبة الي «الشهود الزور». ولا صدور الاحكام على «شهود الزور» يبريء افراد في حزب الله من التهم المفترض ان التقرير الظني سوف يوجهها اليهم، او الى اي متهم سوري في هذه القضية. واخيرا ليس آخرا فمحاكمة «شهود الزور» لن تؤجل القرار الظني من المحكمة الدولية وهي قطعا لن تسهم بقليل او كثير في الغاء المحكمة الدولية كما يطالب بعض غلاة المعارضين.

فعلام كل هذا الضجيج والوعد والوعيد والتهديد ووضع البلد علي شفير الانقلابات وحمامات الدم؟

علام هذا الضجيج وفي غضون ايام ثلاثة او اربعة، تغيّرت لهجة الطرفين جذريا.

فسّروا لنا اللهجة الهادئة للسيد حسن نصرالله في خطابه الاخير الذي لا تفسّر بمجرد تأمين الاجواء المناسبة لزيارة الرئيس الايراني احمدي نجاد. في خطاب المليون شجرة، افصح الامين العام لحزب الله عما يعرفه من الشبهات التي قد يسوقها القرار الظني الى افراد في حزبه تتعلق بشبكة الاتصالات العاملة في منطقة الاغتيال واتصالات جرت بينها وبين افراد يعتقد انهم نفذوا عملية الاغتيال. الغريب في امر هذه الفقرة من خطاب السيّد هو قلة الاكتراث بها من قبل المعلقين والمحللين. علما انها المرة الاولى يصدر فيها مثل هذا التعيين الدقيق للتهمة المفترضة بحق افراد في لحزب الله عن اعلى مصدر فيه. ومعبّر ايضا ان امين عام حزب الله وصف هذه الشبهة بانها «ظلم». وهو قول يصعب تفسيره في مجاري التصعيد. وهو اثنى في المقابل على موقف الرئيس الحريري في «الشرق الاوسط» خاتما بانه لا يزال يعوّل على الاتصالات بين «سين» و«سين». ومهما يكن من الوعد بكشف امور مذهلة بعد ايام في موضوع الاتصالات، الا ان الخطاب خرج بالتأكيد عن الجاري من حيث اتهام المحكمة بأنها «اسرائيلية» ومن ينادي بها بالعمالة للعدو. بل ان السيد نصرالله عاد للانضمام الي المطالبين بالحقيقة: «الحقيقة الحقيقية».

وفسّروا لنا ايضا. اذا كان المطلوب من ولي الدم – الحائر المحيّر بين ولايته الدم وولايته الحكومة – ان يعلن التبرؤ من القرار الظني او من الحكوم، فقد اعلن الرئيس سعد الحريري، على لسان نائب من المقربين، انه (بصفته الشخصية ام الحكومية؟) لن يقبل بقرار ظني قائم على التلفيقات «يلتف سياسيا حول رقبة المقاومة، او حول سلاح المقاومة». واعتبر ان مثل تلك الادلة (المنسوبة الى القرار الظني) سوف تكون «ادلة اسرائيلية لإتهام المقاومة».

هذا الكلام، اذا تحول الى موقف رسمي لبناني، يوازي عدم اعتراف لبنان بالقرار الظني، مع انه من السابق لاوانه استشراف ما الذي سوف يستتبعه ذلك من ردود افعال من طرف المحكمة الدولية والامم المتحدة.

المؤكد ان الفيلم لن ينتهي عند هذا المشهد.

سوف تستمر المحكمة. بلبنان او بدونه. فما العمل؟ يسترهن لبنان لسنة، سنتين، ثلاث، اربع، خمس سنوات، لوقائع محكمة المفروض انها انما انعقدت لتأتي له بالحقيقة والفرج والامان.

بعد كل هذا، بات للتسييس معنى جديدا كل الجدة. لم يعد الانفصام يتعلق بما اذا كان رفيق الحريري قتل بسبب قرار الامم المتحدة رقم ١٥٥٩ او من اجل تمرير القرار ١٥٥٩. ولا عاد الامر يتعلق بما اذا كانت سوريا وحزب الله متهمان في مقابل اتهام اسرائيل.

بل ان التسييس الاكبر الذي تخضع له المحكمة هو الآن شدّ ورخي الحبال في المشادات على وقع ذبذبات العلاقة بين «سين» و«سين»، ومن يقف خلف، او مع، هذه وتلك. فكما توجد يد خفية في الاقتصاد «الحر»، توجد ايد خفية في السياسة والعلاقات الخارجية. لهذا السبب يزداد تغرّب اللبنانيين جميعا عن مجريات محكمة تتباعد علاقتها بغرضها الاصلي. قد تجد ذورة التصعيد في يوم يقابلها ذورة التهدئة في يوم آخر. وما من تفسير. وكلما ازدادت تبعية ابطال ثورة الاستقلال وابطال الوطنية والممانعة، للخارج، كلما ازدادت الحاجة لتكبير العلم ذي الارزة حتى حطم، لا قيود الارتهان طبعا، بل الارقام القياسية في موسوعة غينيز البريطانية.

ملحوظة: العلم ليس صحن تبولة او حمّص. والتفاخر الوطني بعلم البلاد يكون عادة برفعه عاليا لا بفرشه على الارض!

المواضيع
سياسة
البلدان
سوريا لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
السياسة اللبنانية الطائفية الفساد لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.