العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

تدويل ضد الوطن والشعب

حرية صحافة بلا حق تأسيس، تعددية بإجازة السلطة، تظاهر بإذن الداخلية — هذا «البرنامج الإصلاحي الشامل».

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

تدويل ضد الوطن والشعب

فواّز طرابلسي

اذا كانت سياسية «الممانعة»، في وظيفة من وظائفها، قامت على اكتساب موقع وشرعية وقوة خارجية للنظام السوري جرى توظيفها لاغراض السيطرة الداخلية، واذا كان الاستقواء على الداخل بالخارج عن طريق الادوار العربية والاقليمية والدولية شكل نهجا ثابتا للسلطة السورية الحالية على امتداد اكثر من اربعة عقود على وجودها، يجوز التساؤل الآن، والاجماع قائم على اعتبار ان الازمة في «منعطف» جديد: اليس النظام الحالي يكرّر سياسة الخورجة هذه، اي يعيد استخدام نهج الاستقواء بالتعريب المدوّل على معارضة شعبية عارمة، تفرّع عنها جناح عسكري؟ علما ان المهمة الآن ليست فرض السيطرة وانما اطفاء ثورة وانقاذ نظام؟

منذ ان كانت الازمة الدموية السورية لم يتردد الحكم في دمشق مرة في إستدعاء الوساطات الخارجية. بدأ بتوسيط تركيا. وانتقل منها الى وساطة قَطَرية موجزة تولت الامارة الغازية بسرعة تجييرها الى الجامعة العربية. وبعد التعثر المبتسر لمهمة المراقبين العرب، إستعجلت السعودية وقطر نقل ملف الازمة الى الامم المتحدة. في الحالات الثلاث المذكورة، شكلّت الوساطات أغطية لنهج ثابر عليه النظام في كسب الوقت وتصوير ازمته على انها حرب يخوضها ضد مجموعات بدت «تخريبية مسلحة» الى ان إنضوت دعايته في خط «الحرب الدولية ضد الارهاب» فصارت الصيغة الرسمية للعدو هو «مجموعات إرهابية مسلحة ». طبعا، لم يقتصر الامر على تصوير الازمة. عولجت الازمة عمليا على اعتبارها حربا عسكرية وامنية تمارس انواعا دموية شتى من الترهيب والترويع على عشرات الملايين من المدنيين المتظاهرين في مئات من مواقع الاحتجاج في طول البلاد وعرضها.

فجأة اكتشفت وزيرة الخارجية الاميركية ان «تنظيم القاعدة» قد إخترق المعارضة السورية. ومهما تكن الدلالة بعيدة المدى لذاك الاكتشاف فإنه غطّى، ولو جزئيا، بدء مرحلة جديدة من الحل العسكري سمّيت مرحة «الحسم» كانت ذروتها إقتحام أحياء من مدينة حمص وعمليات كرّ وفرّ في سائر المدن والبلدات والمواقع الخارجة جزئيا او كليا عن سلطة النظام وقواه العسكرية والامنية على مدار البلد.

لم يحسم «الحسم» الى الآن. لكنه فتح المجال امام مرحلة جديدة من الخورجة تتولاها المؤسسة الدولية حيث امكن للفيتو الروسي فرض تسوية، اميركية-روسية، تلتقي اقلا عند اولوية وقف اطلاق النار من الطرفين والانسحاب (انسحاب المدرعات خصوصا) من المدن، في ظل رقابة ٣٠٠ رقيب دولي خلال مهلة ٩٠ يوما. ومع ان المبادرة تدعو عمليا الى اطلاق سراح «المعتقلين عشوائيا»، الا ان التباس الصيغة وفقدان آليات الرقابة الفعلية عليها تفقدها اية قيمة عملية.

في اليوم الثالث عشر من وقف اطلاق النار والثالث على بدء مهمة المراقبين الدوليين، إذ يستعجل المبعوث الدول كوفي انان الانتقال الى «العملية السلمية »، سجلت بورصة الدم في سوريا، قبل حلول المغرب من يوم امس، ستين قتيلا نصفهم في مدنية حماة. وقف اطلاق نار غير مطبق عمليا والانسحابات شكلية. والجيش النظامي مستمر في استخدام السلاح المدفعي خصوصا على الاحياء المدنية. حتى ان بان كي مون، والرجل الذي يحتاج للا اقل من مئة جثة يومية لينطق، إضطر لادانة «الهجوم الوحشي المروع» الذي تشنه الحكومة السورية ضد شعبها.

باختصار، لا شيء يشبه قرب الانتقال الى «العملية السياسية» المنشودة. على ان المبادرة تستدعي هذه الملاحظات.

اولا، تفصل المبادرة بين الامن والسياسة. وهو النهج الدائم للقوى الغربية في التعاطي مع الثورات العربية جميعها حيث فرض الامن سابق على البحث في عوامل الازمة واسباب الاحتجاج، اي اسباب اختلال الامن. التمسك بحكم العسكر في مصر مثالا. عدا المبادرة الاميركية الخليجية في اليمن حيث جرى اهمال كل عوامل الانفجار والقوى المعارضة، باستثناء المعارضة الرسمية، بإسم الامن.

ثانيا، نحن بازاء تدويل منافق يزعم تسليم الامر للسوريين. «يجب ان يقرر السوريون بأنفسهم مصير سوريا »، تقول الخارجية الروسية. وعلى اللاعبين السياسيين الخارجيين «ان يساعدوا السوريين على بدء الحوار السياسي بهدف اقامة نظام ديمقراطي تعددي ». وحقيقة الامر ان ما يفرض على السوريين نمطا من التدويل يساعد اكثر ما يساعد على المحافظة على النظام القائم والاوضاع القائمة.

ثالثا، يتبيّن ان ما يسمّى «البرنامج الاصلاحي الشامل» الذي صاغه النظام هو برنامج مدوَّل بامتياز. يستلهم الخارج ويتوجه له، إذ يسعى لأن يبدو منسجما مع رطانة ليبرالية رسمية سنّتها ادارة جورج بوش عن التعددية وحقوق الانسان والعمليات الانتخابة.

هكذا لديك عدم اعتقال الصحفيين. ولكن لا حرية صحافة ولا حرية لتأسيس وسائل الاعلام.

ولديك تعددية حزبية. ولكنها خاضعة للاجازة من السلطة التنفيذية.

وحق التظاهر مصان بشرط الاستحصال على إذن مسبق من وزارة الداخلية.

وثمة قانون انتخاب يكرر القانون السابق و يقسّم المرشحين الى ثلاث فئات تسمح بالتحكم السلطوي والحزبي فيها: عمال وفلاحين ومستقلين.

وفي قمة كل هذه «الاصلاحات»يتربّع دستور جرى اقراره بواسطة استفتاء تعترف مصادر النظام قله الاقبال عليهم، يريدنا نائب وزير الخارجية ان نصدق انه «يعدّ من الدساتير العصرية في العالم». اذا كانت عصريته تعني انه من اواخر الدساتير التي صدرت، فهذا اكيد. اما عن كونه ينطوي على اي اصلاح جاد للنظام القائم فأمر آخر. فجلّ ما يعد به الشعب السوري هو العودة الي بيت الطاعة في ظل نظام سياسي قائم على تعددية سياسية واعلامية وحزبية مضبوطة في ظل حاكم فرد مطلق الصلاحيات يجمع السلطات التشريعية والتنفيذية والامنية والعسكرية الى كونه غير قابل للمساءلة او المحاسبة.

وحتى لو وضعنا جانبا ان النظام لم يعترف بالمعارضات السورية على تعددها مع انه يشكوها للقاصي والداني بأنها لا تريد محاورته، فإن الحوار الفعلي الذي يجريه كناية عن اتصالات مباشرة او عبر وسطاء مع كتل معارِضة دون سواها وخصوصا مع شخصيات معارضة او مستقلة يجري البحث معها بالدرجة الاولى في تشكيلة وزارية تقطع الطريق عمليا على «الحوار» العتيد.

هل ان السلطة مستعدة لوضع «برنامج الاصلاح الشامل» هذا موضع حوار على طاولة «الحوار الوطني»؟كيف يمكن تصديق ذلك عندما يقرأ المرء ان المصادر الرسمية السورية لا تزال تعتبر ان ثلاثة عشر شهرا دمويا هي نتاج «الهجمة الاعلامية الشرسة التي تتعرض لها سوريا عن طريق بعض القنوات الفضائية التي باعت شرفها المهني، لتشارك في سفك دماء السوريين عن طريق اكاذيبها».

المواضيع
سياسة علاقات دولية
البلدان
العالم العربي اليمن سوريا مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
إيران الإمبريالية الحرب روسيا سوريا

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.