العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

تأميم الخسائر وتخصيص الارباح

سمير أمين: ما يجري «تأميم الخسائر وتخصيص الأرباح» — الدولة تنقذ الأغنياء وتحمّل الفقراء الثمن. ومقاومة هذه الرأسمالية تبدأ بقلب المعادلة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

«تأميم الخسائر وتخصيص الارباح»

فواّز طرابلسي

بعد قرار ضخ مئات المليارات من الدولارات في القطاع المالي، إتخذت حكومة الولايات المتحدة قرارا سمّي «راديكاليا» يقضي بشراء الدولة حصصا كبيرة من الاسهم في مؤسسات القطاعين المصرفي والمالي. يتوخى القرار الجديد الحد من مفاعيل انفجار الفقاعة المالية خصوصا أن ضخ الاموال لم يكن كافيا لوقف التدهور وبعد ان تسرّبت الازمة الى القطاعات الانتاجية. وهذا ما يفسّر «الراديكالية» المنسوبة الى الاجراء الاخير.

يجدد هذا الاجراء النقاش حول دور الدولة في الرأسمالية وأزماتها. وقد كثر وصف الاجراءات المالية الاميركية والاوروبية الاخيرة بأنها من قبيل «التأميم» بل ذهب البعض الى اعتبارها اجراءات «اشتراكية».

الاشتراكية، كائنا ما كانت منوعاتها والرأي في مصائرها، نظام اقتصادي اجتماعي سياسي يقدّم نفسه على انه يسعى الى تحقيق ملكية المجتمع لوسائل الانتاج، بغية ازالة الفوارق الطبقية بين البشر. وهو بالتالي نظام لا يختزل لا بالتأميم ولا بما يسمّى تدخل الدولة في الاقتصاد. وسوف نرى ان «التأميمات» التي نحن بصددها لا علاقة لها بقريب او بعيد بتخفيف الفوارق الطبقية بين البشر، بل ان ما سوف يتبيّن هو انها تساهم في تعميق تلك الفوارق.

على ان ما يمكن ويجب نسبه الى الفكر الاشتراكي في هذه الازمة هو ما اسماه البعض «عودة ماركس». اعني التذكير بأن الاشتراكية، بتراثها الماركسي خصوصا، لا تزال النظرية الاكثر نفاذا والاخصب في تحليل الرأسمالية ونقدها وتبديد الخرافات المتزايدة عن المفاعيل السحرية للسوق وقد بلغت حد الهلوسة في عهد الاديولوجية النيوليبرالية المتعولمة. دون تناسي ان عددا من توقعات الماركسية بصدد تطور الرأسمالية لم يصح على الاطلاق، لا بد من التذكير بالبعض من مقولاتها الذي يضيء الازمة الراهنة:

– يعود الفضل الاول الى ماركس في اكتشافه ان الرأسمالية سوف تتخطى حكما الاطار القومي لتنداح على المدى العالمي برمته. وقد دخلت الرأسمالية المالية طور العولمة الثالث بعد طوري العولمة التجارية والعولمة الصناعية، التي تحدث عنها ماركس وحللها بإسهاب.

– مقولة نهم الربح غير المحدود لدى رأس المال، وهو الذي يدفع به بما يشبه الحتم بإتجاه القطاعات الاقتصادية او المناطق حيث اعلى معدلات للربح؛

– مقولة الميل الدائم للمنافسة الرأسمالية الى التمركز الاقتصادي وتوليد الاحتكارات؛

– «القانون الحديدي للرأسمالية» الذي هو قانون التناقض الدائم بين الانتاج والاستهلاك، فالرأسمالية، تخفيضا لاكلاف الانتاج وضمانا لاعلى معدلات الربح، تنتج دائما ما يفيض عن طاقة المجتمعات على الاستهلاك؛ وهو القانون الذي يقرّ معظم المحللين الجادين بأنه السبب الابرز في الازمة الحالية؛

– الازمات الدورية هي جزء عضوي من حياة النظام الرأسمالي، بسبب من بنيته ذاتها، وقد ميز التراث الاشتراكي بين ازمات قصيرة المدى وأزمات كوندراتييف طويلة المدى (المسمّاة على إسم الاقتصادي السوفياتي الذي اكتشفها).

– ميل رأس المال الدائم الى الانتقال من دائرة الانتاج الى الدائرة المالية، وهو الاتجاه الذي ركزّت عليه المفكرة والقائدة الماركسية الالمانية روزا لوكسمبرغ، وطوّره لينين عند تعيينه خصائص الامبريالية بما هي «اعلى مراحل الرأسمالية». وقد ظهر هذا الميل باجلى صوره واضخمها مع تكوّن «الفقاعات المالية» الكونية خلال العقود الثلاثة الاخيرة.

من جهة ثانية، فالايحاء بأن حكومات الدول الرأسمالية الكبرى لم تكن «تتدخل» في الاقتصاد خلال هذا الطور من العولمة النيوليبرالية او ما سبقه من اطوار نمو الرأسمالية، وقد بدأت في «التدخل» للتو، فيقتضي وقفة ولو سريعة لتبيان مدى الخطل الذي ينطوي عليه.

لنذكّر ان الازمة الحالية إن هي الا ازمة من ازمات عديدة انفجرت خلالها الفقاعات المالية خلال ربع القرن الاخير من العهد النيوليبرالي. ابرزها ازمة الافلاس المكسيكية عام ١٩٩٤-١٩٩٥؛ وازمة الاسواق المالية الاسيوية عام ١٩٩٧-٩٨؛ والانهيار الذي عصف ببورصة نيويورك عام ٢٠٠١ على اثر سقوط أسعار اسهم شركات الانترنت، وقدّرت خسائره بسبعة ترليارات من الدولارات. في كافة هذه الازمات، تدخلت دول البلدان المعنية ودول البلدان الصناعية الكبرى لضخ الاموال العامة من اجل اعادة التوازن الى القطاع المالي. مثال على ذلك التدخل الدولي، بمبادرة الولايات المتحدة الاميركية، لمنح المكسيك نحو ٥٠ مليار من الدولارات لإنقاذ اقتصاده من الانهيار وانقاذ سمعة «المعجزة المكسيكية» النيوليبرالية في «التعديل الهيكلي».

المسألة إذاً ليس ان تتدخل الدولة او لا تتدخل. ولا ان تؤمم او لا تؤمم، بل كيف تتدخل وماذا تؤمم والاهم تتدخل وتؤمم لمصلحة من.

وهكذا فالدولة الاميركية، التي تحرّم «تدخل الدولة» في الاقتصاديات العالمية، وخصوصا اقتصاديات البلدان النامية والفقيرة، وترفض حماية الانتاج المحلي والدعم الحكومي للسلع الحيوية، وتتدخل كل ساعة ويوم لفرض هذه التحريمات على العالم بأسره، تجيز لنفسها ما تحرمه على سواها. ممنوع على العالم وخصوصا البلدان الجنوب حماية صناعاتها والزراعات لكي تبقى نهبا للنافسة غير المتكافئة تفرضها عليها الدول الصناعية المتقدمة. ومع ذلك فحكومة الولايات المتحدة الاميركية تحمي صناعة الصلب تبعتها من المنافسة الاوروبية وصناعة الانسجة من منافسة الاقشمة التي تصدّرها بنغلادش، احد افقر بلدان العالم! ناهيك عن حماية الدولة الاميركية للمزارعين الاميركيين بواسطة دعم انتاجهم فيما هي تناهض مثل تلك الاجراءات عندما تصدر عن السوق الاوروبية المشتركة مثلا.

لعل افدح ما في جعبة «عدم تدخل» الدولة الاميركية في الاقتصاد هو دعمها القطاعات الاقتصادية التي لا شك اطلاقا في تعرّضها لاي خطر او حاجتها الى الحماية من منافسة بل تلك التي تجني اعلى معدلات الارباح اطلاقا. تجني شركات النفط الاميركية حوالي ١٢ مليار دولار من الارباح كل ثلاثة اشهر. ومع ذلك، فهي تحظى بدعم مال مباشر من الدولة الفدرالية الاميركية ودعم غير مباشر على شكل اعفاءات جمركية وضريبية شتى. وردت هذه الارقام على لسان باراك اوباما، المرشح الديمقراطي للرئاسة الاميركية، الذي وعد الاميركيين بوقف الدعم وتحويل امواله الى صندوق الضمان الصحي. لنرَ إن كان سوف يبرّ اوباما بوعده، خصوصا بعد الازمة الحالية.

ومن جهة اخرى، من الذي فرض التعديلات الهيكلية في العالم؟ الم تكن اجهزة الدولة هي الواسطة التي بها شرّعت وفرضت التحويلات الاساسية في اقتصاديات بلدان العالم تلبية لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذين تسيّرهما وتمولهما الولايات المتحدة الاميركية؟

في لبنان، بلد الاقتصاد الحر وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد بلا منازع، في لبنان المتعولم قبل العولمة، نظام ضريبي قوامه الضرائب غير المباشرة، يرعى تهرّب الاغنياء من التصريح ناهيك عن التكليف، ويمارس الدور المعاكس لاي نظام ضريبي إذ يدوّر ما قدّره اقتصاديون بعشرين مليون دولار سنويا من مداخيل ذوي الدخل المحدود والطبقات الموسطى الى جيوب الشريحة الاغنى من اللبنانيين. هل فرض هذا النظام بمعزل عن الدولة وعن سيطرة طبقة من كبار المقاولين والمستوردين والمصرفيين عليها؟

تسليم وسط مدينة بيروت لشركة خاصة حصرا، على حساب المئات من اصحاب الحقوق، واستصدار كل التشريعات اللازمة لتوفير ارخص اسعار الاراضي لها والتغطية على تجاوزاتها. الا يشكل «تدخلا» للدولة في الاقتصاد؟

اعطاء رخص لشركتي خليوي خرقتا كل ما في العقود بينهما وبين الدولة من موجبات وجعلتا لبنان من اغلى بلدان العالم من حيث تسعيرة الهاتف الخليوي وحققتا وتحققان عشرات بل مئات ملايين الدولارات من الارباح سنويا. هل تم هذا دون ارادة الدولة وبغض النظر عن ان مالكي الشركتين هم من رجالاتها؟

خفْض الرسوم الجمركية الى حد الالغاء حتى قبل مضي السنوات العشر المقررة كفترة سماح من قبل وكالة التجارة الدولية، الذي شكل سابقة تاريخية في الحماس للاقتصاد الحر، هل تم دون عِلم الدولة ودون «تدخلها»؟

دعم احتكار الادوية ورفض تفعيل صندوق الدواء، والدفاع عن الوكالات الحصرية، ابرز اشكال الاحتكار التجاري، في بلد يزعم انه يقدّس حرية التجارة، الم يكن هذا وسواه يتطلّب «تدخلا من الدولة»؟

يتلاقى على خصخصة انتاج الكهرباء الاذاريون جميعهم، من جماعة الثامن كما الرابع عشر. بادر اليها الوزير محمد فنيش، وتبناها رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، وباركها التيار الوطني الحر وإستعجل ويستعجل رئيس مجلس النواب نبيه برّي تحويل القرار الوزاري فيها الى مشروع قانون وإحالته فورا الى الهيئة التشريعية، فيما افتتح الرئيس ميشال سليمان عهده اقتصاديا بإعلانه ان بلدا تحقِّق فيه المصارف تلك المعدلات العالية من الارباح لا يزال بمثابة «سويسرا الشرق». اليسوا هؤلاء من جماعة «الدولة» يتدخلون معا في الاقتصاد وبوجهة واحدة؟ لا شك ان في ذلك تعزيزا للوحدة الوطنية.

عليه، فالمرفوض، بمنطق النيوليبرالية المسيطرة، ليس هو «تدخل» الدولة في الاقتصاد لصالح الطبقات المسيطرة على الاقتصاد، وهو «تدخل» يمارس على مرأى وسمع الجميع، إن ارادوا ان يرصدوا ويلاحظوا ويتصرّفوا بناء عليه. بل المرفوض هو «تدخل» الدولة للتخفيف من الاعباء على الطبقات الفقيرة والمحدودة الدخل والمتوسطة، بواسطة دعم المواد الاساسية، واستخدام النظام الضريبي للاضطلاع بتوزيع اجتماعي اعدل، وما شاكلها من الاصلاحات التي ومست الرأسمالية الاجتماعية التي اطاحت بها الرأسمالية المنتصرة. بل المطلوب كان ولا يزال تحميل الطبقات الفقيرة والمتوسطة، بما هم الاكثرية الساحقة من دافعي الضرائب، اقتطاعات اضافية من مداخليهم المتدنية، بسبب الازمة ذاتها!!، من اجل انقاذ ارباح القلة المسيطرة علي الاقتصاد.

ذلك هو النفاق الاكبر في موضوع «تدخل» الدولة وفي تصوير «التأميم» على انه اجراء يأتي لصالح الفئات الفقيرة والمتوسطة من المجتمع. يمكن تلخيص المسألة كلها في المعادلة الصحيحة، والتصحيحية، التي صاغها المفكر الاقتصادي العربي الماركسي سمير امين إذ قال إن ما يجري الان من «تدخلات» للدولة و«تأميمات» يمكن اختزاله بالآتي:

تأميم الخسائر وتخصيص الارباح!

وتتخلص كل قصة مقاومة الرأسمالية المتعولمة في طور ازمتها الطاحنة الحالية في قلب هذه المعادلة رأسا على عقب.

المواضيع
إقتصاد سياسي سياسة
البلدان
دولي لبنان مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الاقتصاد السياسي الرأسمالية السياسة الخارجية الأميركية العولمة النيوليبرالية

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.