اليمن على مفترق الطرق
فواز طرابلسي
اطلق الرئيس اليمني علي عبدالله صالح رصاصة الرحمة يوم امس على ما سمّي «المبادرة الخليجية» التي تنظّم عملية انتقال السلطة في اليمن بتنحي الرئيس وتنازله عن صلاحياته لنائبه عبدربه منصور هادي. ردّ صالح على المعارضة وحركات الاحتجاج المليونية في طول البلاد وعرضها منذ ثمانية اشهر بالدعوة لـ«الاحتكام الى صناديق الاقتراع ». اي رهن اي تغيير في السلطة بنتائج الانتخابات النيابية المفترض عقدها في نهاية العام الجاري والرئاسية في ايلول ٢٠١٣. يزيد من خطورة التحدي انه جاء في كلمة مسجلة ذيعت على مؤتمر من المشايخ القبليين الموالين بعد ساعات من تهديد الرئيس ذاته بالاقتتال الاهلي وعلى خلفية تصاعد الاشتباكات المسلحة في انحاء متفرقة من البلاد.
المبادرة الخليجية في صيغتها الاصلية مشروع سعودي برعاية اميركية يقوم على تبديل رأس السلطة والابقاء على ركائزها واشخاصها، الا ان الرئيس المرفوض نجح في ادخال خروقات الى المبادرة انحازت اكثر فاكثر لصالحه خصوصا امام التواطوء الاميركي السعودي وبعيد محاولة اغتياله الفاشلة التي استوجبت نقله الى العربية السعودية حيث هو الآن. في صيغها المدعلة الرابعة، قضت «المبادرة» بأن تتولى المعارضة تشكيل حكومة وحدة وطنية يعيّن علي عبدالله صالح رئيسها «الحيادي» ويصدر مرسوما بنقل صلاحياته الرئاسية الى نائبه بعد تأدية الحكومة اليمين الدستورية امامه. بناء على احدى الصيغ، يبقى صالح رئيسا فخريا لليمن الى حين انتهاء الفترة الرئاسية في ايلول ٢٠١٣ على ان تنظم انتخابات برلمانية قبل نهاية العام الحالي. وفي صيغة اخرى، تقدم بها وسيط الامم المتحدة في النزاع اليمني، يفتتح تشكيل حكومة الوحدة الوطنية مرحلة انتقالية من سنتين تنعقد بعدها الانتخابات النيابية.
بدأ تصعيد صالح ضد هذه الصيغة الرابعة المعدّلة – لصالحه – بأن رهن تنازله لنائبه بنفي عدد من خصومه هم علي محسن الاحمر، اخوه غير الشقيق وقائد المنطقة الشمالية الشرقي، والداعية الاسلامي عبد المجيد الزنداني، رئيس مجلس شورى التجمع اليمني للاصلاح، وثلاثة من كبار مشايخ قبيلة حاشد – قبيلة صالح التي تخلّت عنه – هم الاخوان صادق وهاشم وحميد الاحمر. والسبب المعلن هو اتهامهم بالوقوف وراء محاولة اغتياله في الثالث من حزيران الفائت.
خلال عمليات التفاوض المضنية حول المبادرة العتيدة، طرحت معارضة «اللقاء المشترك» (المكوّن من احزاب اسلامية وقومية ويسارية) اعادة هيكلة الجيش في ظل حكومة الوحدة الوطنية، عن طريق تشكيل مجلس عسكري يعيد الي صفوف الجيش الالاف من الضباط والجنود الجنوبيين المسرحين منذ حرب ١٩٩٤ ويمثلهم في المجلس العسكري. وهذا يعني عمليا وضع حد لتحكم اسرة علي عبدالله صالح الضيقة (الابناء وابناء الشقيق) بالقوات المسلحة وقيادة ابرز الوية النخبة والاجهزة الامنية. رفض صالح اعادة هيكلة القوات المسلحة بالجملة. وإمعانا في التصعيد، اشترط ان يتولى ابنه احمد نيابة الرئاسة شرطا لكي يقبل التنحي. وهو المعادل العملي للتوريث!
ليست تهدف المبادرة الخليجية -السعودية، المرعية اميركيا اصلا اكثر من تغيير رأس السلطة في اليمن برئيس اكثر طواعية وولاء، والحفاظ على المرتكزات الاساسية للسلطة والنظام بما فيها النظام الرئاسي الاستبدادي الذي فصّله دستوريا علي عبدالله صالح علي مقاسه، كما هو الحال في سائر الانظمة الاستبدادية الجمهورية العربية. وليس ادلّ على تردد «المبادرة» وانحيازها من انها سمحت لعلي عبدالله صالح بأن يتحايل ويناور ويدخل من التعديلات والخروقات بحيث انتهى الى القضاء عمليا عليها.
المفارقة في الامر ان معارضة «اللقاء المشترك» استخدمت تشكيل «المجلس الوطني الانتقالي» كورقة ضغط ومقايضة بديلا من ان تقدمها بديلا عن مسار التنحي والتنازل وفق صيغة استبدال رأس السلطة برأس آخر. وقد راعت في ذلك ضغوط الادارة الاميركية والعربية السعودية خصوصا اكثر ما راعت مزاج الجماهير المحتشدة في الشوارع والساحات. والحقيقة ان تصعيد علي عبدالله صالح يوم امس إن هو الا للرد على ما اشيع من ان «اللقاء المشترك» قرر اعلان «المجلس الوطني الانتقالي» يوم ١٧ من الجاري.
باختصار، يهدد علي عبد الله صالح بالاقتتال الاهلي. يجب ان يقال له «قديمة». هدد من قبل. ولم ينفذ. والآن تضاءلت قدرته على تفجير الاقتتال اكثر من اي وقت مضى. انه مقامر يخادع. كل اوراقه مكشوفة.
لا جواب على تصعيده السياسي الا بالتصعيد المقابل: اعلان «المجلس الوطني الانتقالي».
للمجلس الوطني الانتقالي آهمية خاصة بالنسبة لمسار الانتقال الديمقراطي في اليمن – وخارجه – لأنه يتميز بميزتين اساسيتين. الاولى انه ينيط عملية الانتقال بهيئة جماعية توفر اوسع تمثيل لمكونات الشعب اليمني وأطيافه السياسية وتتولى التأسيس لتعاقد شعبي جديد من اجل نظام سياسي ديمقراطي جديد. و«المجلس» بذلك النقيض من الصيغة الفردية المقترحة للانتقال بحسب «المبادرة الخليجية». واما الميزة الثانية – صفة المجلس المدنية، فتتميّز جذريا عن «المبادرة الخليجية » التي تفترض اتمام عملية الانتقال في ظل الوضع الراهي للقوات المسلحة، المنقسمة ولكن حيث لا يزال فريق علي عبدالله صالح يتمتع فيها بالقوة الضاربة. وغني عن القول ان الصيغة المدنية لـ«المجلس الوطني الانتقالي » تتفادى ادوار الجيوش في قيادة علميات الانتقال، معما ينجم عنه من قيود ومخاطر، كما شهدنا ونشهد في تجربتي تونس ومصر.
لهذا كله، لم يبق امام المعارضة الا الاعلان عن «المجلس الوطني الانتقالي» ودعمه بزخم الشباب الثائر، الذي شكل ويشكل قاطرة الانتفاضات. ولكن يبقى الضمان هو النهر الشعبي الهادر متعدد الروافد والفروع المتلاقية من اقصى اليمن الى اقصاه تتشكل منه اوسع معارضة جماهيرية عربية من حيث تعدد مشاربها واتساع رقعتها وحضورها اليومي وتنوع اشكالها النضالية ونجاحها في تحويل اليمنيين الى شعب. شعب يريد رحيل الطاغية ليعاد تشكيل تعاقد ديمقراطي جديد يليق به وبنضالاته وتضحياته.
