اليمن: حتى لا تخلف القبيلةُ… القبيلة
فواز طرابلسي
لا ثورات دون ثورات مضادة. بقدر ما تمددت الانتفاضات الشعبية لتشمل العالم العربي من المحيط الى الخليج، بوتائر ومقادير من الحدة متفاوتة، وبقدر ما حققته من نجاحات، بذاك القدر استنفرت قوى الردة المحلية والاقليمية والدولية. بعد السقوط الميسّر لرأسي النظامين في تونس ومصر، يتبدى التصلّب الدموي في سلوك سائر الحكام في ليبيا والبحرين واليمن. في الوقت ذاته، اكدت احداث درعا الدامية أن الانجازات الخارجية للحكم السوري وسياسة «الممانعة» ليست تشكل مانعا للحركات السلمية المعبرة عن الارادة الشعبية ولا هي بديل عن الاصلاحات الداخلية المؤجلة والمطلوبة في كافة الميادين.
وكما هو متوقّع برزت العربية السعودية بما هي قائدة قوى الردة ورأس حربتها وبيت المال فيها. من المبكر الحكم على قدرة سياسات الرشوة الاجتماعية والمطلبية المليارية التي اعتمدتها المملكة على صرف انظار السعوديين عن المطالب المتعلقة بحقوق الانسان، والمساواة السياسية والقانونية، والشراكة في الحكم وإخماد المعارضة الداخلية. على ان الواضح ان التدخل العسكري في البحرين، الى كونه ضربة إستباقية لحماية الخاصرة الشرقية للمملكة، إفتتح سياسة ذات محورين. المحور الاول اقليمي-دولي قضى بتغطية الدور العسكري والامني السعودي والاماراتي في البحرين عن التواطوء على التدخل العسكري الغربي في ليبيا. اما المحور الثاني، فكشف ان ثمن حماية قاعدة الاسطول الخامس الاميركي والحكم الملكي الفئوي كان منطقة الخليج برمتها الى الأقلمة والتدويل للازمة البحرينية ادى الى إقحام ايران والولايات المتحدة بطريقة غير مسبوقة في منطقة الخليج. هي علي كل حال الطريقة الكلاسيكية التي تعتمدها الانظمة الطوائفية-المذهبية التي تؤثر اعتبار اجزاء حيوية من شعبها على انها عميلة لدولة اجنبية (ايران في هذه الحالة) والتعاطي مع تلك الدولة وتقديم التنازلات لها بديلا عن تقديم التنازلات الاقل كلفة بكثير لشعبها.
على ان الانظار متجهة الآن الى الحدود الجنوبية للسعودية حيث يوشك حكم علي عبدالله صالح الفردي الاستبدادي على الانهيار. ومع ان المدهش في الثورة اليمنية كان الدور المبادر والزاخم الذي لعبه عنصر الشباب فيها، والذي جرّ احزاب المعارضة الى الثورة جرّا، فقد تلبّدت الصورة مؤخرا باختلاط حابل الثورة بنابل القوى القبلية واجهزتها العسكرية.
خلال الاسبوع الماضي، ارسل حاكم صنعاء مجموعات من القناصة اغتالوا اكثر من خمسين مواطنا في «ساحة التغيير» وقدّم الامر على انه اشتباك بين المعتصمين وبين سكان الاحياء. ثم استغل المجزرة لاعلان حالة طواريء لم ينجح في فرضها. ولما بدأت ردود الفعل الغاضبة على مجزرته، إذ اخذت وحدات من القوات المسلحة تنضم للمعارضين، وتقدم وزراء وموظفون كبار وسفراء باستقالات جماعية، أقال الحكومة. ثم طبّق حرفيا المثل القائل «قتل القتيل ومشى في جنازته» فأعلن بوقاحة نادرة المثيل يوم حداد رسمي على «شهداء الديمقراطية»، الشهداء التي سقطوا في سبيل الديمقراطية برصاص قنّاصي حرسه الجمهوري وحرسه الخاص.
الملفت في حالة التفكك هذه هو خسارة على صالح لافراد رئيسيين في الحلقة الضيقة لحكمه . انقلب عليه صادق الاحمر، آخر ابناء شيخ قبيلة حاشد الراحل عبدالله بن حسين الاحمر، وهي القبيلة التي ينتمي صالح الى احد فروعها. والاهم هو اعلان اخيه غير الشقيق على محسن الاحمر صالح، تخليه عنه. تدفقت جموع قبلية من حاشد الى ساحة التغيير في الوقت الذي كانت فيه مدرعات علي محسن الاحمر تطوّق ساحة التغيير بحجة حمايتها فتتواجه ومدرعات الحرس الجمهوري بقيادة احمد على صالح، ابن الرئيس.
النزاع بين الاخوين بعمر مساعي على عبدالله صالح لتوريث ابنه احمد. ولا عجب ان يرى الاخ غير الشقيق نفسه اجدر بالوراثة وقد كان الذراع الامنية الدموية لنظام اخيه منذ ان كان. افتتح دوره بالقضاء على محاولة انقلاب عسكرية ناصرية مطلع عام ١٩٧٩ واستكملها بالقتال ضد انتفاضة شعبية مسلحة بقيادة «الجبهة الوطنية الديمقراطية » اليسارية حررت عددا من اقضية اليمن الشمالي من سلطة الدكتاتور خلال الاعوام ١٩٧٩-١٩٨٤. ولعب علي محسن الاحمر على رأس اللواء الاول المدرّع، الدور الابرز في حرب نظام صنعاء ضد الجنوب اليمني عام ١٩٩٤. ومعروف عنه انه استقدم عناصر تنظيم «القاعدة» الى اليمن لاستخدامات شتى، من اغتيال المعارضين الى استدرار الاموال من اميركا ودول الخليج بإسم «الحرب ضد الارهاب ». وآخر ادواره قيادته ست حملات عكسرية ضد الحركة الحوثية في صعدة وعمران والجوف منذ العام ٢٠٠٤. واللواء علي محسن الاحمر، الى هذا كله، تتّهمه تقارير السفارة الاميركية في صنعاء، حسب وثائق ويكيليكس، بأنه يرعى تهريب المحروقات والسلاح.
ان انشقاق العائلة على هذا النحو ينطوي على خطورة مزدوجة: خطر المواجهة في صنعاء ذاتها بين مدرعات علي محسن ومدرعات الحرس الجمهورية بقيادة ابن علي صالح. وهي الحرب الاهلية التي يهدد بها علي عبدالله صالح. اما الخطر الثاني فهو ظهور الاخ غير الشقيق بما هو البديل الاوحد لحكم اخيه ينقذ حكم العائة والقبيلة ويسرّع في الحسم ويحصد الدعم الاقليمي والدولي.
الكثير يتوقف على السلوك السعودي الذي لم يتردد في ارسال المدرعات بحرا لعلي عبدالله صالح بواسطة مرفأ عدن والحريصة كل الحرص على ان يفضي اي انتقال للسلطة الى نظام تابع. وقد لا تمانع بإستبدل حاكم عسكري فرد بآخر من العائلة والقبيلة ذاتها.
وفي ذلك ما يلقي تحديات كبيرة بالنسبة لانتفاضة التغيير التي تريد فرض ارادة الشعب وبناء نظام يلتقي الحد الادنى من مطالبه وتطلعاته!
كل ما يجري يشير الى انه لا يكفي منع رئيس مستبد من التجديد او التمديد او حتى تنحيته. اول القنابل الوقوتة في النظام الاستبادي هي انه نظام رئاسي يعطي الرئيس صلاحيات استثنائية. هنا اهمية الدساتير. دون تغيير دستوري جذري ينقل النظام السياسي نظام رئاسي الى نظام برلماني او نظام من التوازن الدقيق بين الرئاسة والمجلس التشريعي، يمكن للنظام القديم ان يعود للحياة باسرع مما هو متصوّر.
هذا ما اكتشفه ثوار مصر. ومع ان الاستفتاء لم يحقق ما ارادوه من تأجيل الاصلاح الدستوري الى ان يصير شاملا، الا ان المعركة مستمرة لارساء السلطة علي قاعدة الارادة الشعبية ضد الارادة الفردية التنفيذية، في مصر كما في تونس واليمن.
