العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

اليمن بين استمرار الحرب - والوساطات لوقفها

تُظهر الحرب اليمنية كيف تخدم الحروب الأنظمة باختلاق الأخطار وطمس الأزمات، فيما تبقى الوساطات العربية سطحية، متجاهلة جذور الصراع في الحكم الفردي والتهميش.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

اليمن بين استمرار الحرب – والوساطات لوقفها

فواّز طرابلسي

«الحرب مصرفيٌ، يتعاطى بذَهََبٍ هو اللحم البشري»

(إيسكليس، «الثلاثية الاوريستية»)

تدخل الحرب اليمنية في محافظتي صعدة وعمران اليمنيتين شهرها الثاني حاملة ظاهرتين جديدتين ومتفارقين. الاولى، هي اعلان الرئيس علي عبدالله صالح المضي في القتال ولو اقتضى الامر خمس او ست سنوات اضافية. والثانية، هي بدء الوساطات العربية ومطلعها زيارة الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى لصنعاء هذه الايام.

للحروب وظائف كثيرا ما يجري التغاضي عنها عند التباكي على ضحاياها. فالحروب وسيلة فذة للحفاظ على الانظمة القائمة بافتعال خطر خارجي او فتنة داخلية تستوجب التعبئة حول السلطة والاستنفار ضد العدو وتصدير ازمات النظام وطمس القضايا التي عن معالجتها. والحروب فرصٌ ذهبية للمقاولة الاقتصادية عالية الارباح.

حروب الرئيس علي عبد الله صالح، الشبيهة الى حد كبير بحروب صدام حسين، تجمع وظيفتي الحروب معاً. الوظيفة «الذهبية» ذكّرتنا بها صنعاء إذ نشرت قائمة لتجار اسلحة تتهمهم بتهريب الاسلحة للحركة الحوثية. ومن غرائب الاعلان ان في رأس قائمة تجار السلاح رئيس لجنة الوساطة مع الحركة الحوثية الذي هو في الوقت ذاته شقيق محافظ صعدة. في الامر فضيحة مزدوجة: الاولى هو تغاضي سلطات صنعاء عن هؤلاء التجار الى الآن. والثانية ان كشف تجار السلاح هؤلاء يغطي على التجار الذين يجنون الثروات الطائلة من خلال صفقات السلاح للقوات المسلحة الحكومية. ولا حاجة الى كبير تفكّر للافتراض بأن هؤلاء من صميم العصبية الحاكمة في صنعاء.

وطالما نحن في مضمار الاقتصاد السياسي، لا يجوز ان ننسى ان الحروب مناسبات لاستدرار المساعدات المالية الخارجية. فـ«تغريب» الحرب وتصويرها انها حرب ضد الدعم الايراني للحركة الحوثية على حدود العربية السعودية شكل المبرر الرئيس لكي تغدق المملكة على تمويل الحرب، وهو امر لم يعد سرّا على احد.

اما ظاهرة الوساطات العربية، فالمفاجأة فيها ان السلطة التي كانت ترفض اية وساطة بل اعلنت انتهاء الوساطة القطرية، كأنها تستدعي الوساطات استدعاء هذه الايام.

وتخطو عملية تعريب الازمة اليمنية خطوة اضافية من حيث التعقيد اذ تعلن قيادة الحراك الجنوبي سلسلة من التحركات في كافة المحافظات الجنوبية للمطالبة بانفصال الجنوب بمناسبة زيارة عمرو موسى.

من اجل استكمال الخطوط المتشابكة للازمة اليمنية، لا بد من ملاحظة ان وساطة الامين العام للجامعة العربية ترافقت مع الاعلان عن وساطة مصرية تدعمها انظمة «الاعتدال» العربية وتباركها الولايات المتحدة الاميركية. هذا في حين لا يخفي «الوسيط» المصري انحيازه الى نظام صنعاء على لسان الرئيس مبارك فيما وزير خارجيته يؤكد زعم صنعاء وجود تدخل خارجي ايراني في الحرب.

هل ان استدعاء الوساطة العربية اعلان عن العجز عن الحسم العسكري الذي وعدت به حكومة صنعاء منذ الايام الاولى للحرب والسعي الى ان تحرز بالسياسة ما عجزت عن تحقيقه بالحرب؟ ام هي مناورة تستجيب لضغوط عديدة من اجل وضع حد للحرب والكوارث الانسانية الناجمة عنها؟

يصعب الحسم.

المؤكد ان المطلوب اعلان وقف فوري للدوامة الدموية وفتح الطرقات والممرات لتمكين فرق الاغاثة من العناية باللاجئين وقد جاوز عددهم ١٥٠ الف لاجيء.

والمؤكد ان اي مبادرة لوقف النزف يجب ان تنطلق من مبدأ ان لا حل أمنياً وعسكريا ممكنا للنزاعات الجارية في اليمن. وكم كان الاجدر ان تصرف الاموال الطائلة التي هدرت على السلاح والعتاد الحربي والقتل والحروب على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والانسانية والثقافية في مناطق النزاع.

لا يكفي التذرّع بالقول ان الحرب استمرار للصراع السياسي ولكن بوسائل اخرى من اجل العودة الى تغليب السياسة على العنف. لكي ينتقل الصراع من طوره السياسي الى طور الوسائل الاخرى، اي العنف، كان لا بد ان يكون لذلك اسباب اكثر جذرية من اسباب النزاع السياسي.

فالمؤكد ان اليمن يحتاج الى تعاقد جديد بين مكوناته الاجتماعية والسياسية وبين الشعب والحكام. تعاقد جديد يفرضه اطاحة الحكم الفردي بارهاصات الديمقراطية التي حملتها الوحدة عام ١٩٩٠ وفي الوقت ذاته اطاحته بالوحدة بما هي شراكة بين شركاء احرار ومتساوين. في صلب الازمة اليمنية، شمالا وجنوبا وفي البلاد كلها، يكمن الحكم الفردي، المتكل الى عصبية ضيقة حاكمة، تطلق المعارضات العصبية المقابلة، والى التمييز بين المواطنين من حيث حقوق المعتقد والمواطنة والتهميش المتزايد الذي يغذي النزعات المناطقية الاستقلاية او الانفصالية.

فعندما تكون الوحدة صنو للمركزية والتميير بين المواطنين، على اساس مناطقي وجهوي، تكون في معرض حفر قبرها بيدها وتشكيل التربة الخصبة لنمو وإزدهار النزعات الانفصالية. في المقابل، فلا حلّ للمسألة الجنوبية خارج اليمن الموحد. ذلك ان البديل عن الوحدة لن يكون جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي اغتالها قادتها بأيديهم عام ١٩٨٦، وانما دويلات الجنوب اليمني المجزأة الى الاربع والعشرين مشيخة وسلطنة. فلا بد من اجل تجديد الوحدة من الاعتراف بوجود مسألة جنوبية ناتجة عن مترتبات حرب العام ١٩٩٤ وما تلاها من ممارسات التهميش والتمييز بين مواطني الدولة الوحدة. ولا بد الشروع بمعالجتها ابتداء من اعادة المفصولين والمتقاعدين قسرا الى اعمالهم وايفائهم جميع حقوقهم المادية؛ مرورا بالبت السريع بالنزاعات على الاراضي والعقارات بمقتضى توصيات اللجان الرسمية وازالة اشكال التمييز الاخرى ذات الطابع المناطقي او الجهوي.

من جهة ثانية، تزعم السلطات اليمنية الدفاع عن الجمهورية في وجه حركة حوثية متهمة بالعودة الى الإمامة. ولكن، عندما يتحول الرئيس الجمهورية ذاته الى إمام مطلق الصلاحيات، وعندما تصير الجمهوريات «جملكات» تمارس هي ذاتها التوريث، كيف لها ان تحافظ على اية شرعية في وجه من يقوم تصوّرهم للنظام السياسي الاسلاموي على التوريث اصلا، خصوصا اذا كانوا يدّعون الانتساب الى اهل البيت؟

من هنا المطلوب تعاقد جديد بين اليمنيين، عبر حوار وطني يشمل كافة الاطياف لاجراء تعديلات دستورية تمنع التوريث وتعيد التوازن بين النظام الرئاسي والنظام الانتخابي. ولا بد لتلك التعديلات وما يوالتها من مماسرات ان تؤدي الى تعزيز التعددية السياسية والحزبية والصحافية، ومكافحة الفساد، وتأمين شفافية العلاقة بين المسؤولية الحكومية ومزاولة الاعمال، وتحقيق اللامركزية الادارية الواسعة الصلاحيات والمرتكزة الى مجالس المديريات والمحافظات المنتخبة، وتنفيذ مبدأ تداول السلطة من خلال تنظيم الانتخابات النيابية المؤجلة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية.

المواضيع
علاقات دولية
البلدان
اليمن
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الحرب الطائفية القومية العربية اليمن

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.