العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

اليمن: الثورة مستمرة

«تنازلَ» عن صلاحياته وبقي رئيساً، وحصل على الحصانة قبل أن يغادر — المبادرة الخليجية إنقاذٌ للنظام لا للثورة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

اليمن: الثورة مستمرة

فوّاز طرابلسي

«انا مستعد للمشاركة ومستعد للتعاون». قالها علي عبدالله صالح عند توقيع المبادرة الخليجية في الرياض الاسبوع الماضي. وقد نجح في لوي عنق المبادرة للتطابق مع تفسيره لها مدعوما من الادارة الاميركية وحكام السعودية والخليج. أفرغ المبادرة من اي محتوى يسهم في انتقال فعلي للسلطة او ارهاص بمسيرة بناء نظام سياسي جديد. مهما يكن، هذه الكلمات التي رافقت التوقيع ليست كلمات حاكم يغادر السلطة.

بالفعل، اعلن الرئيس اليمني تنازله عن صلاحياته لنائبه وبقي رئيسا للبلاد خلال تسعين يوما تجري خلالها انتخابات رئاسية في ٢١ شباط/فبراير ٢٠١٢. وهنا اول مآخذ على المبادرة الخليجية. فعلى عكس ما قد يتبادر الى الذهن، فإن تقريب مهلة الانتخابات الرئاسية، في ظل دستور رئاسي مفصّل على قدّ الدكتاتور، واستمراره وطاقمه في التحكم بمفاصل السلطة السياسية والامنية والعسكرية، لا يبشّر بإنتخابات رئاسية حرّة ولا بإفتتحها تغييرا سياسيا فعليا. إن لم ينجح مقربون من «الرئيس المتنازل»، والمعروف عزمه على ترشيح ابنه احمد – المعدّ اصلا لخلافته، فإن منطق الانتقال كفيل بمنح الرئيس المنتخب الصلاحيات التنفيذية والتشريعية الاستثنائية للتي كانت لصالح على حساب السلطة التشريعية الصادرة عن الارادة الشعبية.

بقي رئيسا للبلاد ينوي ممارسة صلاحياته. اعلن انه مغادر الى الولايات المتحدة لاستكمال علاجه فإذا به قابع في صنعاء يمارس صلاحيات رئاسية. فبعد اسبوع من «تنازله لنائبه» اصدر عفوا عمن اسماهم «مرتكبي حماقات » خلال الاحداث الاخيرة. وفي اليوم نفسه، واصل نشاطه بأن تابع مع وزير الداخلية سير عمليات حفظ الامن في البلاد.

فوق هذا، والاهم منه، حصل الرئيس «المتنازل عن صلاحياته لنائبه» سلفاً على الحصانة له ولاسرته واطقم نظامه. بعبارة اخرى، اعفي دكتاتور من المساءلة والمحاسبة والعقاب على جرائم ارتكبها واسرته والمتعاونون معه طيلة ٣٣ سنة قبل ان يتنازل فعليا عن الحكم. والامم المتحدة رعت تلك الفضيحة الخارقة لشرعتها واكتفى مجلس الامن التابع لها بالدعوة – الدعوة ! – الى معاقبة الذين قاموا باعمال عنف منذ كانون الثاني الماضي، دون ذكر للرئيس وطاقمه الحلكم من بينهم. وقد تشمل الدعوة العسكر الموالين للمعارضة قدر ما تشمل المسؤولين في السلطة والجيش واجهزة الامن التابعة للنظام. على افتراض ان ايا من هذا سوف يطبّق !

ثم ان مندوب الامم المتحدة باق للاشراف على استكمال تنفيذ المبادرة من حيث توحيد القوات المسلحة وتنظيم الحوار الوطني. والسؤال: كيف يمكن تحييد القوات المسلحة عن التدخل في المرحلة الانتقالية وتوحيدها بما يؤمّن سلمية الانتقال، فيما يسيطر الرئيس «المتنازل» على القسم الاكبر من القوات المسلحة بما فيها الحرس الجمهوري والقوات الخاصة التي يقودها ابنه وخليفته والمخابرات الموضوعة بإمرة ابن اخيه فضلا عن الطيران والبحرية. واحمد هذا مرشح لأن يكون وزير الدفاع في الحكومة المقبلة.

بتوقيعها على المبادرة الخليجية، اكدّت احزاب المعارضة المنضوية في «اللقاء المشترك» ان جلّ ما يهمها من عشرة اشهر من الحركات الجماهيرية غير المسبوقة ومن القمع والتضحيات هو تقاسم السلطة من موقع الشريك الادنى مع النظام. من اجله تخلّت عن الحيوي والجوهري من اهداف وشعارات وقيم الثورة اليمنية. فغلبّت تقاسم الوزارة مع حزب النظام، والمساهمة في انقاذ النظام ولو باستبعاد بعض رموزه. فكم هو ملفت ان تحاكم مصر وتونس وليبيا حكامها. وتعفي يمن المبادرة الخليجية الحاكم من المحاسبة. وكم هو مدعاة استهجان ان تنجح الثورات في البلدان الثلاثة في استصدار حلّ احزاب الانظمة ومنع اعضائها من الترشح للانتخابات، فيما يقضي «الحل» الاميركي الخليجي في اليمن بمشاركة «المؤتمر الشعبي» في السلطة بل وتقاسمها مع المعارضة ومنحه كل الحظوظ والفرص ليبقى الحزب الاقوى والاوسع نفوذا.

ومن جهة ثانية، وافقت المعارضة على إستبعاد بؤرتين من بؤر الاحتجاج في غرب البلاد وجنوبها. فقد وقّع محمد سالم باسندوه على المبادرة الخليجية بصفته رئيسا لمجلس وطني انتقالي غادره نصف اعضائه. وارتضت المعارضة الرسمية استبعاد الحركة الحوثية عن المشاركة في التسوية ارضاء للسلطة في صنعاء وللعربية السعودية وانظمة الخليج. بهذا دقت الاسفين بين القوى المتضررة من الحكم الفردي وشجّعت، من حيث ارادت او لم ترد، العناصر المتطرفة في كلا البؤرتين. ردت الحركة الحوثية على الاستبعاد بالتوتير الامني من خلال اشتباك مسلح مع مجموعات وهابية ناشطة في محافظة صعدة. ويساعد استبعاد ممثلي المحافظات الجنوبية، ورفض احزاب اللقاء المشترك التقدّم بمشاريع حلول فعلية للمسألة الجنوبية، على تغليب التيارات المتطرفة في الحراك الجنوبي وخصوصا دعاة الانفصال بينهم. وهذا في وقت كانت الثورة قد نجحت في تكتيل كل القوى المتضررة من النظام الدكتاتوري، من حضرموت الى صعدة فالحديدة، ومن عدن الى تعز فصنعاء، في ارادة واحدة للتغيير السياسي مقدمة لحل سائر مشكلات البلد الجهوية والاقتصادية والاجتماعية.

اما الافدح فهو الشرخ الذي احدثته احزاب المعارضة الرسمية بينها وبين القوى الشبابية في ساحات التغيير. هؤلاء الذين لولا تضحياتهم وصمودهم وابتكارهم الوسائل الخلاقة للرد على حيل النظام وادوات قمعه، لما نزلت احزاب المعارضة الرسمية الى ساحات النضال، ولا منحت نفسها او منحتها الاطراف الخارجية، حق التفاوض والمشاركة في الحل اصلا. وقد عبّر باسندوه نفسه بصراحة مدهشة عن ذلك التخلي والشرخ الذي احدثه إذ اعترف للشباب «بأن شيئا لم يتحقق من الذي ينشدونه ولا مما تنشده احزاب اللقاء المشترك». ما يعني ان اللقاء المشترك خضع للارادة الخارجية ليس الا. والافدح انه مضى قائلا في جدلية غرائبية «ولكن تحقق شيء من ذلك والتغيير الجزئي سيقود حتما الى تغيير شامل وكامل في المستقبل».

فلا عجب ان يعلن الشباب انهم غير معنيين بمبادرة خليجية رفضوها منذ البداية وان يعاندوا منح الحاكم الحصانة عن جرائمه وان يحرقوا صور الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز في الشوارع والساحات وان تستمر التظاهرات والاضرابات والاعتصامات في العديد من المدن في طول البلاد وعرضها. والاهم في هذا الصدد القرار – المتأخر – الذي اتخذته القوى الثورية بتشكيل «لجنة للتواصل والتنسيق» تضم كافة اللجان الفاعلة في انحاء اليمن الاربعة وقد اختيرت مدينة تعزّ في وسط البلاد مركزا لها وهي التي تكبدت في الآونة الاخيرة الوزر الاكبر من قمع النظام وجرائمه.

الثورة مستمرة في اليمن.

وهي تدخل مرحلة جديدة تصطدم فيها الان بنموذج عن تسوية اميركية-سعودية محورها استبعاد الجماهير والسعي لاخراجها من الشوارع والساحات والتفرّغ من ثم لانقاذ النظام القائم، عن طريق نقل الصلاحيات من الرئيس لنائبه – وهو ما افشلته قوى الثورة في مصر وتونس – فيبقى النظما السياسي قائما على الصلاحيات الواسعة للرئيس ركيزته الجيش ومصدر قوته انفراده بالسلطة التنفيذية، بل يبقى الحزب الحاكم مشاركا في الحصة الاكبر من السلطة مدعوما باجهزة السيطرة والتحكم والقمع ومعززا بالدعم الخارجي والتواطوء الدولي.

المواضيع
سياسة
البلدان
اليمن مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الديمقراطية الربيع العربي المملكة العربية السعودية اليمن

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.