الاجتياح الإسرائيلي يدخل أسبوعه الثالث. شطرٌ أساسي من الوطن بات تحت الاحتلال. وفيما العدو ينظّم احتلاله، يمشّط، يدمّر، يأسر، يحدّد الإقامة، ويهجّر، بدأت الأخبار تتسرّب عن أهوال القتل والدمار في المناطق قيد الاحتلال، مثلما تتسرّب الأخبار عن استمرار المقاومة، المسلّحة منها والمدنية، ضد الغزاة.
وبيروت محاصَرة، يجري تهديدها بالغزو والخراب. ونائب حبيب يحدّد مهل وقف إطلاق النار ويملي الشروط. في بعبدا، “الشرعية” يقبع أحد كبار ضباط الاحتلال، أما “الشرعية” نفسها فصامتة حيال احتلال بلد وقهر شعب. فيما مجلس الأمن يكرّس عجز “الشرعية الدولية” المستباحة بقرارٍ يعرب فيه عن “قلقه على المدنيين”!
عزيزٌ الكلام في مثل هذه الأوقات، وقليل الفائدة أحياناً، فيما الدبلوماسية السرية سيدة الأحكام. ومهما يكن من أمر، فالشروط الأميركية–الإسرائيلية باتت واضحة: الانسحاب النهائي للقوات السورية من لبنان، سحق حق العمل المسلّح للمقاومة الفلسطينية، وصهينة لبنان. فيبدو أن لبنان يدخل منعطفاً تاريخياً حاسماً في تاريخه سيقرّر مصيره نهائياً. فكأنّ الاجتياح الإسرائيلي هو العملية الجراحية الحاسمة في جسم هذا الوطن، بعدما فشلت العمليات الجراحية السابقة. فقد قاوم ذلك الجسم مقاومةً عظيمة العملياتِ الجراحيةَ الاصطناعية. وبدا أنه لا يمكن فرض المسخ الفاشي عليه إلا في ظل حراب أكثر من مئة ألف جندي إسرائيلي، معزّزين بأحدث مبتكرات آلة القتل والدمار الأميركية. والمشروع يتعدّى ما يسمّيه فيليب حبيب السلام اللبناني مع إسرائيل، إلى إعادة تأسيس كيانٍ لبناني يحمل في تركيبه الداخلي وتوازنات قواه الضمانة لتبعيته للكيان الصهيوني. وقد كان الخطاب الأخير لبشير الجميّل خيرَ معبّر عن مشروع اندماج الفاشية المسلّحة بالدولة المركزية، ومرتكزاتها الأساسية، الجيش، كواسطة لمدّ هيمنتها على لبنان كلّه.
تلك هي بنود الاستسلام التي حاولوا فرضها، وبسرعة، عبر إنذارات فيليب حبيب، ووطأة الحصار، وابتزاز “الإنقاذ”. وإذا كانت القوى الوطنية قد نجحت في تفادي الفخّ الذي نُصب للوطنيين، على حدّ تعبير رئيس الحركة الوطنية وليد جنبلاط، فإنّها — تلك القوى — قد كشفت أن هناك صيغتين لـ”الإنقاذ” العتيد: صيغة “تُبصم” على شروط العدو وتسلّمه البلد ومصير المقاومة الفلسطينية، وتلك صيغةٌ “تُنقذ” الاحتلال وشروطه، ولا تُنقذ بيروت ولا لبنان ولا القضية الفلسطينية. أما صيغة الإنقاذ الفعلية، المرتفعة إلى مستوى الاهتمام بمصير الوطن لأجيال قادمة، فهي وحدها الصيغة التي تجبه الاحتلال بموقف وطني:
– يرفض الاحتلال والأمر الواقع الذي يفرضه، ويدعو للانسحاب الفوري لقوات الغزو من آخر شبر من الأرض اللبنانية.
– يصرّ على استقلال لبنان ووحدة أرضه وشعبه والنظام الديمقراطي وسيادة لبنان على كامل أراضيه ومياهه.
– يحرص على صيانة حقوق الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية والقومية.
ذلك هو كلام الذين يمثّلون بيروت ونسيج الوطن كلّه، الذين أعطوا كلّ ما يملكون ولا زالوا يعطونه، ويستحقّ منها مدافعٌ عنها منذ أن كانت هذه الحرب، الذين هم أبناء جماهيرها الصامدة الطيبة. فبيروت عاصمة الوطن كلّه، وبمصيرها بات مصير الوطن كلّه مرتبطاً الآن. إنّ بيروت تختزل الوطن كلّه. ولأنّها كذلك، فتلك هي أصوات الجنوب والجبل والبقاع، أصوات تضحيات شعبنا في وجه الاحتلال نحو عاصمة الوطن. وبيروت الآن عاصمة التحرّر العربي، تمسك في يدها مصير جيلٍ بأكمله من العرب، ومصير المستقبل العربي كلّه.
وإذا كانوا يريدون تحويل بيروت إلى “مسادة” عربية أو ممرّ المارثون، أو ستالينغراد، ينبغي أن يدرك الغزاة أن الوطن باقٍ والاحتلال إلى زوال، وأنه مثل تلك المعارك التاريخية تنهض الأمم وتُبنى الأوطان، ويجري تفجير طاقات المستقبل.
والمحتلّ يستطيع أن يرتكب المجزرة تلو المجزرة، وسط هذا التفرّج العربي المتواطئ إلى حدّ التآمر، ووسط تباطؤ الأصدقاء إلى حدّ العجز، لكن الاحتلال لن يستطيع أن يفرض على وطني وبلدي هذا الاعترافَ به.
سنقاومه بكلّ الوسائل، فالوطن هو الباقي، والاحتلال إلى زوال، مهما استطال.
وبيروت القلّة، الشاخصة وراء الزناد، البادئة بالشعور بوطأة الحصار، الشاعرة بعدم تكافؤ الفرص، المريرة إلى حدّ الشعور بالخذلان تجاه الجميع، الرائعة الجمال في غضبها وحقدها، بيروت هذه تتمخّض عن لبنان الفعلي، لبنان الغد العربي الجديد!
بيروت عاصمة الغد العربي!
