النفط في الزمن الثوري
فواز طرابلسي
هل سوف تقتصر الثورات العربية على الانظمة الاستبدادية المتحدرة من حركة التحرر الوطني؟ وهل سوف تنجو أنظمة الاستبداد السلالية النفطية من موجة التغيير العارمة التي تعصف بالمنطقة؟
من يراقب سلوك تلك الانظمة لا بد له ان يلاحظ ان جوابها على السؤالين يتجه وجهة تغليبها الادوار الخارجية وسيلة رئيسة لدرء ترددات الانتفاضات الشعبية على اوضاعها الداخلية.
مع ذلك، لم تنجح السعودية وقطر، وهما النظامان الاكثر حضورا في السياسات الاقليمية، في السيطرة على مجالهما الحيوي بعد. يتجدد الاحتجاج في البحرين حيث تتصاعد وتيرته وحدّة الصدامات بين الشرطة والمتظاهرين فيما تتجذر الشعارات التي باتت تنادي بالملكية الدستورية بل باسقاط النظام. الازمة مفتوحة على مصراعيها في وقد تقصدت «المبادرة الخليجية » تجاهل مشكلات وحركات احتجاج رئيسية مثل الحركة الحوثية، والحراك الجنوبي، وانهيار مركزية صنعاء ومعالجة المطالب الشبابية بنظام سياسي جديد قائم على الديمقراطية والدولة المدنية والشفافية. بل عجزت المبادرة، المرعية اميركيا وسعوديا، حتى عن تأمين اخراج علي عبدالله صالح من السياسة ومن البلاد، على الرغم من اعفائه من المحاسبة هو وبطانته. وتتميز التحركات لتفكيك النظام ظاهرة غير مسبوقة هي الاضرابات والاعتصامات التي ينظمها الاف العسكريين الذين يطالبون باقالة رؤسائهم من قادة البحرية والطيران والاسلحة الاخرى من اقارب وانصار الرئيس المخلوع. هذا حتى لا ننسى الانتشار الدموي اللافت لعمليات تنظيم القاعدة في المحافظات الجنوبية.
ولعل السؤال المرافق هو: هل ان سعودة وقطرنة الحركات الاسلامية في تونس ومصر وسوريا يعفي تلك الدول من مفاعيل التغيير في عقر دورها؟
اذا قصرنا الامر على اكبر تلك الدول، العربية السعودية، نلاحظ ان العوامل ذاتها التي دفعت جماهير البلدان العربية الاخرى الى الحراك والثورة – البطالة والقمع والفساد – متوافرة في الممملكة.
لقائل يقول ان هذه الاقطار النفطية، اغنى بلدان العالم من حيث الدخل الفردي ذات الانفاق الحكومي الواسع، قادرة على ارضاء اوسع الفئات المتذمرة بين شعوبها. الحقيقة ان الحاجة الى التغيير ليست تنمو من الحرمان فقط. الامر المؤكد ان نمو الاقتصاديات والثروات النفطوغازية قد خلق مشكلات جديدة بقدر ما رفع تطلعات الناس الى تحسين اوضاعهم المعيشية وزاد من المطالبة بالحقوق لا العكس.
في العربية السعودية، تصل معدلات البطالة الى ٣٥٪ بين الشباب في سن العشرينات. علما ان ٦٠٪ من السكان دون الواحد والعشرين من العمر، وهو من اعلى المعدلات بين الدول العربية. صحيح انه يجري تطبيق سياسة السعودة منذ سنوات التي تلزم الشركات بتوظيف ٣٠٪ من عمالها والموظفين من السعوديين. وقد اضيف اليها، عقب الانتفضات العربية، الاعلان عن مشاريع طموحة بخلق ثلاثة ملايين وظيفة خلال ثلاث سنوات. من المبكر تقييم التطبيق والنتائج في الحالتين.
مهما يكن، الى ما تحمله البطالة للشباب من انسداد افاق المستقبل، تنضاف اشكال العزل والقمع والضبط الاجتماعي المميزة للنظام السعودي التي تطبق على حياتهم وحرياتهم بل وتحصي عليهم الأنفاس. يتصاعد الغضب على مطاوعة «هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر » لتدخلهم الفظ في حياة الناس الشخصية، ما اضطر الملك الى استبدال رئيس الهيئة برئيس جديد يقال انه «اصلاحي».
عزل النساء ومنع الاختلاط بين الجنسين لا يزال على حاله. وكذلك منعهن من قيادة السيارات. وقد حرمت النساء من الاقتراع في الانتخابات البلدية بحجة ان مراكز الاقتراع ليست مجهزة بمعازل للجنسين. والعزل مستمر في اماكن العمل، حيث تحجز العاملات في غرف خاصة بهن مع ان نسبة عمالة النساء تتزايد على نحو ملحوظ.
من جهة ثانية، تزايدت انتهاكات حقوق الانسان على امتداد السنة الماضية. مدوّن اضطر الى الفرار من البلاد بسبب تكفيره. تسعى الحكومة لاستعادته حيث يتهدد الخطر حياته. وتطالب منظمة العفو الدولية باطلاق سراح ستة محتجزين دون محاكمة منذ سنة لنيتهم الاحتجاج – مجرد النية ! – في تظاهرة لم تقم يوم ١١ مارس ٢٠١١. قد اعتقل ثلاثة مخرجين سينمائيين سعوديين لانهم تجرأوا على اخراج فيلم عن الفقر في المملكة. وزاد من انكشاف وجود فقر مقيم في الجنة النفطية اعلان لمواطن سعودي فقير عن استعداده بيع احد اطفاله على الفايسبوك ليمكنه إعالة الباقين.
وحُجِب موقع على الانترنت لنشره اخبارا عن القمع في المنطقة الشرقية في العوامية والقطيف. اكثر من اضراب طلابي بسبب سوء الخدمات في المدارس او اضراب عن الطعام للاحتجاج على احتجاز ناشط حقوقي محمد البجادي معتقل لكشفه مقتل المقيم اليمني سلطان عبده دعيس تحت التعذيب في معتقل المباحث العامة في القصيم.
شباب يهزأون من الدعاية الرسمية ضد القمع في سوريا وممارسة الامر ذاته داخل المملكة، في المقابل تلقى ولي العهد الامير نايف، ورجل المملكة القوي، يستخدم تكتيكات النظام السوري في منع السفر او في القاء تهمة «الارهاب» على كل معارض ويهدد بالضرب بالقبضة الحديد.
من الشعارات على الجدران في القطيف حيث حصد القمع السلطوي اربعة قتلى الى الان: «اين اموال
النفط »؟ هذا هو السؤال الجديد الذي يطرحه السعوديون الآن.
وهذه بعض الاجوبة. يتقاضى كل امير من العشرين الف امير واميرة الذين يشكلون الاسرة الحاكمة (على ٢٥ مليون من السكان) علاوة معدلها الوسطي ١٢٠ الف دولار شهريا. على ان التوزيع هنا ليس متكافئا البتة. فقد كشفت وكالة ويكيليكس معلومات من الاسرة المالكة ذاتها تفيد ان عائدات مليون برميل من النفط يوميا يستحود عليها الامراء الخمسة والستة الكبار، اي ان دخلهم المشترك يوازي ١٠٠ و١٢٠ مليون دولار، حسب سعر البرميل، علما ان المملكة تنتج قرابة ثمانية مليون برميل يوميا.
الى هذا يجب ان تضاف الاعداد الفلكية من البترودولارات التي يعاد تدويرها الى العواصم الاوروبية والاميركية عن طريق الايداع في المصارف وتمويل مديونية الدول الاوروبية والاميركية وإسناد عملاتها المتقلقلة، بشراء سندات الخزينة، والاستثمار العقاري، عدا عن التوظيفات في الشركات المختلفة، الخ. هذا عندما لا تستعاد اشطار كبيرة من تلك البترودولارات عن طريق تمويل الحروب الخليجية وصفقات السلاح المليارية – وآخرها صفقة الطائرات الاميركية بقيمة ٦٠ مليار دولار – والاستيراد الاستهلاكي الفاحش.
على ان الجديد في زمن الثورات ان الثروة النفطية باتت في صلب البحث في فساد الحكام – وكلهم رجال اعمال – وهو ارتفاع مطلب السيطرة الشعبية على الثروات والموارد الطبيعية، وعلى طرائق توزيعها والصناديق السيادية المرتبطة لها. ولعل الاهم ان الثروات النفطية – وفقاعتها المالية – صارت شأنا مشتركا لشعوب المنطقة، على نحو جديد، لأن هذه الاموال المعولمة تتدخل الآن بالف شكل وشكل في كل بلد عربي حيث تتجه أنماط توظيفاتها الاقتصادية والريعية والسياسية في الاتجاه النقيض لتوفير العمل والخبز والحرية لشعوبها، بل ان اموال النفط تشكل الآن السلاح الفتاك لتحوير الثورات عن مساراتها الديمقراطية والتنموية وتغليب حركات الردة الاسلامية والسلفية ناهيك عن الجهادية عليها.
