العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

المرأة العربية زمن الردّة

المرأة العربية كبش محرقة الهزائم — وهي هزائم الذكور. والردّة حدث زمني لا وليدة ثقافة أو دين، وإن تذرّعت بكليهما.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

المرأة العربية زمن الردّة

فوّاز طرابلسي

«المرأة مستقبل الرجل».

هكذا كان يقال في ماض ليس بالبعيد تحية للثامن من آذار.

واليوم يبدو كأن مستقبل المرأة العربية هو وراء. وبدلا من ان تكون هي التي تشدّ الرجل الى مستقبل، اذا الردّة الذكورية تشدّها الى الماضي.

في لبنان الذكوري البطريركي- والذكورية والبطريركية أبرز آليات النظام الطائفي- لا يحق للمرأة ان تمنح جنيستها لمولودها. ذلك ان خرق هذا المنع يهدد بتصدّع كل عمارة قانون الاحوال الشخصية القائم على ان الاب الذكر، القوّام على المرأة، هو الذي يعيّن مذهب الاولاد والطائفة. فإذا كان بامكان الام تعيين جنسية الاطفال كيف لهم ان يتبعوا دين الاب وطائفته في الاحوال الشخصية؟

ولا تزال جرائم الشرف تحظى بالاسباب التخفيفية. والسياسة شأن ذكوري اللهم الا عندما تقتضي مفاجآت الوراثة او السجن تنويب (نسبة الى نيابة) او توزير الارملة او الزوجة او الشقيقة او الابنة. وفي مجتمع الرق الحديث الذي يعيش على مئات الالوف من العمالة الاجنبية، وعشرات الالوف من العاملات الاجنبيات، تنتحر او تقتل خادمة اجنبية بمعدّل مرة في الشهر.

منعت الرقابة منذ ايام عرض فيلم تظهر فيه البطلة عارية لثوان. وكم هو معبّر – عن دور الطوائف والمؤسسات الدينية في القمع الاخلاقي والاجتماعي- ان تكون المؤسسة الدينية التي تنتمي اليها الفتاة هي التي طالبت بالمنع.

التحية للممثلة الشابة الجرئية التي مثّلت المشهد. لن نسمّيها حتى لا نقع في فخ من أراد تحريف السجال ليدور على «مكانة» والد الممثلة وهويته السياسية، بدلا من ان يدور على الرقابة والمنع وحرية التعبير.

عربيا واسلاميا، لا تزال علمانوية عوراء تتضافر مع اسلاموية خرقاء على إختزال مكانة المرأة ودورها في المجتمع والحياة العامة بما ترتديه من غطاء للرأس. وحقيقة الامر ان تحريم الحجاب بمثل تحريم السفور. كلاهما تحريمي اي انه قيدٌ على حرية الاختيار. والنساء يقاومن كيفما استطعن الى ذلك سبيلا. بتخريب منطق التقشف والتقوى الذي يفترضه غطاء الرأس، تلوينا وتزيينا واسلوبا في اللف وتدلية للغرّة وما شابه. وقد يحجب غطاء الرأس الكثير لكنه ليس يحجب الفوارق الاجتماعية. لدى كثرة من النساء، تجد الثوب الاسلامي كسوة وحيدة لا يسمح وضعهن الاجتماعي بأكثر او اغلى منها. اما عند الاقلية الثرية فمجرد الغلاف الخارجي لافخر انواع الازياء، وارد كبريات دور الازياء الغربية، واغلى الحلي واثمن اكلاف التبرّج. وهل نعجب، في عالم الهدر النفطي، ان تكون النسوة في دول الجزيرة والخليج يستهلكن لا اقل من ملياري دولار سنويا على مستحضرات التجميل!

العنف ضد المرأة مقزز ومدان بذاته مهما كانت درجته (تبيّن دراسة اخيرة ان ٦٨٪ من نساء لبنان يتعرّضن للعنف الجسدي). ولكننا شهود منذ سنوات على اعلى درجاته: الاغتصاب الجماعي. من يحاكم الذين مارسوا ولا زالوا يمارسون هذا الجريمة بحق عشرات الالوف من نساء دارفور (مترافقة مع الخطف والسبي والقتل)؟ وعندما تكون السلطة هي الراعية لتلك الاعمال او الممتنعة عن المحاسبة أقلا، فمن يحاسب الذين حرّضوا وموّلوا وغطّوا تلك الجرائم، مهما كان الموقف من مثول او عدم مثول اللواء عمر البشير امام المحكمة الجنائية الدولية؟

ولا يقولن لنا احد ان ما يجري من حَجْر وقمع وتمييز هي عادات عريقة او ممارسات يفرضها الدين او «الثقافة». إن هي الا مستحضرات ومستحدثات زمن الردّة السياسية الاجتماعية الشاملة التي أطبقت على المنطقة منذ لا اكثر من ثلاثة عقود من الزمن.

منذ اسابيع، حلّت بيننا المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد للتضامن مع الجنوب المقاوم. مرت علينا، سافرة، مثل نسمة باردة هبّت من زمن آخر، عندما الكفاح المسلّح – بما فيه زرع النساء للقنابل في البارات التي يرتادها المستعمرن الفرنسيون- كان يرى اليه على انه عمل بطولي، وينبري كبار المثقفين، امثال جان بول سارتر وسيمون دُ بوفوار، للدفاع عن اطلاق سراح المناضلات الجزائريات المتهمات بـ«الارهاب». ليست جميلة بوحيرد مجرّد أيقونة نضالية. هي احد رموز مشاركة المرأة في حركات التحرر الوطني جنبا الى جنب مع الرجل، عندما كان التحرر الوطني يعني التحرر الاجتماعي والانساني الشامل لكليهما. كان هذا قبل ان تطبق الردّة ما بعد الاستقلال، إذ طولبت المرأة بالعودة الى البيت. ثم فرض عليها التزام «بيت الطاعة» قبل ان تخضع للسبي والاغتصاب والقتل زمن «امراء الجماعات» المسلحين.

منذ لا اكثر من ثلاثة عقود من الزمن، كان آية الله الطالقاني، احد ابطال الثورة الايرانية، يعلن ان حصانة المرأة تكمن في مناعتها الشخصية والنفسية لا في رقعة قماش تغطي منها الرأس او الوجه. وكانت قوانين للعائلة في تونس واليمن الديمقراطية الشعبية تمنع تعدّد الزيجات وتحدّد المهر بقيمة مالية رمزية وتبيح الطلاق للمرأة. وغني عن القول ان الانظمة الاستبدادية العربية، سلالية اكانت ام عسكرية شعبوية، تكاد ان تتساوى في استعدادها لتقديم التنازلات للحركات الاسلامية تحديدا في كل ما يتعلّق بالنذر اليسير من الحريات والحقوق العامة التي تتمتع بها النساء في الانظمة الحديثة.

احتلّت مسألة المرأة العربية زمن العولمة ركنا اساسي في المشاريع «الشرق اوسطية» و«تقارير التنمية البشرية» التي تصدرها وكالات الامم المتحدة. والعنوان الرئيسي هنا هو التمكين. التمكين لا التمكّن. والتمكين، اضافة الى دعوته الى محو الامية والتعليم ومكافحة اشكال التمييز والعنف ضد المرأة، يتبدى اكثر ما يتبدى في الدعوة الى اشراكها المتزايد في القرار السياسي.

تشكو هذه الوصفة- ومنها فكرة «الكوتا» النسائية- من كونها تدعو الى تحقيق انجازات دون ارساء بناها التحتية ومراحلها الانتقالية. جاء التمكّن السياسي للمرأة في الغرب ليتوّج تمكّنها الاقتصادي، بانخراطها شبه المتساوي في العمل، وتحقيق ما يقارب الاجر المتساوي للعمل المتساوي، ونجاح الحركات النسوية في تحقيق خطوات كبيرة في مجال المساواة بين النساء والرجال في الحقوق السياسية والقانونية، ومنها حقوق الامومة والمساواة في الاحوال الشخصية، ناهيك عن ولادة علاقات جديدة كل الجدّة داخل الاسرة النواتية ذاتها.

اما عندنا فيراد لنا القفز الى التمكين السياسي والاداري بغض النظر عن مقدماته الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والسياسية. فليس غريبا ان تتلقّف الانظمة من تلك المشاريع ما يناسبها ومن لا يضع موضع تساؤل او بحث او تغيير اي من العلاقات بين الجنسين. عنيت ان تختصر مسألة «التمكين» بتعيين نساء افراد في مراكز سياسية او ادراية من رئاسية او وزارية او تشريعية شبه فخرية، وآخرها تعيين العربية السعودية، لاول مرة في تاريخها، امرأة بدرجة نائبة وزير.

خلاصات ثلاث:

اولا، المرأة العربية هي كبش محرقة الهزائم العربية- وهي في المقام الاول هزائم الذكور والذكورية؛

ثانيا، الردّة التي تطال المرأة اشدّ من غيرها، حدث زمني وليست وليدة عادات او تقاليد او ديانة او ثقافة، وإن كانت تتذرع بهذه جميعها وتستدعيها استدعاء،

ثالثا، التحذير من فصل قضية حقوق المرأة وتحررها عن سائر قطاعات المجتمع، على غرار ما هو سائد في مقولات المؤسسات الدولية، والدعوة الي اعادة ربطها بحقوق المجتمع ككل ومسار تحرره المتكامل.

المواضيع
سياسة علم الاجتماع
البلدان
العالم العربي لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الجندر الطائفية القومية العربية النسوية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.