القاهرة ٩ اكتوبر: الحدث ليبقى حدثا
فواز طرابلسي
على الرغم من استهوال مقتلة ساحة ماسبيرو التي وقعت امام مبنى الاذاعة والتلفزيون في القاهرة يوم ٩ اكتوبر الماضي، يحلو لكاتب هذه السطور ممارسة السذاجة والبساطة والنظر اليها بما هي حدث في المقام الاول.
يوم ٩ اكتوبر، انطلقت تظاهرة معروف الاعداد لها مسبقا من قبل السلطات، تحتج على هدم كنيسة قبطية في محافظة اسوان وتطالب باقالة المحافظ الذي برر فعلة المدنيين الذين دمروا الكنيسة بحجة انها غير مرخصة. هي تظاهرة ضد تمييز يتم على اساس ديني لسببن. الاول، التمييز في معاملات الترخيص للكنائس قياسا الى المساجد في مصر. والثاني لأن الكنيسة المعنية تعمل منذ سنوات، وقد التزمت بعدد من القيود التمييزية غير المبررة مثل الامتناع عن قرع الاجراس وعن رفع الصلبان على اعتبار انها «تؤذي» جيرانها المسلمين.
مهما يكن، بدأت التظاهرة سلمية ولما تجمعت في ماسبيرو تدهورت الى اشتباكات بين المتظاهرين ووحدات من الشرطة العسكرية انتهت الى مقتلة فعلية ذهب ضحيتها لا اقل من عشرين من المتظاهرين واكثر من مئة جريح، معظمهم من الاقباط، قضى عدد منهم رهساً بواسطة مجنزرات الجيش.
لعب الاعلام الرسمي، التلفزيوني خاصة، دورا في الحدث جمع الكذب الى تحريض. كذب الاعلام الرسمي حين قدّم الاشتباكات على انها اطلاق نار من قبل المتظاهرين (المعروفين والمعرّفين بأنهم «اقباط») ضد القوات المسلحة ادى الى مقتل ثلاثة جنود وجرح لا اقل من مئة. لسنا نعرف الى حين كتابة هذه السطور ما اذا كان ثمة ضحايا عسكريين ام لا، وما هو عددهم، في حال سقوطهم، وكيف تمت وفاتهم. ما صدر عن الجيش المصري يعد باعلان اصابات القوات المسلحة في «الوقت المناسب» لـ «عدم التأثير في معنويات المجندين». وهو غموض يزيد دماء المقتلة بلّة. والاعلام الرسمي حرّض على القتل عندما دعا المواطنين الى النزول للشارع لحماية «جيش مصر الوطني» ضد المتظاهرين. وبالفعل نزلت فرق من الشباب من الاحياء المجاورة لماسبيرو اشتبكوا بدورهم مع المتظاهرين. ويؤكد شهود عيان ان بعض ضحايا المقتلة قضى جراء شق الرأس بادوات حادة..
في الانتظار، العادة اياها: تضخيم الحدث من اجل طمسه ومنع المساءلة والعقوبة. مصر تتعرض لـ«مؤامرة» حسب تفسير المجلس العسكري. وها هي «الايدي الاجنبية» اياها تثير الفتنة، في رواية رئيس مجلس الوزراء عصام شرف، يثني عليها بيان الكنيسة الارثوذكسية التي تعترف بإندساس «غرباء» بين المتظاهرين (غرباء عمن؟ عن الطائفة ؟ ). بغرباء او بدون غرباء، شاهد الملأ على شاشات التلفزيون عربات مدرعة تتعقب متظاهرين وتهرسهم مثلما شاهدوا متظاهرين ينهالون بالضرب على قائد ملالة تعطلت ويضرمون النيران في مدرعات أخرى.
على جاري السذاجة والبساطة: مطلوب التحقيق لكشف من اتخذ قرار اطلاق النار على المتظاهرين وتفريقهم بواسطة المدرعات. ولا بد ان يشمل التحقيق ايضاً كشف كل من اعتدى على رجال الجيش وآلياته وتعرّض للاملاك العامة من عسكريين ومدنيين. هذا سلوك يليق بمصر ثورة ٢٥ يناير الذي تجرأ شعبها على تطبيق القانون على رئيسها المخلوع وباقي المسؤولين عن اصدار اوامر قتل المتظاهرين ونهب المال العام.
على ان الكلام المتضخم عن «المؤامرة» و«الايدي الاجنبية» واندساس «الغرباء» كان دوما الوجه الآخر للتنصل من المسؤولية و«اغراق السمكة» والتملص من التحقيق والمحاسبة والعقاب بالانحدار الى التفسيرات البسيكولوجية الفردية. ها هو وزير الاعلام المصري يبرر كذب التلفزة الرسمية والتحريض على العنف، وتجريم الضحية، بأن مذيعا «فقد أعصابه» ازاء مشاهد العنف. وها هي مصادر عسكرية تستخدم الحجة ذاتها فتقول ان امرا لم يصدر باستخدام المدرعات لتفريق المواطنين، وانما عناصر من شرطة الجيش «فقدت اعصابها» ولجأت الى رهس المواطنين. فإما ان يقال ان التحقيق، الذي امر المجلس العسكري بمباشرته فورا عن طريق لجنة لتقصي الحقائق، قد انتهى قبل ان يبدأ. وإما ان يقال: حسناً. إن فقد الاعصاب الذي يؤدي الى القتل جريمة يحاكم عليها القانون! فهاتوا بالمتهمين الى القضاء.
وبالسذاجة والبساطة ذاتها، يجب القول ان تظاهرة ٩ اكتوبر كانت صرخة غضب وقلق اطلقها اقباط مصر بالحناجر والاجساد والدماء. الغضب على تصاعد التمييز والعنف تجاههم، في ظل الثورة، والقلق على المستقبل تجاه مرحلة انتقالية تهدد بخروجهم من تحت «حماية» عهد حسني مبارك واستغلاله الامني لهم، الى «ذمية» تتربصهم بها الجماعات السلفية ومعها عدد لا بأس به من «الاخوان المسلمين»، حيث تتراوح شروطها بين الدعوة لـ«أسلمة المجتمع والدولة » وبين «رعاية الشريعة لاخواننا المسيحيين »، على ما يقترح احد قادة «الاخوان». وهذا ما لا يطمئن احدا ولا يقيم عدلا.
متظاهرو ماسبيرو مواطنون مصريون يصرخون طلبا لتكريس قانوني وعملي لحرية المعتقد – وهي جزء عضوي من حرية الرأي وحقوق الانسان- ويرفضون التمييز الديني في الامور المعتقدية كما في فرص العمل والتمثيل السياسي والتنمية والوظيفة العامة. ذلك هو معنى صراخهم. فحري التعاطي معهم بما هم مواطنون لا جالية اجنبية ولا مواطنون من الدرجة الثانية ولا هم رعايا ذميين، وليسوا يخترلون خصوصا بأنهم جماعة دينية لا يعترف لها بالحق في التعبير والتمثيل الا من خلال مؤسساتها الدينية.
يعود للشعب المصري، وقوى ثورته، والشباب بينهم، الذين بادروا الى التظاهر والادانة المشتركين للمقتلة، البحث عن سبل معالجة هذه الامور. ولكن مقتلة ماسبيرو اضاءت حقيقة ان المؤسسات الامنية والاعلامية للنظام المصري لا تزال تشتغل على النمط الذي كان سائدا في عهد مبارك المخلوع. وحالة المجلس العسكري بوعده تقديم خريطة طريق لنقل السلطات الى الهئيات المدنية. كحالة المريب الذي يكاد يقول: خذوني.
هنا بيت القصيد. وهو الفيصل بين التشريع لتعددية سياسية واعلامية تحافظ على النظام الاستبدادي الامني، والمصالح الاقتصادية المرتبطة به، وقاعدته العسكرية، بعد اقصاء رئيسه واجراء تعديلات شكلية فيه لا تمس جذور التمييز والاستبداد، وبين التحول الديمقراطي الذي يعلن تعاقدا جديدا بين الشعب وحكامه المنتخبين بحرية منه في ظل اعلان المساواة القانونية والسياسية بين المصريين وتكريسها دستوريا وتشريعيا في سلطة مدنية.
واذا كان من خريطة طريق مطلوبة، فخطوتها الحاسمة الآن هي كشف من اصدر الامر باطلاق النار على متظاهري ماسبيرو، على اي مستوى كان، ومن اعطى الاشارة بالتمييز الديني والتحريض الطائفي، في تغطية الاعلام الحكومي للاحداث، وتقديمهم للمحاكمة.
حينها فقط تنكشف ترّهات من مثل «المؤامرة» والايدي الاجنبية» و«اندساس الغرباء» على حقيقتها الفعلية بما هي وسائل تضليل وكذب وتسلّط وتملّص من المسؤولية والمساءلة والمحاسبة، وقد كانت ولا تزال وسوف تبقى تخدم ذوي السلطة والمال، تمارس وظفتها المستمرة في تجريم الضحايا وتبرئة المرتكبين والمجرمين.
