العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

العمال يؤسسون للديمقراطية والعلمانية

١٥٠ سنة على «عامية باريس» — حكمت نفسها ٧٢ يوماً: ديمقراطية مباشرة وعلمانية وعدالة اجتماعية. عاشت باريس في المستقبل وأورثتنا الأمل بأن الجنة على الأرض ممكنة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

بدايات٣١/ذاكرة

١٥٠ سنة على «عامية باريس»

العمال يؤسسون للديمقراطية والعلمانية

فواز طرابلسي

كاتب ومؤرخ، لبنان

ولدت «عامية باريس» العام ١٨٧١ من صدمة هزيمة عسكرية. رفضت المدينة الاستسلام وتسليم السلاح في وجه حكومة خيانة وطنية ذات غالبية من الملكيين تسعى للارتداد على المكتسبات الجمهورية. حكمت نفسها بنفسها خلال ٧٢ يوما تاريخية تسلّم العمال خلالها السلطة في المدينة المحاصرة وأعلنوا «الجمهورية الاجتماعية»: استبدلوا الجيش المحترف بالشعب المسلح وأسسوا اول تجربة في الديمقراطية المباشرة والعلمانية والعدالة الاجتماعية. فيما يلي رواية العناصر الرئيسة لتلك التجربة.

في تموز/يوليو ١٨٧٠، أعلن نابليون الثالث الحرب على الاتحاد الألماني الشمالي بقيادة بروسيا واجتاح الأراضٍي الالمانية. هُزِم الجيش الامبراطوري خلال أسابيع ووقع الامبراطور في الاسر ونفي الى إنكلترا وانهارت الإمبراطورية الثانية.

في ٤ أيلول/سبتمبر ١٨٧٠ تشكلت «حكومة دفاع وطني» أعلنت الجمهورية الثالثة وواصلت الحرب الى ان هزمتها القوات البروسية وحاصرت باريس. في ذلك اليوم ثارت باريس الشعبية على الهزيمة رافضة الاستسلام. فأطبق عليها حصار مزدوج من الجيش البروسي والجيش الجمهوري.

باريس تحت الحصار

جاعت باريس في الشتاء القاسي. عاشت أكثرية سكانها على ضوء الشموع. كانت الوجبة الرئيسة لمعظم الاهالي رغيف الخبز. اكل فقراء المدينة الفئران والقطط ونخاع الكلاب وذبحت للأغنياء حيوانات حديقة الحيوان. تضاعفت نسبة الوفيات أربعة اضعاف. بدأ القصف البروسي على المدينة مطلع العام الجديد. طالب تيار واسع في المدينة بالخروج لفك الحصار ومحاربة البروسيين. في ٣١ تشرين الاول/اكتوبر خرجت تظاهرة عمالية مسلحة تعلن ان العامية وحدها تستطيع مجابهة خيانة الحكومة المؤقتة وشن حرب طويلة المدى ضد الجيش البروسي.

بدأ تشكيل «النوادي الحمراء» في دوائر باريس العمالية والشعبية. استلهمت تجربة الثورات السابقة في ١٧٩٤ و١٨٣٠ و١٨٤٨، لكن بمشاركة عمالية متنامية ونفوذ واسع للأفكار والمجموعات الاشتراكية والمجموعات اليسارية. السلطة في النادي للجمعيات العمومية تنعقد «من اجل ان نتعرّف على حقوقنا والدفاع عنها»، على ما ورد في محضر اجتماعات أحد النوادي، «فعندما يعبّر كل واحد منا عن رأيه يسهل علينا التوصل الى قرارات جماعية تتعلق بالأحداث الجارية».

ظهرت الملصقات الثورية على الجدران. «الملصق الأحمر» الصادر عن «لجنة دوائر باريس العشرين» يدين «حكومة الدفاع الوطني» على اعتبارها استمرارا للامبراطورية ويعلن: «أفسحوا المجال امام الشعب! افسحوا المجال امام العامية!». كانت هذه اول استعادة لصيغة الحكم الذاتي لباريس على يد سكانها كما مورست لأول مرة خلال الثورة الكبرى ١٧٩٤. في ٣١ تشرين الاول/أكتوبر، احتلت فيالق عمالية مبنى البلدية واعتقلت عددا من الوزراء. لكن الجيش ما لبث ان استعاد المبنى.

في ٢١ كانون الثاني/يناير ١٨٧١ نظمت «النوادي الحمراء» تظاهرة عارمة ضد الاستسلام للغزاة خلال مفاوضات الهدنة بين الحكومة والجيش البروسي. بعد أسبوع، وقّعت الحكومة الهدنة وسلّمت قطاعات من الجيش أسلحتها وسرّحت ٢٢٠ الف جندي ارسلوا الى مناطقهم. وأعلنت الحكومة استسلام باريس. رفضت المدينة الاستسلام ورفض الحرس الوطني تسليم سلاحه.

اشترط البروسيون اجراء انتخابات عامة لتكريس شرعية الحكومة التي ستوقع معاهدة السلام. في شباط /فبراير اسفرت الانتخابات عن «جمعية وطنية» ذات اكثرية من الملكيين والمحافظين اجتمعت في مدينة بوردو وانتخبت حكومة من الملاك العقاريين والرأسماليين برئاسة آدولوف تيير الذي كان وزيرا للداخلية الذي استخدم الجيش لقمع الانتفاضة العمالية خلال ثورة العام ١٨٤٨ وامر الجنرال بيجو، الذي سوف يعرف لاحقا بجزار الجزائر، باطلاق النار على العمال المتظاهرين في ١٤ نيسان/ابريل من ذلك العام. راجع كاريكاتور دومييه عن المجزرة.

في ٢٦ شباط/فبراير، وقعت معاهدة السلام مع بروسيا. استسلمت الحكومة للشروط المذلّة التي فرضها رئيس الوزراء البروسي بسمارك وأبرزها دفع تعويضات مالية باهظة وضم منطقتي آلزاس ولورين ونزع سلاح باريس. امعانًا في الاذلال، أصرّ بسمارك على ان يستعرض قواته المنتصرة في جادة الشانزيليزيه بالعاصمة. امام رفض باريس الاستسلام وتمسّك الحرس الوطني بسلاحه، دعا تيير الجيشَ البروسي لاحتلال عاصمة فرنسا، ردّ بسمارك أن هذا ليس من شأنه. في ١٠ اذار/مارس انتقلت الجمعية العمومية الى فرساي، فحرمت باريس بذلك من موقعها كعاصمة لفرنسا.

تسارعت الاحداث باتجاه امساك شعب باريس بمصيره. اتفق الفرع الفرنسي لـ«الجمعية الأممية للشغيلة»، او “الأممية الاولى”، و«مجلس اتحاد النقابات» و«لجنة دوائر باريس العشرين» على ضرورة تسلّم العمال للسلطة السياسية وتصفية حكومة الاوليغارشية و«الاقطاع الصناعي» وتشكيل حكومة تمنح العمال وسائل الانتاج وتوزّع الأرض على الفلاحين وتحقق المساواة السياسية والاجتماعية.

في ١٥ آذار/مارس، استكمل الحرس الوطني الباريسي تنظيم صفوفه وبات يضم ٣٠ ألف متطوع بينهم عدد كبير من العمال والحرفيين وقد تنامى نفوذ الفرق الاشتراكية الجذرية في صفوفه. أعلن الحرس تأسيس فيدرالية للدفاع عن الجمهورية ضد الغزو البروسي وضد عودة الملكيين، وانتخب مجلسا من ٥٠٠ مندوب انتخبوا بدورهم لجنة مركزية.

اكبر مدينة أوروبية بيد العمال

يوم ١٨ اذار/مارس ١٨٧١، اوفد تيير قوات من الجيش للاستيلاء على ٣٠٠ مدفع تابعة للحرس الوطني في الضاحيتيَن العماليتين مونمارتر وبلفيل. رفضت باريس تسليم المدافع وقد تزود بها الحرس خلال ثورة العام ١٨٤٨ وموّلها من خلال اكتتابات عمالية وشعبية. ثم ان المَدافع كانت وسيلة الدفاع الوحيدة التي يملكها أهالي باريس في وجه الجيش الألماني الذي يطوّق العاصمة ويقصفها بالمدافع. خرجت جماهير حاشدة تتقدمها النساء لمنع الجنود من جرّ المدافع. رفض الجنود اوامر إطلاق النار وانضم عدد منهم الى الاهالي. اسفرت المشاحنة عن اعدام الجمهور للجنرال لوكونت الذي اطلق النار على الحشود والجنرال توما الذي اشتهر بدوره في قمع الانتفاضة العمالية خلال ثورة ١٨٤٨.

فشلت محاولة الاستيلاء على المدافع. تحت جنح تلك الليلة انسحب تيير وحكومته الى فرساي ومعه باقي القوات التي كانت متمركزة في باريس، وانسحب في اعقابهم قسم من سكان احياء باريس الميسورة.

في ٢٦ اذار/مارس انتخبت باريس ممثليها في «مجلس العامية» المكوّن من ٨٠ نائبا يمثلون دوائر المدينة العشرين. شارك في الانتخاب ٢٢٧ ألف ناخب أي حوالي نصف ناخبي العاصمة. استقال ١٩ نائبا من الجمهوريين المعتدلين فاعيد الانتخاب على مقاعدهم واكتمل المجلس ٧٩ نائبا موزعين كالآتي: ٢١ عاملا، ١٦ موظفا، أربعة حرفيين، و٢٥ من أصحاب المهن الحرة بينهم نسبة عالية من الصحافيين والمدرّسين. معظم النواب شباب وجُدد على السياسة. وأبرز القوى السياسية الممثلة في المجلس اليعاقبة، من انصار التيار الراديكالي في الثورة الكبرى (١٧٨٩)؛ انصار المفكر الاشتراكي المثالي برودون؛ انصار أوغست بلانكي، الذي كان يدعو الى قيام دكتاتورية مؤقتة قبل تسليم الحكم الى الشعب؛ واعضاء «الاممية» الموزعين بين انصار باكونين وانصار ماركس. وقد التحق الماسونيون بالـ«العامية» لاحقا بعد ان تأكدوا من ان حكومة فرساي ترفض أي تسوية مع باريس.

انتخب المجلس «لجنة مركزية» واختار أوغست بلانكي المعتقل في سجن فرساي رئيسا فخريا للعامية. وفي ٢٨ اذار/مارس ١٨٧١، أعلنت اللجنة المركزية قيام «عامية باريس» في بيان ورد فيه:

«يدرك عمال باريس، وسط إخفاقات وخيانات الطبقات الحاكمة، ان الساعة قد حانت لإنقاذ الوضع بأن يتولوا إدارة الشؤون العامة بأنفسهم. … وهم يعون ان واجبهم الأسمى، وحقهم المطلق، هو ان يصيروا أسياد مصائرهم من خلال الاستيلاء على سلطة الدولة.»

احتل «الحرس الوطني» مبنى البلدية مجددا ورفع عليها العلم الأحمر، «احمر من دم العمال»، كما ورد في النشيد. وانعقد احتفال شعبي عارم حضره عشرات الألوف أعلِنتْ فيه «الجمهورية الاجتماعية» «من اجل خوض المعركة الكبرى بين العمل والتطفّل وبين الاستغلال والإنتاج». وانشدت الجموع «نشيد الرحيل» الذي وضع العام ١٧٩٤ يقسم فيه المتطوعون للقتال على تلبية نداء الجمهورية لسحق المَلكية والتضحية بالأرواح في سبيل الحرية والسلام.

رفضت «العامية» الاستسلام للشروط الألمانية وقررت قتال الغزاة. شن الحرس الوطني عدة حملات لكسر الطوق البروسي حول العاصمة، لم تنجح المحاولات فتقرر إعطاء الاولوية لترسيخ السلطة الثورية وتجهيز الدفاع عن باريس. أعلنت التعبئة العامة وارتفعت المتاريس في الاحياء.

«خلال ٧٢ يوما، كانت أكبر مدينة في القارة الاوروبية بين ايدي البروليتاريين»، على ما كتب ليساغاري، مؤرخ «العامية».

الديمقراطية المباشرة

وفصل الكنيسة عن الدولة

أعلنت «العامية» الديمقراطية المباشرة التي تجمع المهمة التشريعية والمهمة التنفيذية. وتقوم على لامركزية موسعة تمارسها المجالس البلدية في دوائر المدينة. يكلّف المندوبون (بديل الوزراء) المنتخبون بمهمات تنفيذية معينة وهم عرضة للمساءلة والمحاسبة والعزل بناء على التنفيذ. وكانت كل الوظائف الحكومية منتخبة بما فيها الضباط وموظفو الخدمة العامة والقضاة والمدّعون العامون. وألغيت امتيازات الموظفين.

وجّهت باريس الثائرة نداء الى الفلاحين: مصالحنا مشتركة، باريس تريد الأرض للفلاحين، والعمل للجميع، وتملّك العامل والحرفي لأدوات عمله. لم تستجب الارياف. استجابت عدة مدن. أعلِنتْ العاميات في ليون، سان إتيين، كروزو، مارسيليا، تولوز وناربون. لكنها انطفأت الواحدة تلو الأخرى تحت الهجمات الدموية التي شنّها العسكر المهزوم.

خلال حياتها القصيرة، اتخذت العامية جملة من القرارات تشكل سوابق تاريخية:

-فصل الكنيسة عن الدولة واعلان أملاك الكنيسة املاكا وطنية.

-الغاء الجيش النظامي والتجنيد الاجباري واستبدال الجيش المحترف بالشعب المسلّح. ومن مناسبات «العامية» المشهودة الحشد الجماهيري في ساحة ڤاندوم الذي هدّم العامود المرفوع عليه تمثال نابليون بونابارت تمجيدا لانتصاراته العسكرية. وصف القرار النصب بأنه «نصب همجي، ورمز للقوة الفظّة وللمجد الزائف، وتكريس للنزعة العسكرية وهو نقض للقانون الدولي واهانة دائمة من المنتصرين للمهزومين واعتداء متواصل على واحد من المباديء الثلاثة التي تقوم عليها الجمهورية الفرنسية – الاخوة».

-اخضاع الشرطة لسلطة مجلس العامية وتجريدها من كل امتيازاتها.

-إلغاء عقوبة الإعدام. وفي ٦ نيسان/ابريل نظم الحرس الوطني احتفالا شعبيا أحرقت خلاله المقصلة، رمز الاستبداد الملكي، وكأن احراقها كان ايضا كفّارة عن استخدام ثوار ١٧٨٩ آلة الإعدام الدموية بعضهم ضد بعض.

-اعلان قيام التعليم الرسمي العلماني المجاني والالزامي. وافتتاح مدارس مهنية تؤهل التلاميذ لممارسة المهن اليدوية بعد نيل الشهادة الابتدائية. وبوشر سحب الاشارات والصور والتماثيل الدينية من المدارس.

– تحت شعار «العمل من الجميع ومن اجل الجميع»، صدرت قرارات اجتماعية منها منع عمل الأطفال، والغاء عقوبات العمل، واقفال مكاتب الرهونات، وتعليق الفوائد على الديون، ومصادرة المشاغل التي غادرها أصحابها وتسليم ادارتها للعاملين فيها.

«الشعلة المقدّسة في قلوب النساء»

لعبت النساء دورا كبيرا في العامية، عبّر عنه أحد الصحافيين بحديثه عن «الشعلة المقدسة التي تحترق في قلوب النساء». في ١١ نيسان، تأسس «اتحاد النساء للدفاع عن باريس والعناية بالجرحى» معلنا «ان انتصار النضال الحالي يهمّ النساء والرجال على حد سواء». اسهمت في التأسيس المدرّسة النسوية والاشتراكية لويز ميشيل، التي سوف تتحول الى ايقونة العامية؛ واليزابيث ديميتريف، الروسية الجميلة الثرية، مندوبة كارل ماركس؛ الاشتراكية ناتالي لوميل، مجلّدة الكتب التي اسست تعاونية ومطعما مجانيا؛ الكاتبة اندريه ليو بول مينك؛ آن جاكلار، الارستقراطية الروسية التي آثرت الزواج من مناضل بلانكي فرنسي على الزواج من الروائي الشهير دوستوييفسكي لكي تتفرّغ للنضال الاشتراكي. شارك رجال في التأسيس، منهم العالِم الاثنوغرافي ايلي روكلو الذي سوف يتولى إدارة المكتبة الوطنية ويكتب يومياته عن العامية.

برزت النساء بدور خاص في التعليم وعملن في عربات الإسعاف والمستوصفات والمشافي للعناية بالجرحى، وتطوعن في الحرس الوطني وتشكل منهن فوج نسائي تولى مهمة الدفاع عن «الساحة البيضاء» وقاتلن على المتاريس، ومنهن الملازم اوجيني فور، ووقع منهن ٦٦٠ امرأة في الاسر خلال القتال. وأبرز المطالب النسوية المساواة الكاملة بين الجنسين، حق الاقتراع للنساء، الاعتراف بالأولاد المولودين خارج الزواج وإلغاء الدعارة.

انتظم عمل «النوادي الحمراء» تجتمع في الكنائس بعد تحولها الى ملك عام، مع ان العامية لم تمنع ممارسة الشعائر الدينية فيها خلال النهار. تروّج النوادي للفكر الاشتراكي وتعمل على تعميق الطابع السياسي والاجتماعي التقدمي للعامية وتحولت الى منابر البحث في الاوضاع الجارية وشؤون الحياة تشارك في صياغة السياسات وترفع التقارير والتوصيات والمقترحات والانتقادات الى المجلس واللجنة المركزية.

في كل الأحوال، لم يفارق العاميةَ التناقضُ بين ضرورات مقاومة الحصار والاستسلام والاهتمام بتطبيق إجراءات الثورة الاجتماعية. كان الامر حمّال اوجه. هذا نادٍ يتساءل في أحد تقاريره: ما فائدة الانتصار على فرساي إن لم نجد الجواب على المشكلة الاجتماعية ولم تتحسن معيشة العامل؟ مهما يكن، كان على النوادي المشاركة بالرد على الحملات المنظمة التي يشنها خصوم العامية في الداخل، من الصحف المعارضة الى نشاطات الاكليروس في التحريض ضد «العامية»، باسم الدين، والتجسس عليها. فلم يكتف بعض النوادي بشن حملات دعائية ضد رجال الدين، أرفقوها بحملات ضد الدين ذاته. وفي كل الأحوال، سرعان ما استأثرت المهمات العسكرية واللوجستية والأمنية للدفاع عن المدينة بالأولوية على التخطيط والانجاز في الحقلين الاقتصادي والاجتماعي.

المثقفون في العامية

انتعشت الصحافة في ظل العامية ولم تكن مجرد منابر للصراع الفكري والسياسي والردّ على الحملات المعادية، اعطت «العاميةَ» عددا من ابرز قادتها. هذا هو حال جول ڤاليس، مؤسس صحيفة «صرخة الشعب». قاد حركة انقلابية مسلّحة ضد حكم نابليون الثالث وسجن، وهو كاتب «الملصق الأحمر» وعضو بارز في الفرع الفرنسي من «الأممية». أسهم في تأسيس «العامية» ومثّل الدائرة ١٥ في مجلسها. ويمكن اعتبار ڤاليس نموذجا عن المثقف الثوري في ذلك الزمن: تولى مسؤولية لجنة التعليم العام في مجلس العامية وقاد فوجا في الحرس الوطني في القتال. وعرف عنه انه تحفظ على قرار فصل الكنيسة عن الدولة وعارض قرار منع «الصحف الرجعية».

ومن قادة «العامية» أيضا الصحافي والمسرحي الاشتراكي فيليكس پيا، مؤسس صحيفة «Le Combat» (المعركة) وقد تولى مسؤوليات عسكرية هو أيضا. وپيا من منظمي حملة تدمير عامود ساحة ڤاندوم ومنزل ادولف تيير وإحدى الكنائس.

«الثورة الاجتماعية» صحيفة أسستها وادارتها مناضلتان: آن جاكلار واندريه ليو، الاسم المستعار للمناضلة النسوية والاشتراكية ليوديل بيرا التي نشطت باكرا في «جمعية الدفاع عن حقوق المرأة» مع لويز ميشيل وپول مينك وايلي رُكلو وآخرين. واللافت في مقالات ليو اهتمامها الكبير بالمسألة الفلاحية، وبالتناقض بين باريس الثائرة والارياف المحافظة، وقد تخلى الفلاحون مجددا عن العاصمة في انتخابات ١٨٧٠ ومنحوا اصواتهم لملاك الاراضي والرأسماليين والاحزاب الملكية، وقد رفعوا قبل ذلك نابليون الثالث الى سدة الرئاسة والامبراطورية. نادت ليو باشتراكية للفلاحين وتباكت على مصير «باريس التي سوف تُسحق تحت ركبة الفلاح القوي، أخيها العاق».

تكاثرت الصحف ذات الأسماء المعبّرة عن العهد الجديد: «الشِعار»، «منبر الشعب»، «النداء»، جريدة فكتور هوغو، «الطليعة»، «العدالة» «باريس الحرّة»، «الجمهورية الجديدة»، الخ. والأكثر مبيعا هي «لُ بير دوشين»، Le Pere Duchene تدعو لمشاركة النساء في القتال. وهذه بعض عناوينها وشعاراتها: «المقاتل هو العامل اليدوي»؛ «جندي الثورة الحالية هو الشعب»؛ «هذا الفقير يقدم للإنسانية اثمن ما عنده- حياته»، الخ.

لم يكن الكتاّب والادباء على المستوى ذاته من الايجابية. اتخذ غوستاف فلوبير وجورج صاند موقف العداء الصريح من العامية. ايد فيكتور هيغو أهدافها: مواقفها الوطنة، فصل الكنيسة عن الدولة، الفيدرالية واللامركزية، استقلال القضاء، التعليم المجاني والعلماني، الاجراءات الاجتماعية. لكنه ادان مرسوم الاسرى وتدمير نصب ساحة ڤاندوم وانتقد نزعة البلانكيين الانقلابية. ومرسوم الاسرى هو الذي بموجبه قررت العامية أسر عدد من وجهاء باريس الموالين لحكومة ڤرساي بعد ان اعدم جيش هذه الأخيرة أربعة من قادة العامية، التي توعدت بالمعاملة بالمثل. لكنها لم تنفّذ قرارها الا بعد ان صارت قوات ڤرساي داخل باريس. وقد وضع هيغو اصبعه على الجرح إذ أعلن حق باريس في اعلان عاميتها لكنه تساءل: أهذا هو الوقت المناسب لذلك؟ الحرب الاهلية بعد الحرب الوطنية؟ الم يكن من الأفضل الانتظار حتى ينسحب العدو من ارضنا؟ ومع ذلك، حمّل الشاعر الكبير جماعةَ ڤرساي المسؤوليةَ الاولى عن الحرب الاهلية. لم يكن اميل زولا بمثل تسامح هيغو. اتخذ موقعا وسطيا بين ڤرساي وباريس، وتوقع ان العامية سوف تخيّب امل الطبقات الفقيرة، لكنه ادان في الوقت ذاته «جنون اليمين» الذي يريد سحق العامية، لكن كان جل همه عودة الامن الى المدينة.

على ان أبرز شعراء الذي ارتبط اسمهم بالعامية هما ڤيرلين وريمبو. كان الاول مدري مكتب الصحافة في بلدية باريس ومعروفا بمواقفه التقدمية والاشتراكية وله قصيدة نشرت عن ضحايا المجازر في ثورة ١٨٤٨. وكانت له صداقات مع أبرز قادة العامية: لويز ميشيل (التي حضرت زواجه العام ١٨٧٠)، قائد الحرس الوطني دُلوكلوز، والمدعي العام ريغو، ومندوب لجنة العدل ماليه، وغيرهم. اختبأ الشاعر خلال الأسبوع الدامي وطرد من عمله في البلدية. وله قصيدة بعنوان «المهزومون» (١٨٧٢) تدعو للانتقام لضحايا العامية. وأصدر بعدها «اغنية في تكريم لويز ميشيل» (١٨٨٦) «المنجل الذي يحصد القمح الناضج لخبز الفقير الأبيض» لويز التي يحييها «أيها المواطنة! مستعدون للموت من اجل انجيلك. الشرف».

اما ريمبو، وكان في السابعة عشرة من العمر إبّان العامية، فالروايات متفاوتة عنه وعن دوره في العامية. يروي أحد أصدقائه انه قصد باريس للمشاركة في العامية. فيما تنفي شقيقته ذلك. نعرف انه كان في العاصمة في شباط/فبراير ١٨٧١ ولكن نفد ماله فعاد الى بلدته شارلفيل مشيًا على الاقدام في اذار/مارس. والأرجح انه عاد الى المدينة في نيسان/ابريل وانضم الى الحرس الوطني وخدم بعض الوقت في ثكنة بابيلون. وثمة صورة له في زي الحرس خلال تدمير النصب التذكاري لنابليون في ساحة فاندوم. ويجوز الافتراض ان شقيقته نفت مشاركته في العامية بغرض حمايته.

برز الرسّام الاشتراكي كوربيه بما هو ابرز الوجوه الثقافية في العامية. تولى مندوبية التعليم والمسؤولية عن حماية آثار باريس. واخذ المبادرة بتأسيس اتحاد للفنانين في اجتماع حضره ٤٠٠ فنانة وفنان. اما الفنان الانطباعي ادوار مانيه فلم يكن إيجابيا تجاه العامية لكنه ترك لنا رسمتين عنها بعنوان «المتراس» و«الحرب الاهلية». رسام الكاريكاتور دومييه

«الأسبوع الدامي»

يوم ٢١ أيار/مايو، اخترق نحو ١٣٠ ألف جندي من الجيش الجمهوري دفاعات العاصمة معززين بالخيالة والمدفعية. قاتل ثوار باريس لثمانية أيام، قاوموا على المتاريس من دائرة الى دائرة في دوائر باريس الحمراء. شعارهم «خير ان نموت واقفين من ان نعيش راكعين».

تحركت مجموعات من النساء لحرق أبنية حكومية بواسطة زجاجات معبأة بالمواد الحارقة بما يشبه زجاجات «كوكتيل مولوتوف». هكذا ولدت اسطورة «النفطيات» les pétroleuses. عبّرت عن مزيج من خوف البرجوازية من العامة ومن الفزع الذكوري من تمرّد النساء. روّجها سياسيون واعلاميون بهدف اتهام نساء العامية بالعدوانية لتصوير استباحة باريس على انها حرب بين الحضارة والبربرية. وهؤلاء هم أنفسهم الذين صفقوا للتهديد الذي أطلقه آدولف تيير «اذا كان لا بد من حرق باريس، سوف نحرق باريس!» ومهما يكن من امر، تبيّن من تحقيقات لاحقة ان أفدح الاضرار التي اصابت الأبنية التي قيل أنها أحرقت – مبنى البلدية، القصر الملكي وقصر العدل – نتجت عن القصف المدفعي لا عن الحرائق.

استباح جيش فرنسا عاصمة فرنسا العاصية. من كان بيده سلاح قتل للفور ومثله كل أجنبي. تكاثرت الاعمال الانتقامية. أعدم ٤٢ رجلا و٣ نساء وأربعة أطفال اختيروا عشوائياً في الموقع الذي قتل فيه الجنرالان بمونمارتر خلال حملة مصادرة المدافع. وأعدم ١٤٧ ثائرا على جدار مقبرة «بير لاشيز» ورميت جثثهم في خندق مفتوح.

سقط آخر متراس في باريس يوم ٢٨ أيار/مايو. ووقف دومبروفسكي، آخر قائد عسكري للحرس الوطني، فوق آخر المتاريس في مونمارتر يستقبل الموت.

بلغ مجموع عدد الضحايا خلال الأسبوع الدامي ١٧ ألف قتيل رجلا وامرأة وطفلا، حسب الأرقام الحكومية، واعتقل ٤٥ ألف مواطنة ومواطن. وأصدرت المحكمة العسكرية ١٣،٤٥٠ حكما بينها ٣٣١٣ حكما غيابيا و٢٧٠ حكما بالاعدام و٤١٠ بالاحكام الشاقة ونحو ٤٠٠٠ بالنفي الى كاليدونيا الجديدة.

مثلتْ لويز ميشيل امام المحكمة في ١٦ كانون الاول/ديسمبر ١٨٧١. رفضت ان تدافع عن نفسها وان يدافع عنها أحد. اعلنت انتماءها الكامل الى الثورة الاجتماعية. أفادت أنها تتحمل كامل المسؤولية عن جميع افعالها. قالت إنها تناضل في صفوف «العامية» من اجل «الغاء كل اشكال الاستغلال، وإحلال ملكوت العمل محل ملكوت رأس المال؛ ومن اجل أن يكون تحرر العمال من صنع العمال أنفسهم. اعترفت بأنها ارتدت زي الحرس الوطني ولم تنكر أبرز تّهمة منسوبة اليها: قيادتها لـ«النفطيات». قالت: «أردتُ ان أواجه غُزاة ڤرساي بحاجز ٍ من نار». لكنها نفت ان تكون لها شريكات في تلك الأفعال وتحمّلت المسؤولية عنها بمفردها. وفي ختام مطالعتها طلبت لويز ميشيل لنفسها الإعدام: «لمّا كان كل قلب يطالب بالحرية لا يحق له الا بضع رصاصات، فاني اطالب بحصتي منها. إن تركتموني على قيد الحياة، فلن اتوقف عن المطالبة بالانتقام…» وأضافت متحدّية «أقتلوني، إن لم تكونوا جبناء». حكموا عليها بالنفي. سوف تعود لويز ميشيل من المنفى وتساهم مع رفيقات ورفاق المنفى والوطن في تأسيس اول حزب اشتراكي خلال الأعوام ١٨٧٨-١٨٨٠. وقد مثلت مجددا امام المحاكم لنضالها الاشتراكي ودخلت السجون. ومشى مئة ألف من اهالي باريس وراء نعشها عندما توفيت في العام ١٩٠٥.

لم ينتهِ الانتقام من العامية فصولا. تجسّد في الحجر والرخام. تقوم الان فوق عقبة مونمارتر، بأعلى نقطة في باريس، بازيليكا «القلب الاقدس». في أصل مشروع انشاء هذا الصرح المكرّس من البابا اقتراح من الاسقف فورنييه أراده تكفيرًا عن هزيمة فرنسا امام بروسيا العام ١٨٧٠-١٨٧١. فسّر فورنييه الهزيمة على انها عقاب ربّاني أنزل بفرنسا بسبب «التدهور الأخلاقي» الذي أصابها على امتداد قرن كامل منذ ثورة ١٧٨٩. ولكن عندما اقرّت «الجمعية الوطنية» قانون بناء البازيليكا في ٢٤ تموز/يوليو ١٨٧٣، اكدت على ان يكون موقعها قريبا من المكان الذي سقط فيه الجنرالان توما ولوكونت، وحددت سببا مختلفا لتشييد الصرح: «التكفير عن جرائم العامية». اما الرواية المقدمة للسواح الذين يزورون مونمارتر، وهي حيّ الفن والفنانين حاليا، فتقول إن بازيليكا «الساكري كور» شيّدت تخليدا لذكرى ٥٨ الف فرنسي قضوا في الحرب الفرنسية-البروسية، ١٨٧٠-١٨٧١!

مزاوجة الوطنية والاممية

العامية التي رفضت الاستسلام للاحتلال البروسي وانتفضت ضد الخيانة الوطنية امام العدو، لم تجد أي تعارض بين الوطنية والاممية، بل اكدت التكامل بينهما وشعارها المركزي «تحيا الانسانية». ابرز الأجانب المشاركين في العامية البلجيكيون الروس والايطاليون والبولونيون والالمان والهولنديون. وقد تشكلت وحدات من الحرس الوطني من بلجيكيين وروس وبولونيين. فقد انتخب ثوار باريس ليو فرانكل، العامل المجري وممثل العمال الالمان، مندوبا للعمل والصناعة والمبادلات؛ وإختاروا دومبروفسكي، المناضل الاشتراكي البولوني، قائدا للحرس الوطني؛ وبرز في صفوفهم مناضلات ومناضلون روس أمثال اليزابيث دميترييف، وآنا جاكلار وبيوتر لافروف وشقيقتها صوفي كوفالتسكي، عالمة الرياضيات المعروفة؛ وبينهم ضابط بحرية أميركي زوّد العامية بسلاح بحري وطبيب بريطاني، وآخرين. وكان بين المشاركين في «العامية» عربٌ نعرف منهم انيس البيطار الذي عيّنه مدير المكتبة الوطنية ايلي رُكلو مديرا لاعمال خاصة في قسم المخطوطات ويشار اليه على انه «عالِم». اعترض أحد الموظفين على تعيين العربي بحجة عدم أهليته للمنصب فيما بدا انه رد فعل عنصري، فزاد من إصرار رُكلو على تثبيته في منصبه. يَرد ذِكر البيطار في رواية رُكلو على انه مصري ويظهر في رواية أخرى على انه سوري او سوري-لبناني. وهذا كل ما نعرفه عنه وعن المشاركة العربية في حدود أبحاثنا الحالية. ومعروف ان كل الأجانب الذين وجدوا على المتاريس او حاملي السلاح أعدموا فورا وان عدد الذين اعتقلوا جاوز الالفين.

كانت النزعة الأممية حاضرة عند اسقاط نُصب نابليون في ساحة ڤاندوم يوم ٦ أيار/مايو.

والارجح ان الواقعة تمثيل وتجسيد للنبوءة التي أطلقها كارل ماركس في ختام كتابه «١٨ برومير للوي بونابارت» حين قال: «عندما تسقط العباءة أخيرًا عن كتفَي لوي بونابارت، سوف يهوي تمثال نابليون البرونزي مهشّمًا من اعلى عامود ڤاندوم». هكذا حصل. وقد عمّد الثوار الساحة «ساحة الأممية». ومن «عامية باريس» خرج «نشيد الأممية» (الانترناسيونال). الّفه الشاعر أوجين پوتّييه وهو مختبيء في باريس خلال الأسبوع الدامي. وكان پوتييه محافظا لدائرة باريس الثانية وقد أهدى النشيد الى غوستاف لو فرانسيه، أول رئيس للعامية. والنشيد من تلحين بيار دوجايتر، عضو جوقة «حزب العمال» في مدينة لِيل، وقد أنشدته لأول مرة جوقة «قيثارة العمال» في احدى حانات حيّ «القديس المخلص» الشعبي في لِيل، يوم ٢٣ تموز ١٨٨٨.

وتوّجت «العامية» نزعتها الأممية بمنح الجنسية للأجانب المقيمين في المدينة.

ماركس والعامية

روى كارل ماركس وقائع «العامية» وحللها في تقرير مسهب امام مجلس «الأممية» نشر بعنوان «الحرب الاهلية في فرنسا». حيّا الثورة بما هي ارهاص بمجتمع جديد. ورأى اليها على اعتبارها الثورة الاولى التي يُعترِف فيها علنًا للطبقة العاملة بأنها الطبقة الوحيدة القادرة على المبادرة الاجتماعية. وشدّد على الجديد والنوعي في اعتماد صيغة الديمقراطية المباشرة التي تدمج التشريعي والتنفيذي، في بديل عن الصيغة البرلمانية. ورأى ان العامية اكتشفت اخيرا الاطار السياسي من اجل تحقيق التحرر الاقتصادي لعالم العمل: أي انه لا يمكن استيلاء البروليتاريا على السلطة دون تدمير جهاز الدولة القديم بجيشه وشرطته وجهازه القضائي والإداري وقوانينه. هذا هو الاكتشاف الذي سيعرف بدكتاتورية البروليتاريا. وبإلامكان إقامة الصلة بين الديمقراطية المباشرة في تجربة العامية الباريسية في أيار/مايو ١٨٧١ والديمقراطية المجالسية (السوفييتات) في الثورة الروسية في تشرين الاول/اكتوبر ١٩١٧، لولا ان مجالس العمال والجنود الروسية صدرت عن المبادرة الجماهيرية أكثر منها عن تمثْل بالتجربة الفرنسية. وقد تبنّتها الأحزاب الاشتراكية لاحقا وتلقفها لينين – باسم التعلّم من الممارسة – ليحولها الى مؤسسات للسلطة البديلة.

وحيّا ماركس النزعة الأممية في مواقف العامية في قول مأثور: «على مرأى الجيش البروسي، الذي ضم الى المانيا مقاطعتين فرنسيتين، ضَمت باريس الى فرنسا الشعبَ العامل في كافة ارجاء العالم»

سخر ماركس من المتباكين على حرق الأبنية من دعاة الحضارة «تلك الحضارة التي تتلخص مشكلتها الكبرى في كيفية التخلّص من الجثث المتكومة في نهاية المعركة». لكنه اخذ على قادة «العامية» تجاهلهم دعوته لاستخدام العنف ضد اعدائهم المتعطشين للدم وعزا ما أصاب العامية من ضعف الى ترددهم في ذلك.

وتعرّضت العامية للنقد أيضا لأنها سمحت لجنود فرساي بالانسحاب من باريس وامتنعت عن مصادرة أموال المصرف المركزي الذي ظل تحت إدارة حكومة فرساي.

خلاصتان

في الختام خلاصتان عن تجربة عامية باريس ١٨٧١.

اولا، التواصل بين الثورات. ذلك ان عددا من إجراءات العامية يعود الى ما طرحته او حققته ثورات سابقة. ففكرة العامية ذاتها تعود الى الفترة اليعقوبية من الثورة الاولى عام ١٧٩٤. وتشكيل «الحرس الوطني» من نتاج ثورتي ١٨٣٠ و١٨٤٨، التي أنشأت الجيش الشعبي القائم على التطوع في مقابل جيوش المرتزقة او الجيوش المحترفة للأنظمة الملكية. وقد استلهمت عامية باريس عددا من قراراتها الرئيسة من برنامج «مطالب الحزب الشيوعي في المانيا» الذي صاغه ماركس وأنغلز خلال ثورة العام ١٨٤٨ وأبرزها الاقتراع العام (للرجال فقط) ابتداء من سن ال٢١؛ والخدمة العسكرية والشعب المسلّح؛ ودور الجيوش في العمل المنتج؛ والفصل الكامل بين الكنيسة والدولة؛ والتعليم المجاني وانشاء المدارس المهنية، ومجانية المعاملات القانونية، وتأميم رهونات الفلاحين وغيرها.

ثانيا، لم تكن عامية باريس ثورة اشتراكية، لم تصادر أملاك البرجوازيين لكنها دعت الى الثورة الاجتماعية في وقت مبكر من ولادة طبقة عاملة وحرفية في أوروبا فأعطت الاولوية لإعلاء قيمة العمل وفرض احترام حرمة العمل وكرامته. لكن القيمة التاريخية لعامية باريس غير المعترف بها بما فيه الكفاية هي انها لم تبتكر صيغة الديمقراطية المباشرة، المتجاوزة للديمقراطية البرلمانية، وحسب لكنها تتوّج تاريخا من الثورات التي ربطت الحرية بالمساواة وارست الأساس للديمقراطية السياسية والقانونية والمواطنة كما تكاملت في القرن العشرين. والامر ذاته ينطبق على دورها الرائد في فصل الدين عن الدولة واعتماد العلمانية. وفي الحالتين تقليد شعبي وعمالي متواصل منذ الثورات الألمانية والبريطانية في القرن السابع عشر والثامن عشر والثورات الفرنسية الثلاث الكبرى (١٧٨٩، ١٨٣٠، ١٨٤٨) وصولا الى الحركة الشارترية العمالية البريطانية منتصف القرن التاسع عشر وصولا الى عامية باريس. وهو تاريخ يثبت مدى العسف والتزوير في نَسب نظام الديمقراطية القانونية والسياسية الى البرجوازية واغفال حقيقة ان كل أجراء من إجراءات الديمقراطية اما انه كان ابن المخيلة الشعبية او انه تحقق بضغط من الثورات والنضالات العمالية والشعبية.

مهما يكن، عاشت باريس في المستقبل خلال سبعة أسابيع. خرج ثوار العامية «لاجتياح السماء»، حسب عبارة ماركس، ولكن من اجل بناء ملكوت الحرية والمساواة والاخوة على الارض. وأورثوا الأجيال اللاحقة الامل بان الجنة على الارض ممكنة.

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
فرنسا
نُشر في
بدايات
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
التاريخ الأوروبي الديمقراطية العلمانية الماركسية حقوق العمّال سياسات اليسار

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.