العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الرسولة بشعرها الطويل وحكايتها الغريبة

فيروز ليست صوتاً وحسب: هي الواسطةُ التي تُنهى بها كلّ مسرحيّة رحبانيّة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

كيف يمكن الحديث عن صوت؟ وكيف إذا كان الصوت هو صوت فيروز؟ مع ذلك، لابد، عند محاولة استبيان حضور صاحبته على المسرح، والحديث هنا عن الصوت الذي لا يُجمالي.

فيروز ممثلة كبيرة ولكن هل كوّنت شخصية مسرحية؟ ليس بالضرورة متناقضتين. يمكن لممثل سينمائي أن يُقدّم ذاك الصوت على الأقل، من على المسرح. في ما لا ينسى، أفكّر في نقرة المس [؟] «عطر الليل» في فخر الدين، استحضر الموجوع الجانب مع الأمير أو هلوسة العاقل/المجنون النفساني («لولو»). استحضر المجابهة بين المستبد في «جبال الصوان والمفاتيح» والبوح الأمومي المفجوعة بطفلتها الوحيدة. وأخيراً ليس آخراً، بمشاهد ومواقف ابنة الشعب في عدد من المسرحيات.

شبه الاستنساخ للبطولة، أي أنها موضوع القصة وحكايتها ومحرّكها وحل صراعاتها، يبدو أمراً لافتاً ومستغرباً في آن. فيروز هي الوسيطة، وسيطة حل الصراعات والنزاعات، كما سوف نرى. وأيضاً الوسيطة، وسيطة حل الصراعات والنزاعات، كما سوف نرى.

وهذه الـ «واسطة» هي أولاً صوت. صوت أرض. صوت بنت قروية. صوت فرح. صوت نمّ ووجع. صوت يضرب. صوت يبكّ. صوت حب. صوت صلاة. صوت يجمع ويعلو فوق الصراعات. صوت يحرّض. صوت يقاوم. صوت يخلق الحلم. وألبست الحبيبة رفعت صوتها خالق القوى وجبر جيشه. صوت حرية! يا حرية. يا مطلع وحشية!

صوت طفولة صوت ببقوّة. صوت ثاقب وصوت خشن. هو القديس بقدر ما هو صوت حلو. إنّه الصوت المقرّب. خاتمة من هذا العالم.

سيرة صوت

البطل الأول للمسرح الغنائي الرحباني هو الصوت. وأيقونته فيروز. وقصة المسرح الرحباني هي أولاً سيرة ذاك الصوت. في الأفلام وأشرطة الفيديو وعلى أسطوانات الكاسيت والإسطوانات [؟] ولأشرطة الرحبانية عامة وأولاد ذاك الصوت. تلك هي المفارقة في بهاء الصوت. فيروزة إلى النجوم. ففتّشت صاحبة الصوت. وتقدّم في أذهاننا وأشرطتنا من المشاهد.

ولكن سيبقى ثمة أثر سماوي عالقاً بهذا الصوت. تلك هي المفارقة في القديس الذي لا يحبّه سوى عقيل للصلاة.

المسرح الرحباني مبني أصلاً حول البطلة. متلبّس بطلته. فالحكاية والبطولة المسرحية على مقاس المغنيّة. إذ أن المغنيّة قد أثبتت جدارتها الكبيرة كممثلة. إنه يصيب خيراً في المسرح الغنائي الرحباني تشكّل فيروز واسطة القول. وكل أحد يخطئ مصيباً عندما يخص فيروز بكلمة «الوسطة». على أنّ الأمر يجعل المعاني المنتسبة للوساطة وسيلة العقد في المسرحيات، باقتضاء.

الشخصية المسرحية تحمل كل قلق الانتماء. هذا. فهي امرأة بلا أسرة. أو بالكاد. نلقى لها أباً في ثلاث أو أربع مسرحيات. لكنها أبوّة طريفة. ففي الحالات كلها، نلقي الأب محتجباً أو مهمّشاً. أو متخلّياً عن ممارسة أبوّته بمعناها التقليدي المتداول على الأقل.

الأب في «هالة والملك» هو ذاك القروي السكّير الذي يفطح في «بيع» ابنته إلى السعادة في أعياد المدينة. وهو في «أيام فخر الدين» العسكري الذي يَنذر (يهب) ابنته طوعاً للوطن والأمير. أما «بنت الحارس» فهي الابنة التي تنقذ والدها من البطالة بأن تحتلّ هي الموقع والدور الذكوريين. وأخيراً، في «جبال الصوان»، يستشهد الأب في مطلع المسرحية تاركاً لابنته مهمة تنفيذ وصيّته وحمل رسالته في مقاومة الاحتلال.

الأدهى من هذا أن بطلة المسرح الرحباني هي البنت التي لا أمّ لها. تعيش مع خال هنا. تحنّ إلى جدّ هناك. تسعى إلى جدة في قرية ثانية هنالك. ولا نستطيع بها وصولاً. لكنّنا لن نعثر لها على، في أي مسرحية من مسرحيات، وإنما نعرف لها أخوة وأخوات.

شخصيات لا تكون لها أسرتها أو فتكون بالكاد، نلقيها في بضع مسرحيات فحسب، مسرحية واحدة. لها خطاب فصائلي عن الحب. لكن معظم قصص الحب التي نعرفها عنها قد حصلت في الماضي، أي خارج زمن المسرحية. للدقة. هي عزباء. إلا في مسرحية واحدة حيث هي متزوّجة وأمّ («بترا»). لكن زوجها غائب في الحرب. تركت لها إدارة شؤون المملكة في غيابه. وهو لن يعود إلا في نهاية المسرحية ليستشهد مصرع ابنته. الحاصل أنها لن تكون أماً. والاستثناء يثبت القاعدة.

لماذا؟ هل في الأمر سهو أو صدفة؟ يكاد يستحيل أن تتكرّر مثل هذه الصدفة وأن يتمادى السهو خلال ربع قرن وفي أكثر من عشرين مسرحية!

قد يُقال أن فيروز هي المرأة التي بلا أمّ. لأن الأمّ الحقيقية ـ عاصي ومنصور ـ تابعة في الكواليس تمرّن خيوط الشخصية كما كان خيوط المسرح.

والملتبس في أصل البطلة الرحبانية ونسبها.

من المسرح إلى الحياة: في حديث صحفي مع غادة السمّان تؤدّي وصلة من التساؤل الوجودي ومن أنا؟ وليش جيت؟ وليش صرت هيك؟ وتنقفل تلك الوصلة على هذا السؤال: «بنت مني أنا؟» (مجلة الحوادث، ١٩٨٨/٨/٥) لنعترف أن السؤال شديد الغرابة وبالغ الدلالة في هو الذي يتكلم هنا؟ فيروز الإنسانة الحقيقية؟ أم الفنانة النجمة وقد محت الحدود بين الإنسانة والفنانة والشخصية كما كان خيوط المسرحية.

هيدي أنا وليش جيت وليش صرت هيك؟!

سفيرتنا أوراق اعتمادها!

البنت التي لا أمّ لها

في روايته لسيرة فيروز والرحابنة، عنون محمد أبي سمرا أحد الفصول «والد فيروز والأصل الملتبس». دليلاً على الغموض الذي يكتنف أصل عامل الطباعة، وديع حداد، الذي تزوّج فتاة من أسرة البستاني، المارونية الشوفية، التي أعطت لبنان عدداً من أعلام الأدب والفكر. هل هو فلسطيني أم لبناني؟ ومن أين جاء؟

من الحياة إلى المسرح: على امتداد أكثر من عشرين مسرحية وربع قرن، لن نلقى إلا النسج على منوال الغامض والملتبس في أصل البطلة الرحبانية ونسبها. يمكننا تلاوة دورات المسرحي في الحياة؟ أم هي الحياة تنتشب الفن؟

في الأمر ما يتعدّى ذلك. يستطيع التوأم عاصي ومنصور أن يقولا عن فيروز ـ الشخصية المسرحية ما قاله فلوبير عن بطلة روايته «مدام بوفاري»: «فيروز هي أنا».

الغريبة المنذورة

فالمنتمي لأدب الرحابنة لا يسعه إلا أن يلاحظ اجتذاب الرحبانيين إلى شخصية اللامنتمي. يمكن إرجاع ذلك إلى ظروف طفولتهما ونشأتهما الغريبة في كنف والد قبضاي وطائر عشير قبضايات وطائر ذلك الزمان. كان يعمل نهاراً صائغاً في بيروت لكنه في الليل ينقلب قبضايا أو طائراً يقطع الطرقات ويتشرجل ويغيّر على المعسكر العثماني. هكذا، حسبما يروي عاصي ومنصور، فرض الوالد على أسرته عزلة مزدوجة عزلة اجتماعية بسبب نشاطاته «الخارجة على القانون». ثم عزلة وسط الطبيعة المتوحّشة عندما استقر مدير المعلّم [؟] ومغوّى فوّار الطيلبان، أو عند إحدى مطاحنه صيفياً على طريق الشوير. في إحدى مقابلاته الصحفية يقول منصور إنه كان يتمنّى أن يكون شخصية لامنتمية: معارضاً أو قبضايا. بهذا المعنى، يمكننا القول أن شخصية اللامنتمي هي صورة الرحبانة المثالية عن نفسيهما. وإذا

كانت المسرحيات تعج بالشخصيات التي لا تنتمي إلى النشأة والأرومة وشعارات وعناوين تلك الشخصيات وتلك المنشأ والشخصية الواحدة بعينها:

ريّا، عطر الليل، هالة، البنت البائعة، قونفل، هيفاء، ماريا، زاد، أخير [؟]، وردة، لولو، زينون، شكيلا، شهرزاد، زنوبيا، الخ… على أنها جميعها منوّعات لاسم واحد يختزل المرأة والشخصية المسرحية: غريبة. بطلة «جبال الصوان».

الصوت إذاً هو صوت لا انتماء. صوت غريبة. وفيروز على المسرح هي الغريبة ذات الأصل الغامض. والنسب المقطوع. صاحبة صوت ساحر، أي الصوت الذي يتعدّى أثره أثر الصوت. إنه صوت يحمل رسالة قمنة. أن اختار ذاك الصوت مغادرة عالم الآلهة والانتساب إلى عالم البشر وصاحبته منذورة لأداء رسالة ما. مثالها في ذلك الوعد الذي قطعته «عطر الليل» على نفسها للأمير فخر الدين:

وعديني إلك وعد الصوت
غنّي لك
وخلّي الدنيي تغنّي لك
وندروني إلك.

وعد الصوت. هو صوت يعد بإيفاء نذر. إذا كان هذا ما تعلنه البطلة المسرحية، فالممثلة المغنيّة ليست بغافلة إطلاقاً عن تلك «الوظيفة» لصوتها التي تتعدّى الأثر والقيمة الجماليين. قضايا الإنسان. الأرض. الحب. هي بعض القضايا التي ترى فيروز أن صوتها الجميل إنما هو واسطة إيصالها إلى المستمع المشاهد بل هو واسطة تعميمها والدفاع عنها وتحقيقها. تقول:

غريبة بين قريتين متخاصمتين. على الحدود بين حيّين. هاجرة في قرية واحدة. ومتنقّلة في طول البلاد وبائعة متحوّلة في كثير من ضايعة بين مدينة نقيه. إليها وقرية باتت عن بنوعها، خارجة عن المجتمع وقد تحوّل المجتمع [؟]. مبشّرة بسفر غير مألوف. الغريبة لا تنتسلون [؟] بها. غريبة مكاناً. غريبة عمّا هو سائد من قيم وأعراف باتت. في الناس والأحكام. غريبة عن القانون. وسيطة في نزاعات بين شعب وحكم. منفردة السلطات والانفرادية [؟]. حاكمة ملكات. هي في نفسها غريبة لا منتمية أو مقاوِدة.

للبطلة الرحبانية أسماء متعدّدة: البعلبكية، صبيّة الجسر، منتورة،

«عندما أغنّي ضد الاضطهاد، ليس في الأمر مجرّد إيصال كلمات وغناء بواسطة صوت جميل. هذه هي مجرد سلاحي التي أستخدمها. الأمر أشبه بالصلاة. عندما تصلّي، أنت تنقب في أعماق الروح. إن ما يصل مني إلى الجمهور هو ما لا أستطيع السيطرة عليه من روحي» (حوار مع جوان كوفمان، صحيفة ذي ستريت جورنال الأميركية في ٢ نيسان ١٩٨٧).

لأن التعبير لا يفي الغرض. ليس مجرّد عزياً. معظم المسرح. أنها نادرة نفهم لماذا كان حبها لرجل غير متحقق. لماذا كانت التي تعيشها خائنة أو ماضيها (ماضي المسرحية). الامتناع عن الحب بما هو علاقة بين رجل وامرأة شرط للالتزام الشامل.

«أنا البنت الغريبة ما يحب النسيان يحب الحب»

تقول زينون في «ميس الريم»: هذا الكائن الألوهي الذي الآلهة. حمل معه كل مكونات الأرض. وكما في الأولياء، فالفقر والألاذات [؟] من العلائق الدنيوية شروط أداء الرسالة والولاية. وكل قيمة قليل نفيس. معنوي. أن بطلة المسرح [؟] خادمة [؟] قلّة. ليما [؟] وحده وروحانية. ولكن قد الرسالة. سوف نلقي أمثلة عديدة عن

الذي يهمّنا هنا بنوع خاص هو وعي الفنانة ذاتها لتلك الوظيفة المتعدّدة للقيمة الجمالية (العظمة). في كل الأحوال لن نقلّ من تكرار ذلك: التي يؤدّيها صوتها. أنها تعترف بأن صوتها وسيلة (الواسطة أيضاً وأيضاً!) معادلة الصوت: سلاح ضد الاضطهاد. وصلاة تنقب في أعماق الروح.

في اللغة علقت مصطلحات الحروب اللبنانية. وفي الحروب اللبنانية، استكملت فيروز نذر نفسها لقضية تتلخّص بكلمة: لبنان. أن باتت فيروز بكل ما يتعلّق بلبنان تقيس عمق النذر ومدى التزام حاملة الرسالة. سوف نلقي أمثلة عديدة عن ذلك في سياق هذا النص. ولكن للمستعجل إلى كيفية تعبير الفنانة

ذاتها: «أشعر أنني مسؤولة عن كل ما يتعلّق بالأرض وبالوطن. أنه كله لي. يتعيّن عليّ أن أمثّل مجموعة من المشاعر بالنسبة للناس. على أن أمثّل ما يحلمون به» (حوار مع بيير جورج في صحيفة لوموند الفرنسية).

ويصل هذا التماهي إلى حد قولها ببساطة «أنا لبنان» (وال ستريت جورنال). ولكن عن أي بساطة تتحدّث؟ في الأمر ذروة الشطح وبلوغ حد الكفر كاللذين يدفعان بالصوفي إلى أن يصيح بملء وجوده: «أنا أنتَ!»

أنا في صميم الشخصية الرسولية. وبلا مفارقة نقول: أن اللاانتماء الأسري مضافاً إليه اللا انتساب الاجتماعي هما من الشروط اللازمة لذلك الالتزام. ولعلنا ندرك الآن أن إصرار البطلة لا على التمسّك بلا انتماء وحسب وإنما إصرارها على تعميقه.

الشخصية الرسولية تضعنا فوراً في مدار المقدّس. الوعد. النذر. والتضحية في سبيل الوفاء بالنذر وحمل الرسالة. لقد قمت بالتضحية أولاً بالأسرة (الحب العادي ـ الأسرة). وكان الحب يمكن أن يكون عادياً ـ الزواج (…). فهذه البنت ما نقول البنت اليتيمة.

القرية. الماء. بوابة القوافل. الحرّ [؟]. وكل الرحباني تكمن في الأحيان [؟] بين النقير الأخلاقية [؟] والمحب [؟] المادي. وهي ملحمية [؟]. إنما بطلة مسرحهم [؟] خادمة لدى [؟]. لها خالته [؟]. المغادرة القديمة [؟]. المرتحل هي التمثيل بالنذر [؟]. كان الرحباني [؟] وكان أحياناً بين أحكام. وكل وفائت. صوت خيال في سبيل الحب الذي له. هي على صوت سوق يحترم [؟] في بحترم [؟] ملمس ضرف [؟].

الحب بالمطلق. صوت مفعول عجائبي. فيروز أعجوبة الصوت المسرح. صوت لأعجوبة نسمّعه و«نراه» فيما الأعاجيب ويستدعيها [؟]. هي أعجوبة معلّقة لساناً…!

فصل من كتاب سيصدر للمؤلف عنوانه «الغريب والكنز ولا عقوبة».

المواضيع
أدب وفن علم الاجتماع
البلدان
لبنان
نُشر في
الكاتبة
المؤلف
فواز طرابلسي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.