الديمقراطية ثورة
فواز طرابلسي
لقد انتهى عهد حسني مبارك. والرجل الى زوال عاجلا او آجلا.
السؤال، بعد التظاهرات المليونية في اليوم الثامن من انتفاضة الشعب المصري، هو متى؟ وكيف؟ واي نظام بديل؟
الثورات تختصر المراحل. تكنّس كل ما هو ثانوي وتبقي على الاساس. هكذا نتعرّف على ان ما يجري في مصر هو… ثورة. مضى وقت المطالبة بعدم التجديد لمبارك لولاية جديدة، ومنع التوريث، والاحتجاج على التزوير الفاضح لانتخابات مجلس الشعب، او الشكاوى من تدني مستوى المعيشة والبطالة والافقار والفساد. بل مضى زمن انتزاع المطالب الاجتماعية بواسطة الاعتصامات والاضرابات النضالية الحاشدة، على اهمية هذه وتلك. فكل ما سبق خلال العامين المنصرمين يبدو انه كان بمثابة تمارين من اجل اليوم الخامس والعشرين من يناير.
اليوم: «الشعب يريد تغيير النظام ». ولما بدا ان الحاكم ظن انه ليس معنيا بالنظام، قيل له: «إرحل. الشعب يريد اسقاط حسني مبارك ».
والشعب الذي يملأ شوارع وساحات مدن مصر عينات عن كل فئات الشعب المصري الاجتماعية والعمرية والدينية ومن اطيافه الفكرية والسياسية. يتصدرهم الشباب، ونصف شعب مصر دون الثلاثين. على ان ما يجهر به هذا الشعب هو المدهش. «الشعب يريد » مبدأ في الحكم يعلن ثورة. «الشعب يريد » يعني أن ارادة الشعب هي فوق كل ارادة اخرى. فوق ارادة الحاكم الفرد. وفوق ارادة الأسرة والطبقة وفوق ارادة مدّعي الاحتكام الى شرائع السماء. الشعب يريد… نظاما آخر.
في غضون اسبوع لا اطول، قامت في مصر سلطتان. سلطة «الشعب يريد ». سلطة ميدان التحرير في القاهرة وميادين التحرير في مدن مصر الرئيسية. وسلطة فقدت وسائل الشرعية والطواعية – من حيث طاعة المحكومين العفوية للحكام وفاعلية ادوار وسائل الاعلام والمؤسسات التمثيلية والاديولوجيا والقيم السائدة. والاهم ان تلك السلطة فقدت ايضا السيطرة على ادوات ممارسة القمع تفلت من يد النظام المصري ايضا. فما الذي يجري عندما تتردد القوات المسلحة في لعب دورها بما هي ادوات القمع بيد الحكام علي المحكومين؟ ذلك هو السؤال منذ يوم امس وهو سؤال الايام المقبلة. تعلن قيادة القوات المسلحة ان المطالب الشعبية مشروعة – وهي تعلم ان في رأس تلك المطالب مطلب تنحي رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة. وتؤكد القيادة ذاتها انها لن تستخدم القوة ضد الشعب. رد الشعب المصري على قواته المسلحة: إما مصر وإما مبارك! إما التخلي عن حسني مبارك وإما استخدام القوة ضد الشعب. هنا الفيصل الدال عما تبقى في القوات المسلحة المصرية من جيش وفدائيي السويس ١٩٥٦ ومن جيوش جمال عبد الناصر وعبد المنعم رياض ومن جيش العبور عام ١٩٧٣. فبناء على الخيار بين حاكم وبلد، سوف يتقرر لا مصير الانتفاضة المصرية بل مصير مصر لسنوات طويلة قادمة.
يعلن الشعب ارادته وتليه الاحزاب في التفصيل. تتمسك بتنحي مبارك، تطالب بحل مجلس الشعب والوزارة واعتماد مجلس القضاء لملء الفراغ الدستوري، وتنادي بانعقاد جمعية تأسيسية، وباجراء انتخابات جديدة، وسن دستور جديد، الخ. وهذه مجتمعة اعلان عن قلب نظام سياسي-اجتماعي رأسا على عقب واستبداله بآخر.
وليس صدفة ان يكون النظام المصري، والانظمة العربية التي تترنح وتواجه معارضات شعبية عارمة، هي تلك التي تنتمي الى فصيلة انظمة «الاعتدال». ابحث عن السبب في شدة ما استهلكها وهمشها الاسياد الاميركيون وكثرة ما ضحك عليها الحلفاء الاسرائيليون. تتلعثم القيادات الاورو اميركية. تكذّب وتراوغ وتسعى لكسب الوقت بالنصائح الغامضة. والكل يدرك ان ما يجري في مصر الآن يهدد بإطاحة ثلاثة عقود علي الاقل من التحكم بقلب المنطقة، تحكّم سوف ينهار مع انهيار مبارك.
لا يتردد نتنياهو في ان يجاهر بأن اسرائيل – التي تطالب العالم بالاعتراف بها بما هي «الدولة اليهودية الديمقراطية » – هي السد المنيع في المنطقة ضد … الديمقراطية. يحذّر من تكرار تجربة ايران ومن ان تقرر الشعوب مصيرها بنفسها في منطقة ليست مهيأة بعد «للديمقراطية المعاصرة»! وها هي مجلة المحافظين الاميركيين الجدد الليكودية تؤكد لمن لم يلاحظ بعد عميق الصلة بين الاستبداد العربي والحفاظ على امن اسرائيل بالقول ان الاستبداديين العرب هم الذين حققوا السلام مع اسرائيل وليس الديمقراطيون. وان الديمقراطية جاءت بحركة حماس الى الحكم. وتتساءل «ذي اطلنطك»: «هل نريد الملك عبدالله، القائد المتنور نسبيا» ان ينهار بفضل تظاهرات في الشارع؟ (روبرت كابلان، «ذي آطلنطِك »، ٢٢ يناير ٢٠١١).
هي انظمة الاستبداد العربية، الجمهورية منها والنفطية السلالية، التي تحمي واقع السيطرة الامبريالية ونهب مواردها وثرواتها وتقديم الذبائح للاهوت السوق واوامر صندوق النقد الدولي، وهي هي التي تضمن الامن الاستعماري الاستيطاني الاسرائيلي.
لا حاجة لتونسة العرب ولا لتمصيرهم في الرد على ذلك. مثلما لم يكن حاجة لفلسطنتهم اصلا. يكفي ان يعمل كل شعب على تقرير مصيره بنفسه وتغيير انظمته السياسية والاقتصادية والاجتماعية حسب مشيئته ومصالحه والتطلعات. يوجد من الوشائج العميقة والاواني المستطرقة بين البلدان العربية وبين قضاياها ما يكفي لاستقبال النتائج الايجابية للفعل المشترك وتحويل التراكمات الكمية الى تحولات نوعية.
ولتتمحور المسألتان الوطنية والقومية مجددا وتتمفصل على المصالح والآمال والتطلعات لشعوب المنطقة ولتعد تعريف نفسيهما من خلال حقوق العمل والعلم والتعبير والتنظيم والصحة والسكن والماء النظيف والنور، والسيطرة على الموارد والثروات والحق في اختيار العرب حكامهم ومحاسبتهم وإستبدالهم دوريا وفي التوزيع العادل للامل في الحياة والتقدم والرفاه. هذه من الآن فصاعدا حوامل المسألتين الوطنية والقومية بديلا من اعتبارها تشتيتا للتركيز على «قضية مركزية » معلقة في الهواء، او على حبال «النخوة» العربية، يجري التضحية بكل ما يعطيها زخمها وعناصر القوة بإسم طهرانية او استبدالية هي الضعف عينه.
وانت يا ام الدنيا، يا حبالة، يا ولادة، يا نوارة،
لِدِي لنا في هذه الايام القادمة دنياك الجديدة!
