العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الحكّام عندما يتحدثون عن اخطاء

صالح يعترف بـ«أخطاء» في الجنوب ثم يهدّد الفيدرالية بالقوة — «لا نسمح بعودة الاستعمار!» وشجرة ميلاد بـ١١٫٥ مليون دولار. ليس خطأ.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

الحكّام عندما يتحدثون عن اخطاء

فواز طرابلسي

اجمل الافتتاحيات هي التي تكتب نفسها بنفسها. وهذا ما يحصل عندما تنشأ العلاقات هكذا عفويا بين الانباء والاحداث. تلي بينها زلة لسان هنا وتوضيح وتصحيح هناك او اشارة الى خطإ او حتى اعتذار هنالك.

فيما يلي حالة من هذا النوع.

+ ما ان طالب مسعود البرزاني بحق تقرير المصير للاكراد الاسبوع الماضي، وفهمت المطالبة على انها دعوة الى الانفصال، حتى انبرى ناطقون بإسم رئيس اقليم كردستان يبددون «سوء الفهم » على اعتبار ان رئيس حزب «البارت الديمقراطي الكردستاني » انما كان يتحدث عن تقرير المصير داخل الفيدرالية العراقية.

حقيقة الامر ان تبديد «سوء الفهم » زاد الفهم سوءاً. فقد كان البعض يظن ان اكراد العراق حققوا تقرير المصير اصلا في اطار الفيدرالية العراقية ونصّبوا السيد مسعود البرزاني رئيسا على اقليمها الكردي. فبماذا كان يطالب السيد مسعود البرزاني، في خطابه إذاً؟

حقاً ان الزعماء لا يعطون اسرارهم لأحد، كما يقال في تقاليد الاستزلام اللبنانية.

+ في السودان، هدد الرئيس احمد حسن البشير بأنه سوف يطبّق الشريعة في شمال السودان في حال انفصال الجنوب.

يقع تفسير تصريح البشير على ثمانية اطواق، كما يقال.

حار الخبراء والمحللون في تفسيره وتعيين الطرف الموجه اليه. لقائل يقول انه موجه الى زعماء احزاب المعارضة التي رفضت تطبيق الشريعة من حيث المبدأ او حرصا على ما تبقى من شعرة معاوية بين جنوبه ذي الغالبية المسيحية والارواحية وشماله ذي الغالبية المسلمة. وآخر يتبرّع بأن الرئيس انما يهدد القيادة الجنوبية الداعية للانفصال بمصير مليون ونصف المليون من الجنوبيين يعيشون في الشمال. وفي اجتهاد ثالث ان البشير يزايد على تيارات اسلاموية في الشمال ليست تخفي تأييدها إنفصال الجنوب على اعتبار انه سوف يفسح في المجال امام تطبيق الشريعة في الشمال؟ قد يتضمن التهديد رسائل الى هؤلاء جميعا.

ولكن يمكن اخضاع التصريح للتحليل النفساني فيتكشف انه زلة لسان تشي برغبة مكبوتة حيث التهديد يأتي في مقام التمنّي.

اما على صعيد الوعي الكامل، فآخر اخبار السودان ان السيدة سوزان رايس، مندوبة الولايات المتحدة الدائمة في الامم المتحدة، قد نفت ما ورد في احد تسريبات ويكيليكس انها اطلعت من المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على معلومة تقول ان الرئيس السوداني قد هرّب تسعة مليارات دولار من عائدات النفط السودانية الى حساب له في مصرف سويسري.

+ هاكم حالة واضحة من الاعتراف بالخطأ والاعتذار. وطبان ابراهيم الحسن (التكريتي)، اخو صدام غير الشقيق، ووزير داخلية العراق الاسبق لسنوات عديدة، يعتذر من الشعب العراقي. وهذا هو نص الاعتذار: «يجب الاعتذار الى الشعب العراقي العظيم الذي ساند الحزب، و [انا ] اعتذر اليهم ». لماذا الان؟ يأتي الجواب على انغام مقطع شهير من «الاطلال» لام كلثوم: لقد «فك قيده » بعد غياب اخيه صدام، فاستعاد حريته في الكلام. ولكن قائلا يقول ان اخاه أعدم لاربع سنوات خلت، فلماذا الاعتذار الآن وليس قبل او بعد؟ لا جواب.

ممن يعتذر وطبان؟ يعتذر فقط من اولئك العراقيين الذين ساندوا حزب البعث العربي الاشتراكي. لسنا ندري عددهم ولكننا لسنا نحسب انهم شكلوا مرة نسبة كبيرة من العراقيين. علام الاعتذار؟ على ان قيادة حزب البعث – القيادة فقط من اصل مليون بعثي- «كانت تتصرف في أرواح وأموال العراقيين وكأنها هي صاحبة الحق المطلق الوحيد في ذلك! وهي ليست أهلا لذلك ».

كان وطبان ابراهيم الحسن (التكريتي) واحدا من هؤلاء القادة الذين «تصرفوا في ارواح واموال العراقيين »، وليس اي تصرّف. تصرّف بالاموال والارواح وهو على رأس وزارة مسؤولة عن اعتقال وتعذيب وتشريد وقتل مئات الالوف من العراقيين.

لم يعتذر وطبان عن ذنب اقترفه هو بحق اموال العراقيين وارواحهم. ولم يتهم اخاه بذنب او خطأ. اللوم الوحيد الذي يوجهه الى اخيه هو ان صدام لم يوافقه على طلبه له إعلان حل حزب البعث، وقد بات الاخوان خلف القضبان! لا يتهم وطبان إلا قيادة حزب البعث.

لو اكتفى وطبان بهذا الاعتذار لهان الامر ولظل محتفظا بلقب اول مسؤول في حكم البعث يعتذر. لكنه لا يكتفي بعدم الاعتذار هو نفسه. بل وجّه اصبع الاتهام الى طارق عزيز، زميله في وزارات صدام والقابع معه في قفص الاتهام. فوصفه بأنه «مهندس السياسة في العراق ». فشهد قفص المحكمة بداية اشتباك بالايدي بين الوزيرين تطور الى مبارزة بصاق بين واحدهما على الآخر.

+ ان يتحدث حاكم بأمره عن خطإ او سيئة حدثٌ بذاته. فكيف اذا كان المتحدث هو علي عبدالله صالح في خطبة بمدينة عدن، فيما قواته تعزز حصارها على مدينة الحبيلين القريبة من عاصمة اليمن الاقتصادية، تمهيدا لاقتحامها. دعا الرئيس الوحدوي الجنوبيين ببساطة الى «اغلاق ملفات الماضي بكل مساوئه وحماية الوحدة ».

يتبادر للوهلة اولى ان الرئيس يقدم طرف اعتراف بأخطاء او سيئات ارتكبت في المحافظات الجنوبية في ظل الوحدة المطلوب حمايتها. لا يترك الرئيس الوقت الكافي للواهل كي يكتشاف خطأه. يعاجله بالتهديد بالتصدي للكونفدرالية والفيدرالية بالقوة، قبل ان يرميه بهذا التصميم: «اننا لا نسمح بعودة الاستعمار من جديد ».

وهل من احد يرتكب المساويء غير الاستعمار!

انها عشية عيد الميلاد.

انظار فقراء العالم شاخصة، في طقس عبادة جديد، بشجرة ميلاد تنتصب في إمارة ابو ظبي الكاثوليكية، وقد كلّفت ١١،٥ مليون دولار، لا غير.

ليس في ذلك خطأ ما ولا من مبرر لاي اعتذار!

المواضيع
سياسة
البلدان
العالم العربي العراق اليمن لبنان مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.