الحرب الكونية ضد الارهاب
اعلى مراحل الاستعمار
فواز طرابلسي
٧/١٠/٢٠١٥
تكثر التقديرات والتحليلات بصدد قرار التدخل العسكري الروسي في سورية. ما لم يقل عنه بما فيه الكفاية انه يتم على ارض مرسومة سلفاً من الولايات المتحدة الاميركية هي حربها الكونية على الارهاب وقد باتت اولوية الاوليات في قسم من العالم ومفروضة على الاقسام الاخرى.
تنضم روسية هنا الى المنافسة لاثبات قدرتها على ان تحقق – في سورية وإن امكن في العراق – ما عجزت عنه سائر المحاولات. اي لتعوّض عن فشل الغارات الجوية الاميركية وعن فشل الحرب البرية الايرانية المباشرة او بواسطة الميليشيات واللبنانية والعرقية والافغانية والباكستانية.
في خضم هذه المنافسة، تم انتقلت روسية المفاجيء من معارضة للحل عسكري الاميركي ومن داعية التسوية السياسية للازمة السورية، الى طرف يجاهر بتصميمه على الحسم في حل حربي دموي. ولكن، من خرّب على روسية حلولها السياسية – على افتراض انها حلول – غير بشار الاسد داته، وهو الذي لم يترك قائداً لـ«المعارضة الداخلية» السورية التي ترعاها موسكو الا خطفه او إعتقله او أبعده من سورية، ولو كان نائبا لرئيس الوزراء السوري، الذي هو مرشح روسيا الاول لرئاسة الحكومة الانتقالية التعيدة. فها هو فلاديمير بوتين يكافيء الاسد على تخريب كل جهوده الدبلوماسية السياسية التفاوضية،ا بان يعلن الحرب الى جانبه، ضد كل معارضيه، على اعتبارهم ارهابيين.
ومن غرائب هذا التدخل ان موسكو عمّدت الجيش السوري عنصرا اساسيا في «الحل» في الوقت الذي تتدخل فيه بقدرات عسكرية صادمة ومستعجلة بغرض معلن هو منع سقوط دمشق التي لم يستطع هذا «العنصر الاساسي» في منع سقوطها على ما يبدو.
ليس يسمح ما رشح من موقف اميركي تجاه هذا التدخل ان نقول عنه انه لا يزال تقريبيا يكتفي بالقول إن الولايات المتحدة لن تعرقله، وسوف تنسق معه عسكريا. لكن الجديد ان رقصة تقريب وجهات النظر من موضوع مستقبل الاسد تشي بأن الطرفين، الاميركي والروسي، ومعهما جوقة القوى الغربية، تتقارب في تصوّر لحل قائم على نظام رئاسي يقوده حاكم فرد يكاد ان يحتكر السلطة التنفيذية على حساب تهميش الحكومات المسماة ائتلافية. اي انهم في صدد تحويل اسباب الازمة الى حل، بمعزل عن ان ما موضوع البحث هو كامل النظام السوري بآلياته ومؤسساته العسكرية والامنية والسياسية. كل هذا في الوقت الذي يصوّت فيه نصف الشعب السوري، بالأرجل والغرق في البحر والذل على الحدود، ضد هذا الحاكم وضد نظامه في اوسع عملية تهجير شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. حتى لا نتحدث عن الباقين والعاجزين عن المغادرة.
على صعيد آخر، يلفت سعي بوتين الحثيث للتنسيق مع اسرائيل بشأن مهماته العسكرية السورية. لعل موسكو إعترفت بحق الطيران الاسرائيلي في التدخل في الاجواء السورية على السورية-الاسرائيلية خلال زيارة نتنياهو لموسكو. لكن الراجح انها اجلّت ما يتعلّق بالتصدي الاسرائيلي لنقل حزب الله لـ«الاسلحة الكاسرة للتوازن» عبر الحدود، لما يتفق عليه خلال التنسيق العسكري بين الطرفين؟ ومع انه يصعب التكهّن الى ماذا توصل الطرفان في صدد ما اثاره نتنياهو، ومرافقوه العسكريون، عن صواريخ حزبالله بعيدة المدى، الا انه يمكن الاكتفاء بالتوقف عندما ما قاله تنياهو لبوتين من ان «لا مشكلة لنا مع الاسد» وقد إطلع رئيس وزراء اسرائيل ولا شك على ما كرره بشار الاسد مؤخرا ان «المعركة الآن هي مع الارهاب وليست مع اسرائيل».
كل هذا في وقت تدور فيه مواجهات عنيفة في الاراضي الفلسطينية ضد عنف القوات الاسرائيلية والمستوطنين، وتعدياتهما، حيث يكثر الحديث عن إمكان تحول الهبّة الشعبية الفلسطينية الى انتفاضة جديدة. ولما كان الحديث هو عن الارهاب، يثور سؤال ساذج متكرر: المستوطنون الاسرائيليون، المنظمون في ميليشيات مدججة بالسلاح، الا تنطيق عليهم كل المواصفات الدولية – بما فيها الاميركية والروسية والاوروبية – للارهاب؟ اذا كان الامر كذلك، فلماذا لا يرتفع صوت يرتفع اممي او دولي اقليمي او عربي، للمطالبة بحلّ هذه الميليشيات اليهودية الاصولية العنصرية التكفيرية ونزع سلاحها؟
مضى على اعلان الحرب الكونية ضد الارهاب دزينة من السنوات. لم يكتف قادتها الاميركيون وحلفاؤهم بمن فيهم العرب، بتبشيرنا بأنها حرب بلا نهاية، بل نجحوا في تدمير ثلاث بلدان تحت احجار رحى هذه الحرب، فيما قوى الارهاب تتسع رقعتها وتنتقل من العمليات الارهابية المعزولة لتتحول الى جيوش وادارات ومافيات تسيطر على اجزاء كاملة من بلادنا. فما الذي يسمح لأي ذي رجاحة عقل أن يقتنع بأن طائرات الموت الروسية المنضمة الى طائرات الموت الاميركية، في سماء سورية والعراق، وما يقابلها من جيوش مفككة وميليشيات على الارض، سوف تنجح في ان تحسم مصير الحرب في غضون اشهر بوتين الاربعة؟
بإسم هذه الحرب الكونية ضد الارهاب اندلعت حروب اهلية وانتهكت سيادة بلدان؛ وتعسكرت المنطقة فوق ما هي معسكرة؛ ومعها تعسكرت الحلول وانتهت السياسة. وهذا ما لدينا: حروب مستدامة، بدلا من تنمية مستدامة؛ وثراء فاحش مع تنامي الفقر؛ وإحسان يلغي الحقوق بدلا من عدالة اجتماعية تعالج الفوارق الاجتماعية والمناطقية الفاغرة؛ وسرقة مستقبل المنطقة واهلها من خلال نهب مواردها والثروات لتمويل حروب لا يربح منها الا تجار الاسلحة وصانعيها في الدول الغربية؛ وبحجة هذه الحرب ذاتها، يجري تجديد لأنظمة استبدادية ثارت عليها شعوبها، بواسطة تصفية دماء شعوبها وتدمير بلادها، وتهجير سكانها، والحجة هي اغرب الحجج: هذه الانظمة قوية عسكرياً وامنيآً. وفوق ذلك كله تجري افناء جيل، وربما اكثر، من الشباب، إذ يجري معس اماله وتطلعاته وحقه في العلم والعمل والحياة الحرّة الكريمة.
لقد نمت الحركات الجهادية في الشقوق التي خلّفتها علميات التحديث النابذ والفاشل، على امتداد ربع القرن الاخير، وتغذّت من تهميش الاطراف والارياف والبوادي وتغليب المدينة عليها جميعاً؛ وعاشت، ولا تزال، على يأس الشباب المحروم والعاطل عن العمل والمعدوم الافق وعلى مظلوميات الجماعات. وبدلا من «تجفيف منابع الارهاب» وعزل الجهاديين والارهابيين عن «بيئاتهم الحاضنة»، وهي تكتيكات معروفة في الحروب الاستعمارية ضد حركات التحرر، يجري تدمير تلك البيئات وتهجير سكانها.
هذه هي مقوّمات نمط من الاستعمار متعدد الرؤوس يطبق علينا بوجهه الابشع: الطائرة الحربية والسلاح الصاروخي والمدفعي والميليشيات المذهبية من كل الانواع.
