العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الجوهري والمجهري في الحكومة الجديدة

لا تقتصر الحكومة الجديدة على عدد وزرائها الكبير وتكاليفهم الباهظة، بل تكشف عن بلوغ النظام السياسي ذروة جديدة من تناقضاته، حيث يغيب التوافق على السياسات وتُحال القضايا المصيرية إلى مرجعيات غير دستورية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

الجوهري والمجهري في الحكومة الجديدة

فواّز طرابلسي

حمل تشكيل الحكومة والتركيبة التي انتهت اليها عددا من العناصر والدلالات لم تعطَ بعد ما تستحقه من الاهتمام والتحليل. بعضها مجهري يستحق لفت النظر والتسجيل رغم كل شيء، وبعضها جوهري يبدو كأنه قد اوصل النظام السياسي الى ذورة جديدة لمنطقه وتناقضاته والمفارقات.

اولا، في العدد. لا يعتقد المواطن الذي يوقّع هذه المقالة ان خزينة الدولة اللبنانية من الوفرة والبحبوحة بحيث تسمح بترف دفع المترتبات المالية لـ٣٠ وزيرا (معاش الواحد منهم ٧,٨٣٥ دولار اميركي). للمقارنة، تختصر حكومة بريطانيا العظمى عدد وزرائها تقليديا الى ما بين ٢١ و٢٤ وزيرا توفيرا على الخزينة والمكلّفين. منطق التشاركية عندنا يريد غير ذلك. وعلى المواطنين وخزينة الدولة والوطن دفع الثمن. اللهم الا اذا اريد اقناعنا بأن لا علاقة سببية بين الانفاق الحكومي والهدر من جهة وبين عجز الخزينة والمديونية العامة من جهة اخرى. ولكن ما هَم! طالما لدينا هذا النظام المصرفي الكريم لا يبخل بالغالي والرخيص في اقراضنا – دولة ومواطنين- وبفوائد يجب ان نصدّق انها «متهاودة»!

ثانيا، باتت الحكومة، مع هذه التشكيلة الوزارية، صورة مصغّرة عن المجلس النيابي، إذ تمثل كتله النيابية كلها تقريبا. قضت التشاركية عمليا على جدل الاكثرية الحاكمة والاقلية المعارضة. علما ان تعطيل جدل الاكثرية والاقلية ليس لزوم لازم للحكومات الائتلافية كما قد يظن البعض. رُبّ حكومة ائتلافية تضم اكثرية برلمانية وتعارضها اقلية برلمانية. عندنا ابتلعت الحكومة الائتلافية البرلمان. ومن خلال هذا التطابق بين برلمان وحكومة، تضاءل، حتى لا نقول إنعدم، دور مجلس النواب في مساءلة للحكومات ومراقبتها والمحاسبة.

ثالثا، خلال تشكيل الحكومة، سار الجنرال عون على ما وعد به وحققه لتياره في الانتخابات النيابية: انتخاب ناخبين مسيحيين لنوابهم بأصواتهم. نجح نجاحا جزئيا في هذا الجهد لأننا، اذا صدّقنا الاحصائيات التي يقدّمها النائب ايلي الفرزلي، لا يزال ناخبون مسيحيون يختارون اقل من نصف حصتهم من «نوابهم»(٢٩ من اصل ٦٤). مهما يكن من امر، كان نجاح رئيس كتلة التغيير والاصلاح في ان ينتزع لنفسه وتياره حق اختيار الوزراء الذين يمثلونه نجاحا جزئيا هو الآخر. لأن الامر كان ان يقتصر على وزراء التيار الوطني الحر، دون سواهم. هذا على إفتراض ان احدا يستطيع ان يدلنا كيف يمكن لـ«الطائفة» ان تعبّر عن ارادتها وخياراتها او ان يجيب على السؤال العبثي: اي نظام انتخابي، من بين الانظمة الانتخابية المتداولة، يسمح لكل ابن طائفة ان يختار ممثليه الى الندوة النيابية، ناهيك بالوزارة. منذ اعتماد النظام الطوائفي، مطلع المتصرفية، لا تزال المعجزة اللبنانية عاجزة عن مثل هذا الاعجاز!

رابعا، برز نسق جديد في اختيار الوزراء انفسهم. تمثلت ثلاثة احزاب رئيسية- التيار الوطني الحر، القوات اللبنانية، وتيار المستقبل- بأفراد من خارج الانتظام الحزبي، غلب عليهم طابع الاختصاص والموقع التكنوقراطي او المسؤولية في الهيئات الاقتصادية او الاجتماعية. يصعب إيجاد تعليل واحد مقنع لهذا الخيار المستجدّ. هل هو من ترسّبات المناخ الذي طغى لفترة على مفاوضات التشكيل، ما استدعى البحث في ان تتمثل كتل برلمانية متنازعة بواسطة تكنوقراط بديلا من الحزبيين والسياسيين؟ أم هو اعلان عن تبني مبدأ الفصل بين النيابة والوزراة الغالي على قلب التيار الوطني الحرّ، مع انه اثار داخله عاصفة انتقادات ومعارضات حادة لا تزال تتوالى فصولا؟ ام ترى هذا الشكل من اشكال التوزير ضرب من ضروب العلاقات العامة يتنافس فيها كل طرف على تقديم ذوي اختصاص وكفاءة طالما ان البحث يدور حول مشاريع الاصلاح؟ ام ان الامر لا يتعدَّ كثرة المستوزرين في كل كتلة؟

قد تكون جملة العوامل تدخلت في ترجيح هذا الخيار. والمعروف ان لبدعة الفصل بين النيابة والوزارة سيرة طويلة في حياة النظام السياسي يعود بعضها الى مواربة تمثيل المصالح الاقتصادية الرأسمالية في ظل نظام سياسي ظل طويلا تحت وطأة الوجهاء الريفيين والمدينيين ذوي القاعدة الزراعية او العقارية. او كان ولا يزال مطلبا يعبّر عن طموحات الطبقات الوسطى والمثقفة الصاعدة تبحث عن مكان لها في دوائر القرار بالحضور المباشر في السلطة التنفيذية دون المرور بالواسطة البرلمانية. مهما يكن من امر، فمبادرة الفصل بين النيابية والوزارة ضربة اضافية لمنطق العلاقة بين السلطتين الاشتراعية والتنفيذية الذي يقوم على مبدأ صدور الثانية عن الاولى ومسؤوليتها تجاها.

خامسا، لا بد من ان نسجّل للوزارة الحالية انها تضم إمرأتين ليستا تنتميان الى واحدة من العائلات الحاكمة تحتل احداهما حقيبة وزارية عالية المسؤولية. وهذه سابقة في مجال تسلّم نساء للمسؤوليات الوزارية، من مدخل ليس هو المدخل الاسروي، دون ان يعني ذلك دخول المطالب النسوية الى السلطة التنفيذية بالضرورة.

سادسا، جرى التوافق في تشكيل الحكومة الائتلافية على المحاصصة الطوائفية والسياسية ومن حيث توازن القوى بين الكتل النيابية ولم يتم الائتلاف سلفا على قاعدة التوافق على السياسات والاولويات التنفيذية. أحيل امر رسم هذه وتلك الى البيان الوزاري. بل اكثر من ذلك: تم التوافق على ضرورة تحييد القضايا الخلافية عن مداولات لجنة صياغة البيان الوزراي، رغم ان الحد الادنى مما لا بد ان يتضمنه البيان العتيد مصدر لخلافات لا تزال تؤخر اعلانه. وقبل ان تصدر لجنة الصياغة بيانها، يجري تبشيرنا بقرب انعقاد هيئة الحوار الوطني للبحث في المواضيع والقضايا التي لن تدخل في البيان العتيد، او التي كانت موضع خلاف خلال صياغته، نعرف بندين على الاقل من دنو ها هما الستراتيجية الدفاعية والاصلاح السياسي.

في الخلاصة، يؤذن تشكيل الحكومة وتركيبها ببلوغ النظام السياسي دورة جديدة من الاستعصاءات تنأى به ابعد فأبعد عن ان يشتغل كنظام اي كمجموعة مؤسسات متراتبة ومتراكبة وذات توزيع محدد للادوار والصلاحيات والمسؤوليات. هكذا يزداد التكرار بين الهيئات واختزال الواحدة للاخرى ويبتعد الحكم بالجملة عن قاعدته الاساسية – السيادة الشعبية المعبّر عنها بالانتخابات النيابية- إذ يغلب التنفيذي على الاشتراعي وتخصص لبتّ القضايا الخلافية والمصيرية، على بلبلة ما تعنيه، مرجعيةٌ غير دستورية تعمل لاحقة على تشكيل الحكومة لا تسهيلا لتشكيلها، تضع الحكم فعلا في يد ١٤ سياسيا هم اوصياء – نظريا- على الحياة السياسية في البلاد دون ان يكونوا مسؤولين تجاه هيئة دستورية معينة.

الى هذا كله، تبدأ الحكومة اعمالها بغموض شديد يلف كيفية ممارستها التضامن الوزراي بين اعضائها ودور رئيسها.

المواضيع
سياسة
البلدان
لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
السياسة اللبنانية الطائفية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.