العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الثورة اليمنية في العام الثالث

تدخل الثورة اليمنية عامها الثالث بحوار وطني متعثر وانتقال مشلول، فيما تسيطر هياكل النظام القديم وتتحول المبادرة الخليجية-الأميركية إلى ثورة مضادة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

الثورة اليمنية في العام الثالث

فواز طرابلسي

الحدث الابرز المرافق لدخول الثورة اليمنية عامها الثالث هو الاعلان عن تشكيل مؤتمر «الحوار الوطني » من ٥٦٥ عضوا يفترض ان تبدأ جلساته منتصف الشهر القادم. تولت التحضير لجنة برئاسة عبد الكريم الارياني، القيادي المخضرم في «المؤتمر الشعبي» الذي يرأسه علي عبدالله صالح ويشارك السفير الاميركي في اجتماعاتها. لم تتقدم عدة احزاب بعد بلوائح مندوبيها الى المؤتمر ومن قدّم لم يتقيّد بالنسب المعتمدة: ٥٠٪ لتمثيل المحافظات الجنوبية، ٣٠٪ لتمثيل النساء و٢٠ لتمثيل الشباب (وحده الحزب الاشتراكي اليمني التزم بهذه

النسب ).

كان من المفترض ان يبدأ المؤتمر اعماله قبل نهاية ٢٠١٢. عُزي التأجيل الى الوضع الامني – وخصوصا العمليات ضد «تنظيم القاعدة» في المحافظات الجنوبية – والى وعدم استكمال هيكلة القوات المسلحة. ادى الترحيل الى تفاقم الاحتقان لدى كل المكونات المعنية بالثورة وأبرزها «الحراك الجنوبي » الذي اطلق يوم ١٣ يناير الفائت تظاهرة مليونية تؤكد الحاح معالجة المسألة الجنوبية والتفاف جماهير واسعة من الجنوبيين حول الدعوات الى الانفصال دون ان تنجح قوى «الحراك» مع ذلك في الالتقاء على حلّ مشترك للمسألة الجنوبية او قيادة مشتركة.

سوف يباشر مؤتمر الحوار الوطني اعماله مع ان عملية هيكلة قواته المسلحة لم تستكمل بعد. فرغم اقالة عدد من القيادات العسكرية والامنية، من ابناء واقرباء على عبدالله صالح، لا يزال الحرس الجمهوري (الاكبر من الجيش نفسه) والامن المركزي والقوات الخاصة تحت نفوذ الرئيس المخلوع. الى هذا تضاف عقبة اخرى هي التنافس على النفوذ في القوات المسلحة، وفي السلطة، بين رئيس الدولة عبد ربه منصور هادي وعلي محسن الاحمر، قائد اللواء اول مدرّع، الذي إنحاز الى الثورة في ربع الساعة الاخير.

عيّن موعد بدء جلسات المؤتمر في ١٨ مارس القادم. وهو ذكرى مجزرة «جمعة الكرامة» التي نفّذها قناصة علي عبدالله صالح بمعتصمين يطالبون برحيله في «ساحة التغيير» بصنعاء وذهب ضحيتها خمسون شابا. لن يغطّي هذا التنازل الرمزي على حقيقة انه لم يعتقل ولم يحاكم احد من مرتكبي المجزرة المعروفين. ولا على عدم إطلاق سراح المعتقلين من شباب الثورة، مع ان «المبادرة الخليجية » تقضي بأن يخلي الشباب الساحات. حفز هذا دورة جديدة من الحراك الشبابي بتنظيم احتجاجات واعتصامات تطالب بانهاء عسكرة الجامعة وإخراج القوات المسلحة من المدن ورفع الحصانة عن لرئيس المخلوع وبطانته وتقديمه للمحاكمة واستكمال هيكلة الجيش وتوحيده وخضوعه للسلطات الشرعية. وتدعو تنظيمات شباب الثورة مقاطعة أعمال «مؤتمر الحوار» إن لم تتحقق تلك المطالب.

حرصت الامم المتحدة، إذ دعت للمؤتمر ودعمته، الى تسمية علي عبدالله صالح ونائبه السابق علي البيض، مسؤولين عن عرقلة مساعي الحوار. الثاني بسبب رفضه المشاركة في الحوار. والاول لعدم مغادرته صنعاء. ويبدو انه رضخ اخيرا باعلانه أنه سوف يغادر خلال انعقاد المؤتمر بحجة العلاج.

على جدول اعمال المؤتمر ثلاثة بنود رئيسة هي صياغة الدستور، والبحث في هيكلة الدولة، والقضية الجنوبية. المتوقع ان تثير صياغة الدستور الاسئلة الحيوية ذاتها، المثارة في كافة الدساتير قيد الصياغة في المراحل الانتقالية العربية الاخرى عن طبيعة النظام – جمهوري ام برلماني او مختلط؟ – وموقع الشريعة من الدستور. على انه يمكن إجمال هذا البند مع البندين الثاني والثالث، ما يثير مسألة اعادة تركيب الدولة اليمنية بكيانها والمؤسسات بعد ان ادى الحكم الفردي الاستبدادي والمركزية الحصرية لصنعاء الى ما ادى اليه من حروب ومشكلات وما استثارته من ردود افعال جهوية. في الوقت الضائع، اخذ «انصار الله» من الحركة الحوثية، يتمددون نحو صنعاء وباتوا يملكون جيشاً صغيرا ذا سلاح متطور في صعدة. على ان الاستعصاء الاكبر يتعلق بالمسألة الجنوبية حيث ان معظم القوى الشمالية الرئيسة لا تزال تتمسك بالهيمنة على الجنوب تحت ادعاء الحفاظ على الوحدة. في المقابل، تتنافس ثلاثة مقترحات. المقترح الاول يدعو الى استعادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي كانت قائمة الى العام ١٩٩٠. ويقول المقترح الثاني بحل فيدرالي بين الشمال والجنوب، يطرح على استفتاء شعبي لتقرير المصير بعد سنتين من إختباره. ويقول ثالث اقتراح باعادة الهيكلة على اساس فيدرالي في عدة اقاليم لكل اليمن بحث تشرك صعدة وتعزّ في الحل، والاخيرة أحد أغنى مناطق اليمن واكثرها تطورا وابعدها عن المشاركة في القرار السياسي. وجدير بالذكر ان دعاة الحلين الاول والثاني من قادة جمهورية اليمن الديمقراطية سابقا يعلنون مقاطعة اعمال المؤتمر ما يضع علامات استفهام عن مدى قدرته على الاقلاع اصلاَ.

«في اليمن لا يوجد ثورة. توجد حركة تغيير»، هكذا لخّص لرئيس الدولة عبد ربه منصور هادي الوضع في بلاده في الذكرى الثانية للثورة. أين التغيير؟ لم تخطيء «الواشنطن بوست» إذ لاحظت ان يمن «المبادرة الخليجية» لا يزال تحت سيطرة الاسر التي كانت حاكمة في عهد علي عبدالله صالح. فات اليومية الاميركية ان تضيف ان اسر المجمّع السياسي-العسكري-القبلي تسيطر ايضا على الاقتصاد والثروة النفطية ايضا.

اما عن الثورة، فتقدّم اليمن نموذجا لتعاطي الردة الاميركية-الخليجية مع الثورات العربية: الدعوة لتنحي الرئيس لنائبه، تشكيل حكومة ائتلافية تقولم على مناصفة في الشكل، وهي مختلة في المضمون، اضافة الى انها فاقدة للصلاحيات، باعتراف رئيسها محمد سالم باسندوه في حديث تلفزيوني أخير. وفي الآن ذاته، الميل نحو «حزب الاصلاح اليمني» بما هو الطرف الاسلاموي الوسطي، رغم وجود جناح جهادي فاعل فيه بقيادة الشيخ عبد المجيد الزنداني، والحفاظ على القاعدة العسكرية للنظام السياسي، بالحجة اياها – الحرب العالمية ضد تنظيم «القاعدة»، واخيرا ليس آخرا تسريح قوى الثورة الحية، اي مستقبل اليمن، واخراجها من دوائر الفعل والتأثير، الخ.

بقي التذكير بأن الوصاية الاميركية السافرة والهيمنة المالية والسياسية والطائفية للعربية السعودية، تشجعان الاطراف المتضررة – في الحركة الحوثية والحراك الجنوبي خصوصا – على استدراج التدخل الايراني وقد تكشف في الاسابيع الاخيرة، ان هذا التدخل يشتمل على تهريب السلاح ايضا.

يبدو ان ما احد يتعلّم من اخطاء سواه بالنسبة لمآسي الاستقواء بالخارج على الخصم في فهل تعتبر المعارضة السورية مما تحمله التجربة اليمنية من عبر ودروس؟

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
اليمن
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الدولة القومية الديمقراطية الربيع العربي اليمن

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.